يعيش الفلسطينيون في مناطق السلطة الوطنية بقطاع غزة ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب تدني معدلات الدخل الفردي وارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية الاساسية وانقطاع الكهرباء يوميا . والكل هناك في مرحلة ترقب وانتظار يتابعون الفضائيات والاذاعات ويقرأون الصحف ويتداولون الاشاعات, ويكاد يكون حديثهم اليومي منصبا على حكومة باراك, وما الذي ستجلبه لهم وللسلام الجامد و على الفساد المستشري في الجسد الاداري الفلسطيني. وليس صعبا على الزائر ان يراقب الوضع بدقة سواء في الشوارع أو في الأسواق أوالدوائر الحكومية, وما يميز الشارع الفلسطيني الآن عن السنوات الماضية هو ارتفاع نبرة الصوت الناقد لمجريات الحياة اليومية, ولتعويل السلطة على ايهود باراك, ومرور أكثر من خمس سنوات على قيام السلطة دون احراز النتائج الموعودة أو قطف الثمار المرجوة. أم محمد العقاد تصحو في الخامسة من صباح كل يوم لتذهب ببعض من طيورها ودواجنها لكي تبيعها في سوق خان يونس كي تسدد نفقات نجلها محمد في الجامعة الاسلامية بغزة وتشتكي بمرارة من غلاء الحياة وصعوبة الحصول على المواد الاساسية. وتقول: سواء جاء باراك أو غيره, كلهم يهود في يهود, همهم مص دمائنا ورمينا عظاما في الصحراء, انهم قتلة الانبياء لا يؤمن لهم جانبا. وتقسم بالله قائلة (والله لن يعيد الأرض سوى السلاح والقنابل) . هذه العجوز الفلسطينية التي يتراوح عمرها ما بين الستين والسبعين ليست هي الوحيدة التي تشكو الفاقة والفقر, فالناس هناك سئموا طول الانتظار. انقطاع الكهرباء يعيش قطاع غزة في كل ليلة فترات طويلة من الظلام الدامس وتتناوب المدن والقرى الفلسطينية على العيش في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء, فالحياة هناك كئيبة في الظلام, هذا اذا وجدت الحياة في ظرف لا انساني تحدده شركة الكهرباء الاسرائيلية, حينما تقرر قطع الكهرباء دفعة واحدة بحجة تأخر السلطة في دفع الفواتير أو تقطيرها يوميا (نظام القطع المناطقي) بحجة عدم تحمل الشبكة. مسؤولو السلطة الفلسطينية عاجزون تماما عن ايجاد الحلول لهذه المشكلة الكارثة ويتذرعون بان اسرائيل لاتزود قطاع غزة الا بـ (80 ميجاواط) في حين ان هذا القطاع يحتاج الى 95 ميجاواط من الكهرباء على ادنى تقدير, ويقول مسؤولو السلطة ان اسرائيل تزود المناطق الفلسطينية بما يفيض عن حاجتها وحاجة مصانعها من الكهرباء, وكذلك فان العجز مستمر والازمة مستمرة دون التوصل الى حل. لا اذكر على الاطلاق انني تناولت وجبة العشاء في غزة او خان يونس على مدى 18 يوما دون حدوث انقطاع للتيار الكهربائي. غير ان المضيفين من العائلات او الاصدقاء اعتادوا على هذا الامر وتراهم مجهزين دائما بالبطاريات الشاحنة او الشموع الكبيرة التي تحول الاجواء المأساوية الى رومانسية مفروضة من المحتل, لدرجة ان الأطفال الصغار اصبحوا على علم مسبق بمواعيد انقطاع الكهرباء ولذلك فانهم يعودون الى بيوتهم خوفا من الغرق في الظلام الدامس الذي يداهم مدنهم وقراهم كل يوم. يعلق الدكتور اسامة الفرا رئيس بلدية خان يونس على هذا الوضع بقوله (اسرائيل تتحمل المسؤولية كاملة لانها هي الطرف الذي يتحكم بالشبكة الكهربائية في انحاء قطاع غزة. وهناك الكثير من المحال التجارية والمصانع والمرافق العامة والخاصة تدفع خسائر باهضة يوميا من جراء انقطاع التيار الكهربائي, غير ان المهندس وليد سعد صايل مدير عام شركة الكهرباء الفلسطينية يؤكد ان هذه المشكلة سوف تحل جذريا بحلول سبتمبر 2000 عندما يتم تشغيل اول محطة كهرباء فلسطينية يجري العمل في تشييدها حاليا فوق الاراضي الزراعية المقابلة لوادي غزة وعلى مقربة من ساحل البحر الابيض المتوسط. وكان رئيس الشركة سعيد خوري قد وقع اتفاقية انشاء المحطة في غزة يوم 18/6/1999 مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وهذا التطور يعني ان على الفلسطينيين ان ينتظروا عاما كاملا من المصاعب والمتاعب الناجمة عن الانقطاع اليومي للكهرباء. ويقول يونس صالح احد اصحاب مصانع الخياطة في غزة ان مصنعه يتكبد خسارة يومية تتراوح بين 800 ـ 1000 دولار امريكي. ويحجم المستثمرون حتى الآن عن الشروع في اقامة منشآت ومرافق صناعية او سياحية خوفا من استفحال مشكلة انقطاع التيار الكهربائي. ويذكر بسام العويطي صاحب محل لبيع الاحذية في خان يونس ان انقطاع الكهرباء يلحق به الضرر لانه عادة يبدأ في اوقات ذروة العمل مما يضطره للاغلاق مبكرا. وتتزود المحال الكبيرة بمولدات صغيرة الا ان تشغيلها او امتلاكها ذو كلفة باهضة, حتى ابراج غزة السكنية الجديدة مزودة بالمولدات الالمانية الصنع. الغلاء ومتاعب الحياة يمكن القول ان الناس في قطاع غزة لم يعرفوا طعم السعادة بعد, لأن حياتهم اليومية مهددة بالافلاس بسبب الغلاء الفاحش مقارنة بتدني الدخل الفردي الذي لم يتجاوز الفي دولار سنويا. يقول اياد الجبور موظف حكومي: تصور ماذا يبقى من مرتبي البالغ 300 دولار امريكي شهريا اذا كان ليتر البنزين بدولار واحد واذا كانت اسطوانة الغاز بـ 15 دولار وفاتورة الهاتف بـ 50 دولار!! حتى الاغنياء والميسورين يشكون بصوت عال ويقولون اذا استمرت الحياة على هذا المنوال فلن يبقى في غزة سوى طبقة واحدة هي طبقة الفقراء. الضريبة الاسرائيلية والضريبة المضافة الفلسطينية تصل الى 34% وتفرض على جميع السلع الاستهلاكية تقريبا ونسب اعلى على الكماليات وضرائب السيارات تبلغ 180% تقريبا هناك ضريبة معابر وضريبة طرق وضريبة املاك وضريبة تجارية وليس مستبعدا ان تفرض ضريبة على تنفس الهواء الملوث في شوارع غزة. يقول ابراهيم شعث وهو صاحب للازياء في خان يونس: ان موظفي الجمارك في قطاع غزة اكثر من عدد التجار ورجال الاعمال انهم يزورونا كل صباح او كل مساء اكثر من الزبائن, وندفع لهم بصمت, لكننا قد نعود في المساء بلا خبز او حليب لاطفالنا. من يدخن في غزة يدفع الثمن باهظا لان سعر علبة السجائر الاجنبية بعد الضريبة المضافة يصل الى ثلاثة دولارات امريكية غير ان الناس يدخنون بشراهة تحت ضغط الهم اليومي المتجدد. افلاس وركود الشركات والمحال التجارية عموما تعاني من ازمة سيولة خانقة, البنوك ترفض او تقنن القروض خوفا من عدم القدرة على السداد. ويقول كمال كامل المجايدة المدير التنفيذي للبنك الفلسطيني - الاسلامي في غزة: ان الوضع صعب جدا لانعدام الموارد ونقص السيولة ولدى الناس طموحات كبيرة تجتهد, تعمل, لكن الغالبية تفشل بسبب عدم وجود اسواق بديلة وبسبب فشل صناعات ومنتوجات فلسطين في منافسة مثيلاتها الاسرائيلية حتى المشروعات الصغيرة التي شجعتها الدول المانحة والمنظمات غير الحكومية لم تعد قادرة على الصمود او مقاومة شبح الافلاس. ويقول جميل فخري قاسم صاحب ورشة لتصنيع الالمنيوم والهوائيات (لا توجد سيولة) . الناس تضحي وتنفق ما لديها من اموال على امل تحسن الوضع الاقتصادي الا ان هناك تراجعا في كل شيء. وقال (كل مبيعاتي بالديون وكل مشترياتي من المواد الخام بالشيكات المؤجلة نعمل ليل نهار من اجل لقمة عيش نأكلها بمرارة لا يوجد شيء مريح هنا) . ويضيف (لم يبق سوى ان نبيع ما لدينا من ممتلكات كي نسدد ديوننا للتجار او نهرب ولكن الى اين؟ انها حياة تقصر العمر) . وبالفعل يرى زائر غزة كهولا وشبانا في مقتبل العمل ارهقتهم المعاناة الاقتصادية اليومية وجعلتهم يدفعون الثمن باهظا لان الدول المانحة مشغولة فقط بتلبية طلبات السلطة الفلسطينية واجهزتها وتدير ظهرها للانسان الفلسطيني. هجروا الأرض من يمر بالشريط الساحلي (المواصي) على شاطىء بحر خان يوس ودير البلح حتى منطقة عجلين قرب غرة يلاحظ مدى الدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي الفلسطيني خلال السنوات القليلة الماضية وفي المنطقة الوسطى (السطر, القرارة حتى بيت حانون وبيت لاهيا) تنتحر بيارات البرتقال واشجارها تموت واقفة من شدة العطش لقد هجر اهل الارض ارضهم بسبب الاغلاقات الاسرائيلية المتكررة والتي تحول دول السماح بتصدير المنتوجات الزراعية الى الخارج وارتفاع اسعار الادوية الزراعية المستوردة من اسرائيل. والجفاف المتكرر للعام الخامس على التوالي ويبدو ان القطاع الزراعي في غزة على موعد مع الخراب والجفاف والحصار. لقد كانت منطقة (المواصي) على ساحل البحر هي سلة غذاء فلسطين اليوم نجدها ارض قفر مفروشة بالحشائش التي تعشش فيها البوم والطيور المتوسطية بعدما هجرها المزارعون. يقول صبري هاشم مزارع من خان يونس لم تعد الزراعة كما كانت فانا اعمل في زراعة الخضار طيلة العام ولم احصل اكثر مما يعادل 100 دينار أردني في السنة كلها والمائة دينار تكفي المنزل ام مدارس الاولاد ام فواتير الكهرباء والماء. اشجار الجوافة في مواصي خان يونس ماتت من شدة العطش ولم تعد قادرة على مواصلة العطاء ويقول احد اصحاب مزارع الجوافة ويدعى امين كامل (45 عاما) كل مبيعات المزرعة من الجوافة لا تسدد قيمة فاتورة المياه والادوية فأنا اعمل هنا برفقة اطفالي وزوجتي بدون اجر لكي تظل الاشجار خضراء تدب فيها عروق الحياة الا اننا لم ننجح في ذلك لان الجوافة لم تعد قادرة على الحياة تركتنا وتركناها وذهبت الى المدينة لاعمل سائق تاكسي من اجل لقمة العيش) . حتى المزارعين الميسورين لم يعودوا ميسوري الحال مثل الماضي, فالبيوت الزراعية التي تحتضن شتلات الطماطم والخيار أو غيرها من الخضار لم تعد تعوضهم عن نفقات الزراعة. ويقول المحامي ابراهيم السقا صاحب احدى المزارع الكبيرة شرق خان يونس (حينما يصل سعر صندوق الطماطم الى دولار امريكي, لا يمكن لنا الصمود في الزراعة, لأن هذا الدولار هل هو تكلفة الدواء أو البيت الزراعي, وهل هو أجر العامل أو عربة الشحن؟ انها مأساة, الخضار نلقي به الى مكبات القمامة لكي لا تفسد المكان. الأسواق المحلية الصغيرة متخمة بالمنتوجات الزراعية لانعدام أبواب التصدير الخارجي, اسرائيل تتحكم حتى الآن في الصادرات الزراعية وتؤخرها في المعابر الحدودية لكي تفسد, كما انها تغرق أسواقنا الصغيرة بانتاج المزارع الاسرائيلية الضخمة, مما يهدد الاسعار والانتاج والقطاع الزراعي الفلسطيني كله. عمال البطالة حتى (عمال البطالة) .. وهو مشروع نفذه المجلس الفلسطيني للتنمية والاعمار (بكدار) في غزة قبل عامين, توقف عن العمل الآن بسبب نقص الموارد المالية, ولم يعد الشباب يحلمون الحصول على فرصة عمل, اذ ان وظائف السلطة تكاد تكون معدومة حاليا, وغالبية العاملين في مشروع البطالة من الجامعيين الذين لم يحالفهم الحظ في العمل بنفس التخصص, وقبلوا العمل مع (بكدار) لتنظيف الشوارع أو تبليطها ورصفها, ورغم ذلك انقضى هذا العهد الذهبي, عهد بكدار بالنسبة لحوالي خمسة آلاف عامل جامعي في قطاع غزة. يقول المهندس محمد زكريا الاغا مدير (بكدار) في خان يونس (توقف مشروع عمل البطالة بسبب توقف الدول المانحة عن تمويل هذا المشروع وبعد ان اصطحبنا بجولة في سيارته وسط خان يونس وضواحيها, قال (كما ترون فان جميع الشوارع الرئيسية والفرعية مرصوفة الآن, ولم يعد لدينا مشروعات جديدة, كما اننا لا نستطيع التفكير في المستقبل لعدم وجود أموال) . ولا يدري المهندس الاغا الذي كان منشغلا في انتخابات نقابة المهندسين بغزة أكثر من انشغاله بقضية العمال الجامعيين الذين توقفوا عن العمل ليتحولوا الى الشارع هائمين على وجوههم في انتظار المجهول! ويتندر أحد ابناء خان يونس ويدعى محمد فارس بقوله: (ذهبت مع عائلتي لخطبة شابة من اطراف المدينة, فلما سأل الأب عن مهنتي, أجابت والدتي (ان محمد يعمل مهندس شوارع) ارتاح الأب لهذا الجواب, الا انني أكملت الاجابة تعني انني أتمشى في الشوارع بلا هدف لأنني عاطل عن العمل حاليا منذ ان توقفت مشاريع بكدار, الا انني انتظر الفرج, وكان العامل في مشروع البطالة يحصل على مرتب شهري بقيمة 200 دولار امريكي. وفي زيارة لمدير عام وزارة الداخلية العميد وليد ابوشعبان, سمعنا صراخا قريبا من المكتب, فقد حاولت السكرتيرة منع شاب من مقابلة المدير العام بمساعدة الحراس, ووسط جو الصراخ خرج المدير من مكتبه لمعرفة ما الذي يجري, ليكتشف ان كل ما في الأمر هو ان شابا جاء لمقابلته ليطلب عملا في الوزارة, أجابه قائلا: بصراحة لا توجد وظائف. قال الشاب بصوت متهدج: أنا خريج جامعي تخصص برمجة كمبيوتر وربما أفيدكم. أجابه المدير العام: المشكلة ان الوظائف كلها مشغولة, و قال الشاب: أريد ان أعمل أي شيء, أنا ماهر في صنع الشاي والقهوة والتنظيف, ساعدني كي أعمل جرسونا للوزارة. اعتذر له المدير العام وعاد الى مكتبة ليبلغني انه يواجه مثل هذه الحالات يوميا, فليس كل انسان فلسطيني قادر على العمل في الخارج وليس كل انسان فلسطيني تسمح له اسرائيل بالعمل في مصانعها أو في مزارعها. غزة ـ د. جمال المجايدة