لم تعرف فلسطين في تاريخها نظاماً مصرفياً مستقلاً الا بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية قبل خمس سنوات, وعلى الرغم من البداية المبكرة لافتتاح البنك العربي في القدس عام 1930 الا ان المندوب السامي البريطاني كان مهيمناً على القطاع الاقتصادي ويرفض انشاء جهاز مصرفي حقيقي قائم على نظام مؤسسي, وبعد العدوان الاسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة في 1967/6/5 اصدرت سلطات الاحتلال الاسرائيلي القرار العسكري رقم 7 بتاريخ 1967/6/7 اغلقت بموجبه جميع البنوك الفلسطينية والعربية في ذلك الوقت وسمحت فقط للبنوك الاسرائيلية بافتتاح 32 فرعاً لها في الضفة الغربية وقطاع غزة, الى ان جاءت السلطة الوطنية الفلسطينية في يوليو 1994 وباشرت بانشاء اول جهاز مصرفي في تاريخ فلسطين. وعلى الرغم من مرور خمس سنوات على قيام هذا الجهاز لا يزال وضع القطاع المصرفي محشور في عنق الزجاجة ربما بسبب تردي الوضع السياسي والاقتصادي في مناطق السلطة الفلسطينية, وهذا راجع الى الممارسات الاسرائيلية الرافضة لقيام نظام اقتصادي وطني فلسطيني مستقل, وربما يرجع ذلك الى نقص الخبرة وقصر عمر التجربة, وآخرون من الخبراء المصرفيين يرجعون تردي الوضع الاقتصادي والمصرفي الى انعدام الثقة من القطاع الخاص المقيم والوافد في المؤسسات الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية. هناك اوضاع صعبة تدعو للقلق, وبعض البنوك تحرك اموالها وموجوداتها الى الخارج بين الحين والآخر خوفاً من الانعكاسات السلبية لعملية السلام على عملياتها المصرفية, ولكن ما هي آفاق المستقبل في ظل حكومة باراك, هل تنصلح الاوضاع؟ ام تبقى على حالها؟ ام تتردى اكثر فأكثر؟ مستقبل القطاع المصرفي يقول الدكتور فؤاد حمدي بسيسو محافظ سلطة النقد الفلسطينية ان الجهاز المصرفي الفلسطيني لعب دوراً جيداً في اعادة التنمية والاعمار حيث ارتفع عدد البنوك الى 23 بنكاً بشبكة من الفروع بلغت 106 في العام 1998. واضاف: لقد بلغت الموجودات للبنوك العاملة في فلسطين 3336.65 مليون دولار حتى 1998/12/31 مقارنة بـ 2907.55 مليون دولار في 1997/12/31 مسجلة بذلك ارتفاعاً قدره 15% عن عام 1997 في حين بلغت قيمة ودائع العملاء 2090 مليون دولار لعام 1997 وبلغت في عام 98 ما مقداره 2414 مليون دولار بزيادة قدرها 15%, كما بلغت نسلة التسهيلات الائتمانية 21% من اجمالي ودائع العملاء لعام 97 وسجلت ارتفاعاً بسيطاً في العام 98 حيث بلغت 25% من اجمالي الموجودات و34.5% من اجمالي ودائع العملاء لنفس الفترة. وعن اسباب هروب رؤوس الاموال الفلسطينية الى الخارج قال ان سلطة النقد الفلسطينية اصدرت تعليمات للبنوك العاملة في فلسطين لزيادة نسبة التسهيلات الائتمانية وتقليل نسبة التوظيفات في الخارج وذلك لتوفير فرص اكبر لعملية الاستثمار واستقطاب رأس المال الفلسطيني في الخارج واعادة تأهيل البنية التحتية الفلسطينية. وذكر السيد بسيسو انه لتعزيز اداء البنوك التمويلي ساهمت سلطة النقد الفلسطينية في تأسيس شركة فلسطين للرهن العقاري لتوفير التمويل المتوسط وطويل الاجل بقطاع الاسكان وتتابع دراسة سياسة الاحتياط النقدي الالزامي من اجل تشجيع القروض طويلة الاجل والودائع, كما تتابع دراسة اقامة مؤسسة لضمان القروض وغيرها من الآليات التي تسهم في تطوير مستوى مساهمة البنوك في التنمية. عثرات أمام سوق الأوراق المالية لاتزال سوق الاوراق المالية الفلسطينية تعاني من العثرات بسبب الممارسات الاسرائيلية المدمرة. ويقول السيد بسيسو ان هذه السوق تعتبر حديثة وقد شكلت العوائق السياسية والاقتصادية تحدياً كبيراً لهذه السوق وخصوصاً اذا اخذنا في الاعتبار محدودية عدد الشركات المساهمة العامة العاملة في فلسطين والتي تمثل اسهمها الركيزة الاساسية لعمل السوق. واضاف: وعلى الرغم من وجود هذه العوائق التي اثرت سلباً على اداء السوق الا انه لدينا امل كبير في ان يتم تطوير هذه السوق من خلال استكمال اطره القانونية والتنظيمية والرقابية وتعزيز فرص التنسيق بين مختلف الاطراف المؤثرة في نشاط السوق المالية. وقال ان السوق النقدية تسبق السوق المالية بمعنى ان انشاء وتطوير سوق الاوراق المالية يأتي في مرحلة متقدمة من مراحل التنمية الاقتصادية واعترف بوجود فجوة مازالت قائمة بين التطور الذي تحقق في القطاع المصرفي وذلك التطور الذي تحقق بالنسبة لسوق الاوراق المالية. ويرى د. بسيسو ان دور المصارف الفلسطينية في عملية التنمية المالية يمكن ان يتم من خلال منح التسهيلات لتمويل المشاريع العامة, وكذلك مقابل شراء اسهم وسندات قبول الاسهم والسندات ضماناً للتسهيلات وفق النسب المحدودة من خلال السلطات النقدية وخلق صناديق تابعة للبنوك تعمل على تحريك وضع السوق المالي وذلك من حيث استثمار هذه الاموال في الاوراق المالية المدرجة في قاعة السوق, ثم خلق ادوات مالية كالاوراق التجارية او شهادات الايداع والتي تلعب دوراً اساسياً في دعم السوق المالي ومن ثم خلق طلب عليها, لتشجيع الاكتتابات في الاسواق الاولية من خلال خلق شركات جديدة تدرج في السوق الثانوي. عقبات اقتصادية يقول كمال المجايدة عضو مجلس ادارة البنك الاسلامي الفلسطيني القائم باعمال الادارة العامة للبنك ان الجهاز المصرفي والاقتصاد الفلسطيني يواجه العديد من العقبات والمتاعب التي تحول دون نموه حتى الان, وتساءل كيف يمكن لجهود السلطة الوطنية الفلسطينية ان تحقق نجاحاً لتحسين اوضاع الاقتصاد الفلسطيني امام الحصار الاسرائيلي المتواصل والاغلاقات المتكررة؟ واضاف: ان الشعب الفلسطيني بكامله يعيش تحت الاحتلال المباشر, كما ان خسائر الاقتصاد الفلسطيني تصل الى 10 ملايين دولار يومياً في كل مرة يتم فيها الاغلاق. وقال كمال المجايدة ان من ابرز المشكلات التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني حالياً ارتفاع معدلات البطالة الى 80% عن فرض الاغلاق الاسرائيلي اضافة الى تضاؤل تحويلات المغتربين الفلسطينيين في دول الخليج العربية. متاعب الجهاز المصرفي ويقول ان الجهاز المصرفي الفلسطيني تواجهه كذلك سلسلة من المتاعب ابرزها عدم وجود عملة وطنية وتداول ثلاث عملات رئيسية داخل فلسطين هي الدولار والدينار الاردني و(الشيكل) الاسرائيلي, مشيراً الى ان عدم وجود عملة وطنية يؤثر سلباً وبشكل مباشر على اداء الاقتصاد الفلسطيني خاصة فيما يتعلق بميزان المدفوعات وبسبب التداول بالشيكل الاسرائيلي داخل الاسواق الفلسطينية باعتباره العملة الرئيسية الاولى للمعاملات الداخلية, ونظراً للتذبذب المستمر في اسعار العملة الاسرائيلية فان ذلك يترك اثره السلبي على الاقتصاد الفلسطيني حيث يسبب حالة من الارباك للتجار والمتعاملين, ويثير فوضى اقتصادية يصعب التحكم بها. وذكر ان اتباع البنوك الفلسطينية سياسة الائتمان القصير والمتوسط يشكل عائقا امام اقامة المشاريع الكبيرة التي تعتبر دعائم وركائز الاقتصاد الوطني, وان كانت لهذه البنوك اسباب تدعوها الى اتباع هذه السياسة الا انها مدعوة في نفس الوقت للمساهمة في تمويل المشروعات الكبيرة وهذا يتأتي من خلال التوسع في إنشاء البنوك المتخصصة في الاستثمار والتنمية التي مازال يفتقدها الجهاز المصرفي الفلسطيني بالرغم من وجود 23 مصرفاً داخل فلسطين منها تسعة وطنية, ستة تجارية وثلاثة اسلامية. ودعا الى ضرورة الاسراع في تأسيس مجلس نقد فلسطيني يتبع سلطة النقد الفلسطيني تمهيداً لاصدار النقد الفلسطيني, لان وجود النقد الوطني الفلسطيني يعزز ويدعم الثقة في الاقتصاد الوطني مما يعكس اثراً ايجابياً للاستثمار في داخل فلسطين وهذا يؤدي بدوره الى تحسين الاداء والنمو الاقتصادي. واقع الجهاز المصرفي الفلسطيني توجد في الوقت الحاضر 7 بنوك وطنية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية هي: بنك فلسطين, البنك التجاري الفلسطيني, البنك الاسلامي الفلسطيني, الاستثمار الفلسطيني, القدس للتنمية والاستثمار, الاسلامي العربي, العربي الفلسطيني للاستثمار, فلسطين الدولي, بنك الاقصى الاسلامي, كما يوجد 4 بنوك اردنية هي: البنك العربي, بنك القاهرة عمان, بنك الاردن, بنك الاردن والخليج ولها 22 فرعاً. ويوجد بنك مصري واحد هو البنك العقاري العربي وله فرعان, واغلقت جميع البنوك الاسرائيلية في تلك المناطق. وبالنظر الى الميزانية الموحدة للبنوك العاملة في فلسطين خلال الفترة ما بين 1998-1995 يتضح ما يلي: سجلت الموجودات زيادة كبيرة حيث ارتفعت من 1441 مليون دولار عام 95 الى 3336 مليون دولار عام 1998, وقد احتلت الموجودات الاجنبية المرتبة الاولى في اجمالي الموجودات بقيمة 1742.5 مليون دولار وبنسبة 53.5% في اكتوبر 1998, بينما احتلت التسهيلات الائتمانية المرتبة الثانية بمقدار 286.5 مليون دولار وبنسبة 8.8% وتجدر الاشارة الى انه بالرغم من زيادة الموجودات الاجنبية بسبب طبيعة ومعطيات الاقتصاد الفلسطيني الا ان نسبة زيادة التسهيلات الائتمانية فاقت نسبة زيادة الموجودات الاجنبية. اما في جانب المطلوبات فقد احتلت الودائع المرتبة الاولى مسجلة 2331.4 مليون دولار وبنسبة 71.6% واحتلت المطلوبات الاجنبية المرتبة الثانية بقيمة 282.8 مليون دولار وبنسبة 8.7% واحتل رأس المال المرتبة الثالثة بقيمة 228.5 مليون دولار وبنسبة 7% وتجدر الاشارة الى ان الزيادة الكبيرة في رأس المال من 74.7 مليون دولار عام 1995 الى 228.5 مليون دولار في اكتوبر 1998 تعود الى وفاء البنوك بمتطلبات رأس المال والتي لا يقل حدها الادنى عن 10 ملايين دولار بالنسبة لفروع البنوك الاجنبية هذا بالاضافة الى افتتاح بنوك جديدة. وخلال السنوات 1998-1995 زادت الودائع زيادة كبيرة حيث ارتفع حجمها من 1195.3 مليون دولار عام 95 الى 1711.3 مليون دولار عام 96 وارتفعت الى 2090.14 مليون دولار عام 1997 وزادت الى 2414.70 مليون دولار في ديسمبر 1998 محققة بذلك نسبة زيادة بلغت نسبتها 15.5% عن العام 1997, وتؤكد هذه الزيادة المستمرة في حجم الودائع الى زيادة ثقة المواطنين في القطاع المصرفي. اما بالنسبة لتوزيع الودائع حسب الجهات المودعة فيلاحظ ان ودائع القطاع الخاص المقيم قد استحوذت على اكبر نسبة من الودائع, حيث بلغت 2164 مليون دولار في اكتوبر 98 وبنسبة بلغت 92% من اجمالي الودائع, وصلت ودائع القطاع العام في المرتبة الثانية بنسبة 7.2% وبمقدار 167.3 مليون دوار بينما احتلت ودائع القطاع الخاص غير المقيم المرتبة الاخيرة بنسبة 0.8% وقيمتها 20.7 مليون دولار. اما بالنسبة لتوزيع الودائع حسب الوديعة, فقد شكلت الودائع لاجل النسبة الكبرى من اجمالي قيمة الودائع, حيث بلغت قيمتها 1353.9 مليون دولار في اكتوبر 1998 وبنسبة 57.6% من اجمالي الودائع, وجاءت الحسابات الجارية في المرتبة الثانية بمقدار 692.4 مليون دولار وبنسبة 29.4% من اجمالي الودائع. وجاءت الحسابات الجارية في المرتبة الثانية بمقدار 692.4 مليون دولار وبنسبة 29.4% من اجمالي الودائع وصلت ودائع التوفير في المرتبة الاخيرة بمقدار 305.7 مليون دولار وبنسبة 13%, وتركزت الودائع في بعض البنوك كما يلي: ـ البنوك الاردنية الثمانية تستحوذ على 1.9 مليار دولار و80% من اجمالي الودائع. وتستحوذ البنوك المصرية على 100 مليون دولار و4% من الودائع. والبنوك الاجنبية تستحوذ على100مليون دولار و4% من اجمالي الودائع وفيما يتعلق بالتسهيلات الائتمانية فقد زادت محفظتها خلال الفترة 1995-1998 زيادة كبيرة حيث, ارتفعت قيمتها من 259.8 مليون دولار عام 1996 والى 6129 مليون دولار عام 1997 ووصلت في نهاية عام 98 الى 833.10 مليون دولار محققة بذلك زيادة بلغت نسبتها 15.5% مقارنة مع العام 1997. ويؤكد المحافظ الدكتور فؤاد حمدي بسيسو على الدور المتنامي لسلطة النقد الفلسطينية في تحقيق نجاحات طالت مختلف انشطة القطاع المصرفي, حيث كثفت عملها الرقابي والاسرافي وتوقع ان تدخل سلطة النقد عام 2000 وهي اكثر قدرة على الاحاطة الشاملة بنظام الرقابة والتدقيق المصرفي. ما هو المطلوب من سلطة النقد؟ اكد خبراء مصرفيون أن هناك تراجعا في اداء البنوك الوطنية في فلسطين حتى النصف الاول من عام 1999 ولايدرون ما اذا كان هذا التراجع مؤقتاً ام هو اتجاه يعكس حالة القلق الاقتصادي السائد في قطاع غزة. ولذلك فانهم يطالبون سلطة النقد القيام بعدة خطوات للاصلاح العاجل للوضع المتردي مثل تخفيض نسبة الاحتياط النقدي على ودائع البنوك في قطاع غزة بنسبة 2% لكل عملة بحيث تصبح 12% و8% و6% للعملات الرئيسية الثلاث الدينار, الدولار والشيكل, التزام المصارف التجارية باقراض هذه النسبة الى القطاعات الاقتصادية المختلفة بهدف تنشيط الاسواق, وقيام وزارة المالية باجراء مواز لمساعدة سلطة النقذ في احداث الانتعاش عبر تخفيض الضرائب على صافي الارباح المتحققة بنسبة 15-10% بشرط ان يعاد استثمار الاموال مجدداً في نفس القطاعات او بغيرها ويبقى هذا الاجراء ساري المفعول حتى 99/12/31. ويرى الخبراء ان هذه الاقتراحات هي احداث تنسيق بين الادوات النقدية والمالية بنفس الاتجاه لزيادة تشجيع الاستثمارات في القطاع. ويؤكدون انه بدون احداث هذه الخطوات فسوف تظل الاوضاع الاقتصادية متردية ولذلك لابد من زيادة وتوسيع حجم الاستثمارات ومضاعفة النشاط التصديري, ونظراً لان تنشيط حركة السياحة من الضفة والخارج الى قطاع غزة محكوم بقرار اسرائيلي لا سلطان للطرف الفلسطيني عليه, لذلك فانه وبدون وضع الممرات الامنة موضع التنفيذ من غير الممكن توقع نتائج ذات دلالة بالنسبة لمشاركة قطاع غزة في العملية الاستثمارية والانتاجية خلال العام الحالي ولا في الاعوام المقبلة اذا بقيت حالة الفصل الكامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة على ما هي عليه, وهذه هي مسؤولية السلطة الوطنية الفلسطينية والاطراف الراعية لعملية السلام في الشرق الاوسط. غزة ـ د.جمال المجايدة