حقا لم تخونني الذاكرة.. لا أكاد أصدق ٌ! كنت أنا عزة بلبع طالبة كلية التجارة بالإسكندرية.. الضلع الثالث في مثلث (نجم ـ إمام ـ عزة).. الفتاة الصغيرة التي وقفت في السبعينات تغني للوطن.. للعمال والفلاحين.. لفلسطين ومصر .. عرفني الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون قبل أن يعرفني المصريون.. ويومها سأل العرب: من أين أتت هذه الشابة التي يبوح كل شئ فيها بعشق الوطن.. وما الذي جمعها بالشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم ؟! شهادة .. مصرية توالت الأسئلة وتعلق الجميع بكلمات نجم وصوتي وصوت وألحان الشيخ إمام.. ولكن لم يعرفني الجمهور المصري إلا في الثمانينات عندما اشتركت في أوبريت (العشرة الطيبة) لسيد درويش ومسرحية (الذباب الأزرق) للراحل نجيب سرور..وساعتها قالوا في مصر أن الجمهور أعطى لصوت عزة شهادة الميلاد.. فقد غنت بتلقائية وفهم عميق إيذانا بميلاد الصوت المثقف الذي أثار الإعجاب.. وبالطبع هم قالوا ذلك لأنهم لم يسمعوني في السبعينات. والحقيقة أن مشواري مع الغناء لم يبدأ في الجامعة بل بدأته كهاوية وعلى مسرح (ليسيه الحرية) كانت خطواتي الأولى.. بعدها قدمتني منار أبوهيف في العديد من الأوبريتات الغنائية التي كانت تقدمها المدرسة. وفي جامعة الإسكندرية كنت أغني وأشارك في الحفلات ومن هنا بدأت معرفة الناس بي لكن في نطاق الجامعة فقط. البداية الحقيقة ظللت أغني كهاوية فترة طويلة, ثم التقيت بالشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم في أحد الحفلات التي كانت تقيمها الجامعة, شعرت أن هذا اللون الذي يؤدونه هو الغناء الحقيقي, وأن للأغنية دورها الهام في التعبير عن مشاكلنا وآمالنا وأحلامنا, وفي أحد الجلسات استمع الشيخ إمام إلى صوتي وأعجب به, ودعاني للغناء معهم في الحفلات والندوات ووافقت فقد وجدت فيما يقومون به من أعمال ضالتي المنشودة. وفي تصوري أن هذه هي أهم مرحلة في حياتي, وأعتقد أنها البداية الصحيحة التي صقلتني كثيرا من الناحية الإنسانية والفنية, فالغناء في حب الوطن متعة كبيرة, كما أن المشاركة في تخفيف العبء عن كاهل المواطن والوطن ولو بالغناء رسالة كبيرة. شعرت بجزء بسيط فيه.. فلقد كانت هذه المرحلة مليئة بالأحداث السياسية التي أثرت في مجريات الأمور في الوطن العربي بأسره وليس في مصر فقط, وولدت في دواخلنا انفعالات مضادة, وكان لابد من فعل أي شئ لمواجهة كل هذه التحديات. رسالة الفن الغناء عندي منذ البداية فعل وحركة, مجابهة وتحد, ولهذا كنت حريصة على الانتقاء, والكلمة كما أتصور هي العنصر الأول والأهم.. هي التي تثير الوجدان وتؤثر في المتلقي, وإذا كانت الكلمة صادقة أو ذات مضمون جاد فلابد أن تفجر داخل الملحن شيئا عبقريا. أما ما حدث عندنا الآن أن فنانا أو اثنين يقدمان هذا النوع من الأغاني ذات المضمون الجيد.. أما الباقي فيبحثون عن المال والشهرة بصرف النظر عما يقدمون وما قد يسببه ذلك من تدمير للذوق العام. ورغم أنني لم أستطع الحصول على مكانتي في دائرة النجوم وتحت الأضواء المسلطة إلا أنني لست نادمة وسأظل أؤمن بأن الفن لابد أن يكون صادقا.. أما الفن المسطح فإنه لن ينجح إلا لفترة.. وسأظل أعتقد بأن للأغنية رسالة لابد من الحفاظ عليها, يجب أن تعبر عن الأمل والحلم والتطلع إلى الأجمل والأفضل.