تدخل الحرب فى داغستان يومها الحادي عشر وسط تزايد مخاوف الروس من أن تنجرف بلادهم نحو حرب دامية جديدة تعيد الى الاذهان ذكرياتهم المؤلمة فى الشيشان قبل ثلاث سنوات . ويغذى من هذه المخاوف تشكك بعض الخبراء العسكريين الروس فى تأكيدات جنرالات الجيش الروسى من ان الامر لن يستغرق سوى اسبوعين للقضاء بشكل نهائى على ما يسمونه بـ (تمرد) المسلحين المسلمين المتشددين المطالبين برحيل القوات الروسية عن داغستان واعلانها دولة اسلامية مستقلة لتنضم فى نهاية المطاف الى الشيشان المجاورة لتدعيم استقلال هذه الدولة الذى لم تعترف به روسيا. ويقول هولاء الخبراء: ان داغستان ربما لا تكون شيشان أخرى ولكنهم يحذرون من أنها تنطوى على محاذير مماثلة مثل خطر الانزلاق الى حملة عسكرية ضارية واسعة النطاق تحمل فى طياتها مخاطر تنفير السكان المحليين وتحولهم لتأييد المقاتلين الذين تقول روسيا انهم مسلحون شيشان يكنون العداء لها وعلى خلاف مع حكومتهم فى جروزنى. ويقول بافيل فيليجنهاور المحلل العسكرى لصحيفة سيفودنيا الروسية ان الجيش الروسى لم يتعلم شيئا من الشيشان وهو غير مهيأ اطلاقا لهذه الحرب ن فليس بوسعه تحقيق النصر باستخدام القوة الجوية وحدها كما أن القوات ليست فى حالة طيبة تكفى لكسب الارض وان شامل باساييف (قائد المقاتلين الاسلاميين مازال يملك زمام المبادرة. الا ان المراقبين للاوضاع فى روسيا يقولون انه على النقيض من حرب الشيشان هناك عدة جوانب سياسية فى صالح الروس هذه المرة منها أن السلطات المحلية فى داغستان تؤيد الحملةالعسكرية ضد المتشددين فى الوقت الذى لا يحظى فيه هولاء المتشددون بتأييد الحكومة الشيشانية فى جروزنى. كما يبدو فى هذه المرة ان الساسة من جميع الاتجاهات فى موسكو يؤيدون الحملة العسكرية فى داغستان بما فى ذلك أولئك الذين وجهوا انتقادات قاسية للحرب الشيشانية مثل جريجورى يافلينكس زعيم حزب بابلوكو الذى صرح بقوله (ان الامر يختلف على نحو جذرى عما حدث فى الشيشان فقد كان الانفصاليون الشيشانيون يحظون بتأييد 95 فى المائة من السكان واما ما يحدث الان فى داغستان فهو عدوان من جانب متطرفين اسلاميين ضد روسيا) . غير ان هذا لا ينفى ان هناك بعض النقاط التى تصب فى صالح المقاتلين الاسلاميين مثل معرفتهم القوية بطبيعة الارض الجبلية الوعرة التى يحاربون فوقها كما أنهم يتمتعون بخبرة واسعة من ايام الحرب الشيشانية بتكتيكات الهجمات الجوية والبرية للقوات الروسية فضلا عن أنهم يعتمدون ايضا على سوء التنسيق بين وحدات المظلات وقوات وزارة الداخلية وقوات الشرطة التى تشكل القوة الروسية فى داغستان وهى المشكلة التى شلت من قدرات الجيش الروسى خلال حرب الشيشان. وقد جسد هذه المشكلة سيرجى ستيباشين قبل اقالته من منصبه كرئيس لوزراء روسيا بقوله ان أحدا لا يتحمل فى حقيقة الامر مسؤولية الوضع فى داغستان نظرا لان القادة الروس يحجمون عن المخاطرة بمكانتهم فالذين يتذكرون ما وقع عامي 94 و 95 (خلال حرب الشيشان) يشعرون بالخوف من تحمل المسؤولية. ولا أحد يعرف على وجه التحديد عدد المقاتلين الذين يقول الروس انهم تسللوا بقيادة باساييف وخطاب الاردنى المولد الى عدد من قرى غربى داغستان المتاخمة للشيشان. و ان كانت وزارة الداخلية الروسية تقدر عددهم بألف ومائتى مقاتل مازال ثلثهم فى الشيشان كقوة احتياط لزملائهم فى داغستان فى حين يرفض الجيش الروسى الافصاح عن عدد قواته فى داغستان أحدى جمهوريات شمال القوقاز التى تموج بالتوترات العرقية. الا أن الخبراء يقدرون عددهم بعدة الاف يشارك مئات منهم بشكل مباشر فى القتال الدائر حاليا لطرد المقاتلين من القرى التى يحتلونها. ومع أن الروس يقولون ان لديهم قوات قتالية ذات كفاءة عالية بما يكفى للقضاء على هذا التمرد فى فترةالاسبوعين التى سبق وان حددوها لوضع نهاية لهذا الصراع والحيلولة دون استفحاله فان الآلاف من أفضل قوات المظلات الروسية تتواجد الان فى مهام حفظ السلام فى البوسنة وكوسوفو. وينطوى هذا الصراع على أبعاد تتجاوز ساحة القتال فاذا قام الروس بتسوية القرى التى يحتلها المقاتلون بالارض فى محاولتهم لاستئصال خطرهم فانهم يخاطرون بتحول السكان المحليين ضدهم فى حين أن شن غارات واسعة النطاق على قواعد المقاتلين فى الشيشان قد يحرض المزيد من (المجاهدين) الشيشايين على الانضمام الى اليهم. ويذهب بعض المحللين الى أن استراتيجية باساييف هى توريط الروس فى الاقدام على فعل ذلك على وجه التحديد. وعلى الرغم من ادعاءات كلا الجانبين فان الصراع مازال فيما يبدو فى مراحله الاولى واحتمالات امتداده الى الشيشان تبدو قوية على الرغم من تأكيد الرئيس الشيشانى أصلان مسخادوف من ان بلاده ليست لها صلة بما يحدث فى داغستان وتحذيره للروس من اى هجمات على أهداف فى الشيشان, ولكن الطائرات الروسية قصفت قاعدة للمقاتلين يوم الجمعة الماضى بالقرب من مدينة كينخى المجاورة للحدود مع داغستان غير أن الروس لم يعلنوا منذ ذلك الحين عن شن اية هجمات على اهداف شيشانية. كما أكد الروس انه ليست لديهم اية خطط للقيام بغزو بري للشيشان. وتثير مخاوف عودة القوات الروسية الى الشيشان للقضاء على قواعد من تصفهم موسكو بالارهابيين هلع الروس لان مثل هذا الغزو سيعنى انتهاك اتفاق وقف اطلاق النار الذى تم التوصل اليه فوق اشلاء عشرات الالاف من الضحايا فى حرب أذلت كبرياء الجيش الروسى الذى كان قبلها شديد الاعتداد بنفسه. وسيعنى ايضا العودة الى وضع تقهقرت منه جريحة الكبرياء فى وقت يعتقد فيه بعض المحللين العسكريين ان الجيش الروسى ليس فى حال أفضل مما كان عليه قبل ثلاث سنوات لمحاربة الشيشانيين المعروفين بشراستهم القتالية. ويذهب بعض الدبلوماسيين الغربيين فى موسكو الى ان روسيا بالغت فى رد فعلها أزاء مثل هذا الصراع الصغير النطاق حيث ان كل مكاسب المقاتلين تنحصر فى الاستيلاء على عدد من القرى النائية المتاخمة لحدود الشيشان وان كان هولاء الدبلوماسيون يعترفون بأنه كان من الصعب على موسكو ان تستمر فى تجاهل سقوط الضحايا بين صفوف قواتها في مناطق داغستان المتاخمة للشيشان التى شهدت على مدى العام الماضى مناوشات اسفرت عن مصرع العشرات من رجال الشرطة. ويبدو من الصعب ان يحقق المتشددون وعدهم باقامة دولة اسلامية فى داغستان التى تضم ميلونى نسمة ينحدرون من أكثر من ثلاثين عرقية يشكل المواطنون من اصل شيشانى مجرد واحدة منها فى الوقت الذى لم يتمكن فيه المقاتلون من فرض سيطرتهم على اى من مدن داغستان الرئيسية. كما يتشكك المراقبون فى مدى التأييد الذى يمكن ان يحظى به المتمردون من جانب السكان المحليين الذين قد لا يرغبون فى استبدال السيطرة الروسية بالسيطرة الشيشانية على الرغم من تنامى المد الدينى الاسلامى فى الجمهورية منذ انهيار الاتحاد السوفييتى السابق. ـ أ.ش.أ