يصعب الحديث عن الاسلام في الصين, لأسباب تاريخية وجغرافية وسياسية مختلفة, دون التطرق لطبيعة التركيبة الفسيفسائية المعقدة للدولة الوطنية الصينية, حيث تضم التركيبة السياسية لهذه الدولة خمساً وخمسين قومية معترفا بها رسميا, بينها عشر قوميات مسلمة . المفكر المسلم الذي نسعى لتقديمه الى القارىء العربي هنا, ينتمي الى قومية (الخوي) , اهم القوميات المسلمة العشر في الصين, والتي تضم في الواقع كافة الصينيين المسلمين. هذا التعبير الاخير (صيني مسلم) , ثم تبنيه في مجال الدراسات حول الاسلام في الصين من قبل الخبراء, للتفريق بين (الخوي) وغيرهم من مسلمي الصين, كالقازاق أو الويغور, او الطاجيك أو المنغول, والذين وان تم ضم اراضيهم الى الدولة الوطنية الصينية, الا انه لم يتم دمجهم في المناخ الثقافي الصيني, فظلوا يتحدثون لغاتهم الاصلية: التركية أو الفارسية أو المنغولية... اما (الخوي) , وهم الصينيون الذين اعتنقوا وعاشوا الاسلام منذ بدايات الدعوة المحمدية, فأنهم يعيشون في كافة ارجاء الصين, ويتحدثون كغيرهم من الصينيين, اللغة الصينية. من هنا, فإن التقديم للمفكر الصيني المسلم, ابويوسف ماتونغ, كان لابد ان يأتي في هذا الاطار. فإن فكره الاسلامي, هو بالاساس فكراً صينيا, بالمعنى الحضاري واللغوي للكلمة, فهو يتعامل مع النصوص الصينية, ويتعرض للظواهر الاسلامية المختلفة في حدود معرفته بهذه اللغة, وفي اطارها. وحيث سنجد انفسنا بمواجهة مفردات وتعابير خاصة, لا يمكن فهمها او التعامل معها الا في اطار هذه اللغة, وهذه التركيبة الثقافية الاسلامية الصينية كما سنرى. ولد المفكر الصيني المسلم ابويوسف ما تونغ عام 1929 في قانصو (غرب الصين) المقاطعة المتاخمة لمناطق التبت, والتي تتمتع بالحكم الذاتي للمسلمين فيها, لقد ولد بالتحديد في مدينة (ما جاهاكن) تعني باللغة الصينية (قرية نهر عائلة ما). التعبير الاخير (ما) زائدة تضاف في اللغة الصينية للاسماء التي ينتمي حاملوها للدين الاسلامي وتعني النسبة الى (المحمدية) . تخرج عام 1947 في كلية الحقوق بالجامعة الوطنية لمنطقة الشمال الغربي, ليأخذ طريقه بعد ذلك في مجال البحث عن التراث الاسلامي في الصين, وتاريخ الحركات الاسلامية المختلفة. حيث توالت مؤلفاته منذ عام 1981 وحتى الآن حول: تاريخ الفرق الاسلامية في الصين, ونظام (المنهان) , اصول الطرق الصوفيه في الصين, الملامح الخاصة للاسلام في مناطق شمال غرب الصين... وغير ذلك من المؤلفات والابحاث التي تعد اليوم أهم المراجع حول الاسلام في الصين, والتي نصبت مؤلفها كأهم مفكري الصين المعاصرين حول تاريخ الاسلام والطرق الصوفية في الصين. على هذا التقى (الملف السياسي) بهذا المفكر الكبير في الحوار التالي: من اين جاء اهتمامكم بموضوع البحث حول تاريخ الاسلام في الصين؟ ــ ان الحديث عن الاسلام في الصين هو في حقيقة الأمر الحديث عن (الخوي) , هكذا فإن أية محاولة للبحث عن تاريخ الخوي, عن تاريخنا, لن تكون ممكنه بدون البحث عن تاريخ الاسلام في الصين بالذات, فان قدوم الاسلام للصين, وبالتالي دخول اجدادنا الأوائل, قد تم على مراحل تاريخية معقدة, وطويلة المدى, لقد أردت من طرفي تدوين هذا التاريخ, وتركه للاجيال التي ستأتي بعدنا, والتي ستجد نفسها امام نفس التساؤل. هكذا ابدأ اهتمامي بهذا المشروع منذ تخرجي من كلية الحقوق وفي حقيقة الأمر, لقد استفدت من إمكانيات البحث العلمي المتاحة بالجامعة للإطلاع على كل الوثائق التي كانت تتحدث عن الاسلام في الصين, وزرت كل الزوايا الصوفية للبحث عن الوثائق التي تتطرق لهذا التاريخ, أو طبيعة الممارسات الاسلامية أو الصوفية, قابلت أغلب زعماء الاسلام, وشيوخ الطرق الصوفية وسجلت عنهم ما اعطوه لي من معلومات, ونقلت عنهم كل ما كان مكتوباً حول هذه الطرق أو تاريخها, لقد بدأت منذ ذلك التاريخ مهمة بحثية أساسية, وهي مقارنة كل ما تحصلت عليه من معلومات مسجلة, بما كان الناس من المسلمين ينقلونه لي شفوياً, هكذا أعطيت لنفسي الوقت الكافي للتفكير حول ما جمعت من معلومات قبل ان ابدأ بنشر ذلك. هل عرقلت سنوات الثورة الثقافية التي شهدتها الصين مشروعكم هذا؟ خاصة وانها عرفت بالسنوات السوداء التي حلت بمسلمي الصين؟ ــ سنوات الثورة الثقافية (1966 ــ 1975), كانت سنوات عجافا لكافة مسلمي الصين كما هو معروف, ورغم ان السلطات الشيوعية لم تنزل على بسياط الاضطهاد (كمسلم) كما كان مصير بعض زعماء المسلمين, إلا انهم نكلوا بي كمثقف, وتم ارسالي ــ مثل الآخرين ــ الى مزارع الانتاج اليدوي.. إلا أنني نجحت في اخفاء كل الوثائق التي جمعتها حتى ذلك الحين, وهذا هو المهم, فان الانقطاع عن البحث خلال تلك الفترة لم يضر كثيراً طبيعة المشروع نفسه, على العكس زاد ذلك من حماسي للمضي قدماً في انجاز مشروعي منذ ان فتح الله علينا بنهاية هذه الفترة المذكورة. تنظيم (المنهان) في كتابكم عن تاريخ الطرق الصوفية في الصين, تشيرون الى ان نظام (المنهان) لايوجد إلا في الصين, هل في هذا اشارة من طرفكم الى ان الطرق الصوفية, أو نظام الزوايا الصوفية في الصين, يختلف عن غيرها من الطرق والزوايا التي توجد في بقية البلدان الاسلامية؟ ــ لقد أشرت بالفعل في كتاباتي الى ان (المنهان) , (تنظيم) أو نظام للطرق الصوفية, لايوجد إلا بالصين, ولكن هذا لايعبر إلا عن تيار تطبيقي, أو نهج في تنظيم الجماعة الصوفية لايوجد إلا بالصين, ولا يعني هذا ان ما يوجد من طرق صوفية بالصين, هي طرق صينية خاصة, على العكس, كل الطرق الصوفية الموجودة بالصين تجد جذورها ومنابعها خارج الصين, كالجهرية أو الخفوية مما تجد جذورهما في النقشبندية, بآسيا الوسطى. الحفوية ــ هكذا تنطق باللغة الصينية وهي من (الخفوت) في اللغة العربية وتعني الذكر بصوت خافت والجهرية, كلاهما في واقع الأمر فرع من النقشبندية, وهو تفرع يميز الطرق الصوفية في الصين. أما تعبير (منهان) نفسه, فهو كلمة صينية صرفة ولايوجد ما يقابلها باللغة العربية, وهي تعني (جماعة الرواد أو التابعين) , والذين ينخرطون في طريقة صوفية ما, على نحو ما, وتستخدم كلمة (منهان) في اللغة الصينية للاشارة الى رجال التصوف. في تصنيفكم للتيارات الاسلامية المختلفة في الصين, لاحظنا انكم تجعلون من (فديمو) ــ هكذا تنطق بالصينية, وتعني قديم بالعربية ــ المفهوم الذي يشير الى الجماعة التقليدية الذي تتبع ممارسة وتطبيق الاسلام السني الحنفي, وترتبط مباشرة بالجامع ــ ضمن (الجياوباي) ـ وتعني باللغة الصينية الطرق الصوفية ــ ولكن كيف يمكن ان نجعل اصولي (الفديمو) ضمن الطرق الصوفية؟ ومتى ظهر بالتحديد هذا اللفظ (فديمو) في الصين؟ ــ يجب ان اشير اولا الى ان كافة مسلمي الصين (او ما يشكل 99% منهم, هم من السنة الأحناف (باستثناء طائفة صغيرة من الطاجيك, في المناطق المتاخمة لطاجيكستان هم من الشيعة الاثني عشر) . بعض هؤلاء انخرطوا في طوائف, وطرق, وتنظيمات محلية ودينية والغالبية ليسوا كذلك, وهؤلاء هم (الفديمو) , غير ان التغيرات الاجتماعية والسياسية, وربما الاقتصادية المختلفة التي ما فتئت تهز الوجود الاسلامي في الصين, جعلت رجال المساجد وتابعيهم, يسعون كذلك الى العمل على تنظيم انفسهم في شبه جماعة منظمة وبالنظر الى هذه التيار ان صح التعبير, وما تمثله من مكانة وقوة خاصة, وفاعلية لا متناهية داخل التركيبة الاجتماعية للاسلام في الصين, كان لابد ان يتناولها الباحث على هذا الاساس اي تصفيتها كطريقة, او تيار منظم. لذلك ذهبت بالفعل في كتابي عن نظام (المنهات) الذي صدر عام 1983 والذي قام على اساس دراسة الاوضاع الحالية للاسلام في الصين, الى تقسيم واقع الاسلام الصيني الى ثلاثة جياو باي كبار: فديمو والاخوان. علي ان مفهوم الاخوان في الصين لا يدل إلا على اتباع الحركة الوهابية بما عرفته من نشاط معارض للحركات الصوتية في الصين والسي داو تونج. هذا التيار الاخير ظهر في الصين للتعبير عن امكانية التعايش الجماعي بين افراد الجماعة الاسلامية, وهكذا استحدث هذا التيار نظام التكافل الاجتماعي والحياة المشتركة بما يشكل عائلة واحدة كبيرة. والى اربعة (منهان) كبار هم (الخوفية) (الجهرية) , (القادرية) و(الكبراوية) . اما لفظ فديمو نفسه فإن الاسلام الصيني لم يعرفه إلا مع ظهور الحركة الصوفية اي مع دخول النقشبندية الى تركستان الشرقية عام 1760 على يد النقشبند هناك بدأ استخدام لفظ فديمو في قانصو للتفريق بين هذا الاتجاه الصوفي في الممارسات الدينية والاتجاه الاصولي القديم. طريق الغرب ما هي (الجياوباي) الاكثر فاعلية, والاكثر انتشارا في الصين في رأيكم؟ ـ بالقياس الى عدد الاتباع, يكون (الفديمو) هو النظام الاكثر انتشارا وفاعلية في الصين, يأتي بعده مباشرة (الخوفية) بتفرعاتها الاثني والعشرين (22) (منهان) ثم الجهرية والتي تتفرع الى اربعة (منهان) ثم يأتي بعد ذلك الاخوان. هل من الممكن ان تعطينا فكرة تقريبية عن عدد المسلمين من (الخوى) , المنخرطين بالطرق الصوفية؟ ـ بحسب الاحصاء) الرسمي الذي صدر عام 1950 يكون معدل توزيع الخوى على الطرق الصوفية المختلفة هو الآتي: ـ 355 الفا منهم تضمهم الطريقة الجهرية بتفرعاتها الاربعة. ـ 92 الفا تضمهم الطريقة الخفوية بتفرعاتها الاثني والعشرين. ــ 92 الفا تضمهم الطريقة القادرية. وهي متفرعة كذلك الى ستة منهان لها تسمياتها المحلية كذلك, ثم عشرة (10) آلاف من الخوى تضمهم الطريقة البكراوية, وهم اتباع شهيد الصوفية ابو الجنب احمد نجم الدين كبرى, الذي اخذ الطريقة الهررية على يد استاذه الوزان المصري, ثم واصل طريقه مع شيخه في تبريز بابا فرج التبريزي, قبل ان يتحول في خوارزم حيث ولد وحيث مات, الى زعيم الطائفة الصوفية التي حملت اسمه, حتى ان المغول اثناء زحفهم على خوارزم, توقفوا باحترام خاص امام هذا الزعيم الروحي, وسمحوا له بمغادرة خوارزم مع مريديه قبل ان يباشروا فتكهم بالاهالي, بيد ان الشيخ كبرى قد فضل طريق الجهاد, وخرج على المغول بسيفه حتى سقط شهيدا مع كل مريديه, وربما, وامام هذا الاجلال الخاص لهذا الصوفي الشهيد, لم تعرف الطريقة الكبراوية في الصين, ولا في غيرها من مناطق آسيا الوسطى اي انقسام. لقد اشرتم في كتاباتكم إلى اختفاء نظام السي ـ داو ـ تونج من الصين المعنى الحرفي للكلمة الصينية هو (صالة طريق الغرب) , ومفهوم الطريق الذي عرفته اللغة الصينية من خلال الديانة الطاوية هو الطريق الصوفي نحو الاعتقاد, وربما تقصد هذه الجماعة اختيارها إلى الطريق نحو الكعبة التي تقع بالنسبة للصينيين في ناحية الغرب. ولكن ما يصل إلى اسماعنا حتى الان, ان هناك عددا لا بأس به من (الخوي) , منخرطون في مثل هذا النظام, ما رأيكم؟ واذا كان ذلك حقيقيا, فهل تتبع هذه الجماعات نفس الحياة الجماعية التي قامت على اساسها هذه الطريقة في البداية؟ ــ لقد ظهرت هذه الطريقة إلى الوجود في الصين مع بدايات هذا القرن في حقيقة الامر, وهذا يعني ان تاريخها الزمني قصير نسبيا, بالمقارنة مع غيرها من (الجياوباي) التي عرفتها الصين, ولقد جمعت حولها حوالي خمسة عشر الف مريد, يعيشون بالفعل حياة جماعية, تشمل اسرة كبيرة متجانسة, ومتكاملة فيما يفترض. يمارسون في نفس الوقت الشرائع واسباب العيش في نفس الاطار الديني, الا انهم مع بدايات عام ,1958 انخرطوا في الحياة الوطنية الشيوعية ـ بحسب الضرورات السياسية دون شك ـ وانحل بذلك عقدهم الديني, بمعنى ان تجمعهم (التنظيمي) المشار اليه لم يعد, بعد هذه الفترة, بنفس الخصوصية الدينية التي قام على اساسها في البداية. اليوم, هناك بالفعل ما يربو عن عشرين الف من الخوي فمن عادوا إلى بعث هذا النظام, وهم يعيشون اليوم في نفس الاطار الصوفي الديني, داخل تجمع عائلي وتكافلي ضخم, يصعب الحديث عنه باختصار هنا. وددنا ان نسألكم عن الحركة (السلفية) التي عرفتها الصين, هل تعدونها من طرفكم من بين (الجياوباي) وهل هي منتشرة في الصين؟ ــ ان تيار (السلفية) في الصين, هو تفرع حديث عن حركة (الاخوان) الوهابية, وهم من السنة الحنبلية, وقد ادخلها إلى الصين بعض من (الاخونج) (لفظ فارسي يستخدم في اللغة الصينية للدلالة على الامام), الذين عادوا من اداء فريضة الحج وتأثروا بالدعوة الوهابية هناك, وقد كان ذلك مع بداية عام ,1949 الا انهم لم يفلحوا كثيرا وظل عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف. لا يكفي استخدام مصطلح (السلفية) كمدلول في اطار الاسلام الصيني الا بحذر شديد, فهو يطلق فقط على طائفة من الاخوان أو الوهابيين, الذين اتخذوا المذهب الحنبلي في الفقه وعددهم ــ كما اشار البروفيسور ماتونج ــ لا يتجاوز بضعة آلاف. هل يمكن ان نعرف طموحكم, كمسلم صيني, وكباحث متخصص في تاريخ الاسلام في الصين, من خلال عملكم هذا؟ ــ وددت ان أؤرخ للاسلام في الصين, حتى اقدمه لكل الاجيال, طالما ان يساهم ذلك في جمع كلمة مسلمي هذه الارض, فان املي الوحيد ان تختفي الخلافات بينهم, ان تنتهي الاحقاد, وان يعودوا إلى كلمة سواء تحت لواء هذا الدين الحنيف, فجميعنا مسلمون, وجميعنا صينيون, فلماذا الخلاف؟! أجرت الحوار: سعاد الوحيدي: باحثة ليبية بمركز الدراسات الصينية في باريس