يزور المغرب اليوم رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه ماريا ازنار في ظروف شهدت تجدد الامتعاض بين مدريد والرباط على نحو يبعث على التساؤل عما اذا كان في الوسع التخلص من جو (الخصام الودي)الذي كثيرا ما يعكر صفر الوداد بسحب داكنة. فمنذ اسبوع تقريبا وردود الفعل الاسبانية تتوالى على تصريحات رئيس الحكومة المغربية عبدالرحمن اليوسفي المطالبة باعادة النظر في الوضع القانوني لمدينتي سبتة ومليلة المغربيتين اللتين تحتلهما اسبانيا وقد وصل الامر باليسار الموحد الاسباني الى مطالبة رئيس الحكومة الاسبانية بالغاء زيارته للمغرب فيما ذكرت مصادر اسبانية ان ازنار سوف لن يلتقي اليوسفي خلال الزيارة التي لن تستغرق سوى يوم واحد. وقبل ذلك بفترة كانت الصحف المغربية تعرف حالة من الهياج اثر استقبال وزير الخارجية الاسباني لرئيس جبهة البوليساريو محمد بن عبدالعزيز وتبرع حكومة مورسيا بخمسين مليون بسيطة لصالح الجبهة التي تدعو لاستقلال الصحراء الغربية عن المغرب, كما عرفت حالة مماثلة عندما تم الاعلان عن شمول سبتة ومليلة بالتغطية العسكرية للحلف الاطلسي. وواحدة من هذه الحوادث تحتوي على قدر من الديناميت كفيلة بتفجيرعمارة من عشرين طابقا لكن كما يبدو ثمة ارادة سياسية مشتركة من الطرفين لابقاء العلاقات الرسمية في وضع طبيعي ولعل تشكيل لجنة ابن رشد قبل ثلاثة اعوام تصب في هذه الجهود بالذات اي ازالة اسباب سوء التفاهم وما اكثرها بين البلدين. وعلى رغم ذلك هناك حساسية فائقة في الجانب الاسباني تجاه المغرب الاولى لاسباب سياسية والثانية لاسباب اجتماعية واذا كانت الاولى محكومة باعتبارات معقدة تجعلها في عداد الملفات الطويلة الامد فالثانية تضغط بثقلها كلما اقترب موعد انصرام اجل اتفاقية الصيد البحري الموقعة بين المغرب والاتحاد الاوروبي والتي تعد اسبانيا المستفيد الاساسي منها ولا يخامر الاوساط السياسية المغربية الشك بأن حملة الاحزاب ووسائل الاعلام الاسبانية ضد اليوسفي تريد الوصول الى شيئين: اكراه المغرب على ان يجمد مطالبه بشأن سبتة ومليلة, وان يتخلى عن عزمه على عدم عقد اتفاق جديد للصيد البحري. واذا كان استعمال أوراق الضغط ما بين الجيران مسألة مألوفة, بيد ان استمرار ملفات من قبيل سبتة ومليلة, ووجود ذيول لملف الصحراء يذكر بأن الماضي الاستعماري لم يتم التخلص منه, وهذا من السلبيات التي تثقل العلاقات بين المغرب واسبانيا, وعدا هذا يمكن للعلاقات الثنائية على الصعيد الرسمي ان تتحمل شتى التجارب لأن هذه العلاقات أصبحت الآن تسمح بالتعامل مع كل ملف في قناته, وبمقتضى حجمه, وذلك بفضل النضج الذي وصلت اليه هذه العلاقات. لقد استقرت, منذ مجيء الاشتراكيين الى الحكم في اسبانيا مطلع الثمانينات, حالة تفاهم اسبغت على علاقات مدريد والرباط رداء من السكينة, وكانت حكومة كالبو سوتيلو التي سبقتهم, قد مهدت لتلك الحالة بخطوات خففت من ثقل سوء التفاهم الذي هو من افرازات الفترة الاستعمارية. ففي ظل آخر حكومة لاتحاد الوسط, أبرم الاتفاق الثقافي, وأخذت اتفاقات الصيد البحري طويلة الأمد تشق طريقها, بدلا من التمديدات القصيرة, وبحلول الاشتراكيين في الحكم وقع انقلاب غير منتظر, وتم ذلك على يد فيليبي جوانزليس الذي فهم بحسه العميق ان العلاقات مع المغرب ملف يتطلب عناية خاصة, بينما كانت فئات من الحزب الاشتراكي, حتى في القيادة, سجينة الشعارات الدارجة على الألسن, وهي شعارات تبسط الامور على نحو يطرح الاختيار بين الجزائر (التقدمية) والمغرب (المحافظ) . واستطاعت اسبانيا ان تجعل من المغرب محورا رئيسيا لدبلوماسيتها عن طريق اقامة حوار مستمر مع المغرب, وبالنسبة للمغرب كان ينظر الى اسبانيا بعين الارتياح, خصوصا وانها تغيرت كثيرا بعد دخولها المجموعة الاوروبية عام 1986 مما شجع على هجرة المغاربة اليها بحثا عن فرص عمل, اما النخبة المغربية فقد اعجبت بالنجاح المزدوج الذي حققته اسبانيا: النجاح الاقتصادي والتحول السياسي. وفي عام 1995 أظهر استطلاع للرأي ان اسبانيا تحتل في هذه النخبة الصف الثالث وراء المانيا واليابان, كما أظهر هذا الاستطلاع ان مسألة استرجاع سبتة ومليلة لم تعد تشكل الاولوية أكثر من جلب الاستثمارات الاجنبية واقتحام الاسواق الخارجية وتحسين صورة المغرب وراء حدوده. وكان من نتائج تغيير النظرة المغربية لأسبانيا ارتفاع مفاجىء للاستثمارات الاسبانية خلال السنوات العشر الاخيرة, فبعد ان كان حجمها لا يتعدى 40 مليون درهم سنويا بين 1987 و,1988 ارتفعت هذه الاستثمارات عام 1991 الى 244 مليون درهم لتستقر على رقم 809 ملايين عام 1992 وهو ما مثل 19% من الاستثمارات الخارجية بالمغرب وراء فرنسا. وفي عام 1992 وقع المغرب وأسبانيا (معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون) والتي دخلت حيز التنفيذ في 1993 رغم عدم الاجماع عليها في اسبانيا لانها جاءت في اواخر عهد حكم جونزاليس, الا ان هذا لم يمنع من ان يكون المغرب أحد المستفيدين الرئيسيين من صندوق دعم التنمية الاسباني, ومنذ يونيو 1988 أخذ المغرب يحصل على قروض اسبانية كبيرة, فيما استقرت قرابة 600 مقاولة اسبانية بالمغرب. ويبدو واضحا ان سياسة الحزب الشعبي الحاكم اليوم ان اسبانيا تجعل من ربط التنمية الاقتصادية للمغرب بمستقبل المصالح الاسبانية خيارا اساسيا, وقد أكد رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه ماريا ازنار على ذلك بالقول ان (دول المغرب العربي يجب ان تبقى هدفا رئيسيا لدبلوماسيتنا وان استقرارنا رهين باستقرار هذه الدول) والأكيد ان زيارته اليوم للمغرب تبرز أن العلاقات الاسبانية المغربية ستستمر على الشكل الذي سارت عليه خلال سنوات التفاهم والتعاون الاخيرة. الرباط ـ رضا الاعرجي