بعد مرور شهر على تفجير قضية التنصت على المكالمات الهاتفية في لبنان يعاود مجلس النواب اللبناني مناقشة القضية قريباً وسط اجواء من الجدل الواسع حول دواعي الامن القومي التي تدفع للجوء الى هذا الاجراء وبين اعتباره انتهاكاً للحياة الخاصة مع اتساع نطاق الظاهرة الامر الذي دفع الى التفكير في اصدار تشريع يحسم الامر وهو ما اطلق عليه (قوننة التنصت) وفي هذا الاطار عقد رئيس مجلس الوزراء سليم الحص سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع وزير الاتصالات السلكية واللاسلكية عصام نعمان وعضوي اللجنة النيابية التي شكلها المجلس لوضع تقرير شامل عن القضية وهما النائب سامي الخطيب ومدعي عام التمييز عدنان عضوم. تقليد عالمي (البيان) التقت النائب الخطيب رئيس اللجنة النيابية للأمن والدفاع لاستطلاع رأيه حول القضية والتعرف على ما وصلت اليه اللجنة في تقريرها, في البداية يعتبر الخطيب ان التنصت امر طبيعي وتقليدي في العالم, ويستغرب الضجة المثارة حوله من قبل المعارضة لاحراج الحكومات القائمة, وان كان ذلك ينم كما يقول:(عن جهل في الوقائع المتعلقة بالقضية) . ويقول ان كل بلدان العالم تمارس التنصت وخاصة تلك ذات الانظمة الديمقراطية الحريصة على حريات الناس, لكن الملاحظ ان ثمة ثقة في تلك البلدان بين الناس والاجهزة التي تتولى هذه المهمة وتعمل لخير المواطنين لا للاساءة اليهم: (لهذا لم نسمع بأي مشكلة حول التنصت في اي بلد الا عندما يساء استعمال هذه الوسيلة) . ويضيف الخطيب الذي مارس التنصت بنفسه عندما كان ضابطاً في المخابرات العسكرية اللبنانية في الستينات ان مراقبة المكالمات الهاتفية موجودة منذ ان وجد الهاتف في لبنان, لكن آلية التنصت تطورت بشكل مذهل على الخطوط الهاتفية الثابتة او المحمولة (الموبايل) نتيجة القفزات التقنية الهائلة التي حصلت في العالم على هذا الصعيد حتى ان الاقمار الاصطناعية تراقب كل الاتصالات عن بعد عشرات الكيلومترات من الجو, وتدخل الى الشبكة الداخلية في المنازل ولذلك فعندما يقولون اليوم:( ممنوع التصوير, منطقة عسكرية) , فهذا شيء مضحك, لان تلك الاقمار قادرة على تصوير زر القميص عن بعد 30 كيلومتراً. وبات الكمبيوتر يعرف لون التربة والاخضرار وكثافة المياه وماذا يوجد فيها ونسبة التلوث عن بعد 40 كيلومترا بواسطة الصورة. (المحمول) خطر جدا * أثير في مجلس النواب مؤخرا انكم غير واثقين من وجود التنصت على الهاتف المحمول (الخليوي) . فهل توصلتم الى نتائج واضحة في هذا المجال؟ ـ يجيب الخطيب بقوله: توصلت اللجنة المؤلفة مني ومن الرئيس عضوم الى نتائج باهرة على ذلك الصعيد بعد ان استعنا بمهندسين وخبراء محليين واجانب, فتبين ان امكانية التنصت على (الخليوي) سهلة جدا لكنها غالية الثمن, لانه تتم من خلال السنترالات وليس من خلال مراقبة او ضبط المكالمات في الهواء. ويتطلب الامر وضع (ديسك) في السنترال يبرمج مراقبة 500 خط دفعة واحدة, هذه الوسيلة خطيرة جدا, ويجب ان تكون تحت مراقبة الدولة لا الشركات الخاصة, ولا يعني هذا الكلام ظنا او اتهاما لهذه الشركات بل ما المانع من ان يكون احد مهندسيها مرتبطاً بجهاز اجنبي ويدخل البرامج ويراقب من أية منطقة دون ان يدرك احد الامر. لذلك فالخليوي وسيلة مهمة جدا, وخطرة جدا ولا يجوز ان تبقى بمنأي عن بوتقة السلطة. من هنا سيحدد تقرير اللجنة (الخطيب ـ عضوم) دور السلطة وحدود القانون في التعاطي مع ذلك سواء بالنسبة للخليوي او الهاتف العادي ويقول (مطلوب تنظيم التنصت لحماية حريات الناس ونظامنا الديمقراطي, ولعدم حرمان الاجهزة الامنية المكلفة بالامن القومي والامن اليومي من استعمال هذه الامكانية الهائلة لضبط الامن في البلد ومكافحة الجريمة, على ان يكون عملها ضمن اطار من الضوابط القانونية والاخلاقية. ولكن كيف يمكن ان يتم هذا؟ ـ يجيب الخطيب: اذا نظمت عملية التنصت وقوننته وشرعنته (نسبة الى القانون والتشريع) , ومن الممكن ان نستفيد من الدول الامريكية والاوروبية التي سبقتنا في هذا المجال, لذلك فإننا سنرفق التقرير الشامل الى رئاسة مجلس النواب باقتراح قانون ينظم عملية المراقبة سواء الخاصة بالاتصالات السلكية واللاسلكية او الخليوية وسنلحظ مسألة اعطاء حق المراقبة لمن وكيف واين؟ اي من له حق المراقبة ومن يأمر بها, ومن يراقب المراقبة؟؟ شر لابد منه! ويصف الخطيب التنصت بالشر الذي لابد منه بالنسبة للاجهزة الامنية, ويتذكر ان المراقبة الهاتفية كانت, عندما كان ضابط استخبارات, اكثر من 60 في المئة: (كنا من خلال ذلك نراقب تجارة المخدرات وتجارة السلاح, والجرائم المنظمة في تبييض العملة, اوالجرائم الدولية التي يلاحقها (الانتربول) , او كل ما يتعلق بقضايا الامن القومي التي قد تستدعي احيانا مراقبة بعض السياسيين. انما لكي يكون هذا العمل شرعيا فلابد من ان يقترن بمواصفة النيابة العامة التمييزية) . ويتابع: (عندما طرح موضوع التنصت نتيجة اثارته من بعض السياسيين وحدثت ضجة بسببه وضع المجلس النيابي يده على هذا الملف, واستدعى اليه وزير الداخلية والدفاع وكل رؤساء الاجهزة الامنية, وطرح الموضوع, ونوقش, واقر مدير المخابرات ومدير الامن العام بأن هناك تنصتا على الشبكة السلكية يقترن دائما بموافقة النيابة العامة التمييزية التي كانت حاضرة هذا الاجتماع, ووافقت على هذا القول, ونفى الجميع نفيا قاطعا بان تكون المراقبة تستهدف السياسيين لاهداف سياسية) . وللتأكيد ان التنصت الهاتفي شر لابد منه يقول النائب الخطيب مضيفا: (عندما كنت وزيرا للداخلية كنت اوقع لوائح تحتوي معلومات عن بعض الاشخاص لضرورات امنية, كذلك تمكنا سنة 1963 من اكتشاف شبكة تجسس كبرى تقودها شولا كوهين من خلال التنصت على الهاتف) . ويشرح الواقعة بقوله: (امسكنا خيوط قضية التجسس هذه من خلال مراقبة احد موظفي وزارة المالية السابقين, ولن نذكر اسمه حرصا على عدم التشهير, اذ رفعت فيه مذكرة ادارية تتهمه باختلاس اموال من الوزارة, ومن خلال مراقبة خطه تبين ان علاقة تربطه باليهودية شولا كوهين, فاستأجرنا شققا قريبة من سكنها, واستخدمنا آلات للتصوير خلال الليل واستمر عملنا نحو سبعة اشهر تمكنا بعدها من كشف اكبر شبكة تجسس في الشرق الاوسط, وقد حكمت كوهين بنحو عشرين سنة في السجن, عدنا وبادلناها عام 1976 بـ 300 معتقل لبناني. بيروت ــ وليد زهر الدين