لا توجد علاقات سياسية بين بلدين في العالم أكثر تعقيدا من العلاقات الأمريكية الصينية, هذا ما يجمع عليه الخبراء والمتخصصون في الشؤون الدولية, فحين تتأزم العلاقات بين واشنطن وبكين الى الحد الذى يقترب من الانفجار تتكسر رياح الغضب بين البلدين بصورة درامية وغير مفهومة, وكأن أبواب قنوات الاتصال السرية قد انفتحت على مصراعيها فجأة ليقول زعماء البلدين في الظلام ما لا يقولونه في العلن, وحين تتطور العلاقات الى الحد الذى يظهران فيه كحليفين استراتيجيين تندلع النيران بلا حدود وهي دائما من مستصغر الشرر. ففى الوقت الذى قاد فيه البيت الأبيض حملة شرسة ضد الحكومة الصينية في أعقاب حادثة الاعتداء على الطلاب في ميدان السلام السماوي في بكين عام ,1989 كان الكونجرس الأمريكى يرتب أوراقه ليمنح الصين وضع الدولة الأولى بالرعاية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية, وحين اندلع بركان الغضب في بكين بعد حادثة قصف السفارة الصينية في بلجراد خلال ضربات (الناتو) قبل أشهر قليلة, كانت الصين تعمل على توسيع دائرة التفاوض مع واشنطن لكى تسمح لها بالانضمام الى اتفاقية التجارة العالمية (الجات) , وبينما كان الكونجرس يشحذ أسلحته لعقاب الصين بعد اتهامها بسرقة الأسرار النووية الأمريكية, كانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تواصل بقوة مفاوضاتها على أرفع المستويات لدعم التعاون العسكرى مع بكين. ألغاز العلاقات الأمريكية الصينية طرحها (الملف السياسي) على نخبة من خبراء العلاقات الدولية والمتخصصين في الشؤون الصينية والأمريكية لفك شفرات هذه العلاقات المعقدة. مخاوف أمريكية كانت مراكز الدراسات الأمريكية هي اول من اخترع فكرة سيادة الصين على القرن المقبل من الناحيتين السياسية والعسكرية, وظهرت عشرات التنبؤات الأمريكية التى تعتبر القرن المقبل قرنا آسيويا خالصا, وفى (أسوأ الأحوال) , من وجهة النظر الأمريكية فإنه سيصبح قرنا صينيا خالصا, كما يقول الدكتور محمد السيد سليم, مدير مركز الدراسات الآسيوية بـجامعة القاهرة, ووفــق تلك التنبؤات تتحدد الكثير من التوجهات الاستراتيجية الأمريكية نحو الصين, وعلى هذه الـخلفية صـاغ الأمريكيون سياستهم تجاه المارد الأصفر المرتقب. ويبدو أن البيت الأبيض ومؤسسة الاستخبارات الأمريكية بدأت ترصد عن قرب تطورات الأوضاع داخل الأراضي الصينية, وتسجل بدقة التصاعد المطرد في معدلات النمو الاقتصادى ودعم الحركة التصنيعية, والتفوق في المجال العسكرى, إلى جانب المكاسب الدولية التى تحققها بكين خاصة بعد أن استعادت أعظم المدن التجارية العالمية هونج كونج من أيدى البريطانيين عام ,1997 الى جانب سعيها لاستعادة تايوان, بالاضافة للاحترام الدولى الذى تحظى به بكين خاصة بين بلدان العالم الثالث. ولأن الأمريكيين تسيطر على سياستهم الدولية فكرة (القيادة الأبدية بلا منافس) بحيث لا يبدون سماحة أو تهاونا تجاه التنازل عنها لأى قوى أخرى في العالم, فإن المعادلة الدولية من وجهة نظر واشنطن ينبغى أن تمضى وفق نظرية (أمريكا + الصين) , وليس (أمريكا ــ الصين) على أساس أنه اذا مضت التنبؤات الأمريكية في اتجاهها الصحيح فإن أمريكا عليها أن تروض هذه القوة المتصاعدة وتتعاون معها, لتصب قوتها في نهاية الأمر في سلة المصالح الأمريكية, لا أن تصبح قوة الصين خصما من قوة أمريكا, وترث بكين موقع القوة الثانية الشاغر منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. ... ومحاذير صينية هذه هي الاستراتيجية العامة التي تتحرك بها أمريكا تجاه الصين كما يراها الخبير السياسى محمد السيد سليم, أما على الجانب الصينى فإن بكين تدرك من جهتها أن الكثير من أوراق اللعبة في العالم في أيدى الولايات المتحدة الأمريكية, فطوال سنوات الحرب الباردة كانت الصين تأمن جانب (الرفاق) في موسكو وتدرك أن الخلاف الفكرى مع الاتحاد السوفييتى لن يتحول الى مواجهة خطرة لانشغال السوفييت بالسباق الدولى ثنائي القطبية, في نفس الوقت الذي تتمتع فيه بعلاقات أمريكية حذرة تدرك أيضا أنها لن تصل الى حد الأزمة المعقدة لنفس الأسباب, لكن الصين اليوم باتت على يقين أنها لكى تستكمل مراحل نموها العسكرى والاقتصادى والسياسى, وتعزز نفوذها الدولى فإن عليها أن تتجنب مواجهة ساخنة أو باردة مع واشنطن. وربما يرجع هذا التصور الصينى للعديد من الأسباب, فبكين لم تعد صاحبة القنبلة النووية الوحيدة في آسيا, فإلى جانب إرث الاتحاد السوفيتى البائد, والموزع بين عدد من جمهوريات الاتحاد الروسي, قفزت دولتان آسيويتان الى النادى النووى هما الهند وباكستان, وإن كان الأعضاء الجدد في المعسكر النووى ينشغل كل منهما في الصراع مع الآخر, فإن بكين لا تنسى تاريخ الصراع الطويل مع الهند والذى شهد حروبا طاحنة مرات عديدة, الأمر الذى يجعلها تتحسب بدقة حين تخطو بنفوذها النووى والعسكرى والبشرى الى أبعد من حدودها, والهند ليست دولة نووية لها صراعها التاريخى الطويل مع الصين فحسب, لكن يقين بكين أن القنبلة الهندية ليست مقطوعة الصلة بالولايات المتحدة الأمريكية, وأنه في حالة نشوب صراع سياسى أو عسكرى بين البلدين في اطار ترتيب أوضاع الهيمنة الجديدة في القارة الآسيوية, فإن واشنطن لن تكون بأى حال في المعسكر الصيني, وستدعم أمريكا أصدقائها في نيودلهى حتى النهاية. وبنفس المنطق فإن بكين ليست على وئام كامل مع كوريا الشمالية صاحبة المشروع النووى الناهض, كما أنها تعلم أن دول النمور الآسيوية المتألقة اقتصاديا عند تخومها في جنوب شرقى القارة ترتبط بعـلاقات وثيــقة مــع الولايات الـمتحدة الأمريكية, إلى جــانب الصــراع الذى ينتظر المارد الصينى حول استعادة جزيرة تايوان, وهو صراع يصعب حسمه من دون موقف دولى مساند لمطالب الصين, ومفتاح هذا الموقف الدولى, وأدوات صياغة الرأي العام في تايوان كلها بأيدى واشنطن, والأكيد أن كل هــذه الـملفات الــمعقدة في آسيا لا تدفع الصين الى ميدان منافسة القوة العالمية الوحيدة الا بعد أن تضمن جيدا أين تضع خطواتها الأولى. هذه التداخلات بين طموحات البلدين تجعل كلاً منهما في حاجة الى الآخر كما يقول محمد السيد سليم وبهذا المنطق يمكن فهم كيف يمكن أن تبدو العلاقات الأمريكية ا لصينية على شفا الانهيار فجأة, ثم هي تعاود نشاطها وتدفقها بنفس القوة بصور مفاجئة أيضا. هشاشة المواقف غير أن هذه القائمة من المصالح المشتركة قد لا تصمد كثيرا أمام أي من المنعطفات التى تضر بالأمن القومى لأى من البلدين في تقدير الدكتور قدري سعيد, الخبير في الشؤون العسكرية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام, فالصين لها مصالحها المتنامية في آسيا, كما أن الانهيار الذى شهده اقتصاد النمور الآسيوية خلال العام الماضى أشعل حماسة بكين في بدء حملة تناهض الآلية الغربية الرأسمالية في الاقتصاد, كما أن سقوط الاتحاد السوفيتى وصمود الصين كقوة سياسية وعسكرية ونووية وبشرية واقتصادية ناهضة يضاعف من الطموح الصينى في مد نفوذها عبر القارة وتوسيع دائرة مجالها الحيوى بصورة تعكس حقائق تلك القوة, فالجيش الصينى قوامه ثلاثة ملايين جندي, وقدراتها النووية الهائلة, الى جـانب الســلاح الهــيدروجــينى المـتطور الذى أعلنت عنه مؤخــرا, يمــنحها فـرصة استخـدام استراتيــجية الـردع لحسم مسألة سيطرتها على آسيا الأمر الذى يضعها في مـواجهة مباشــرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العديد من القضايا الساخنة. وعلى رأس هذه القضايا كما يقول قدري سعيد هو تباين وجهات النظر حول ضم الصين لجزيرة تايوان, والاستعراض الصينى للقدرات العسكرية التى تحت تصرفها بصورة توحى بعزمها استخدام العمل العسكرى لاستعادة الجزيرة التى ظلت لسنوات طويلة تحظى بالرعاية الأمريكية المباشرة, ويمكن للصين أن تستخدم حججا متعددة للتدخل العسكرى دون أن تسمح لواشنطن أو أى من الدول الغربية بالتدخل على غرار المعاملة نفسها التى لقيتها خلال أزمة كوسوفو. كما أن واشنطن وبكين ليستا على وئام فيما يتعلق بالعديد من القضايا الدولية وقد تجلت الخلافات بينهما بصورة كادت تعصف بكل ما تحقق من جهود للتقارب خلال العقد المنصرم, وتتعدد تلك الخلافات من التوجه الايديولوجى وصراع الثقافات, الى التحدى العسكرى والصراع على وراثة النفوذ السياسى الدولى على خريطة العالم. المصالح أولاً لا يستبعد الدكتور السيد عليوة, أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان, هذه المحطات القابلة للانفجار من تحليله للعلاقات الصينية الأمريكية, ويؤكد أنه رغم كل هذه البؤر المتوترة, وبرغم ما قد يتراءى للصين من قدرة على العمل العسكرى بصورة فردية للحفاظ على هيبتها الدولية, ولتأكيد ترشيحات وراثة عرش القوة الثانية الا أن هذا الدور الصينى لا يمكن أن يمضى منفصلا عن دائرة المصالح الاقتصادية, فإلى جانب التوجهات الاستراتيجية العامة التى كشفها الدكتور محمد السيد سليم, ومحطات الانفجار التى يتحسب لها الدكتور قدري سعيد, إلا أن المصالح الاقتصادية تبدو أقوى من كل الشعارات والمشكلات التى قد تدفع لمواجهة من أي نوع بين البلدين. فالدكتور عليوة يشكك الى حد كبير في أن الرغبة الأمريكية المتصاعدة في تنمية العلاقات مع الصين يرجع فقط لحرصها على استيعاب قوة عالمية ناهضة وترويضها تحت المظلة الأمريكية, ويرى عليوة أن الولايات المتحدة الأمريكية تضع مصالحها الخاصة في القارة الآسيوية على رأس قائمة الأولويات حاليا, خاصة أنها ترتبط مع آسيا في مصالح تجارية واقتصادية متشابكة, وغالبية الشركات الأمريكية لها فروعها الهامة في دول جنوب شرق آسيا, وترى واشنطن أن هذه المصالح يمكن أن تتضاعف بقوة في حالة قدرتها على استقطاب الصين كشريك تجارى وفتح الأسواق الصينية أمام البضائع الأمريكية, وكان لهـذه الـمصـالح الأولوية المطلقة حتى في أعنف لحظات المواجهة, فحين أشعلت واشنطن حربا واسعة على بكين في أعقاب حادثة (تيان آن مين) , ميدان السلام السماوى عام ,1989 كانت في نفس الوقت تمنح الصين وضع الدولة الأولى بالرعاية,وخلال أحداث قصف السفارة الصينية في بلجراد اتخذت الصين مواقف حاسمة على الصعيد السياسى بينما كانت وفودها الاقتصادية تفاوض الأمريكيين في العديد من الصفقات التجارية, وكـان خبراء زراعيون أمريكيون يشاركون في تطوير السياسات الزراعـية على الأراضى الصـينية طبقـا لبعض الاتفاقيات الموقعة بين البلدين في اطار مشروعات الشراكة الاستراتيجية الصينية الأمريكية. ويضيف السيد عليوة أن الصين تعتمد كذلك على نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في انضمامها لاتفاقية التجارة العالمية " الجات ", وهو مطلب صينى دائم مرتبط بموافقة واشنطن على إجراءاته, ولا يستبعد الخبير السياسى أن تكون بكين قد حصلت على وعود أمريكية قاطعة في هذا الاطار مقابل تخفيف حملتها السياسية والاعلامية ضد أمريكا بعد حادثة قصف السفارة الصينية في بلجراد. وهذا التناقض بين الموقفــين يؤكد أن واشـنطن تضع مصــالحها مع الصــين فـى وضع أهم من المــبادئ الــتى تــدعي الايــمان بــها, كــما أن الصـين لم تكن لتغفل مصالحها التجارية والتنموية رغم المواجهة الساخنة على الصعيد الدولى والمظاهرات التى اجتاحت الشارع الصينى. وبالمنهج نفسه تراجعت حماسة الولايات المتحدة لدعم حكومة تايبيه في تايوان وألمحت الى مساندتها للصين في سياسة دولة واحدة رغم ما تبديه من استياء من التحركات العسكرية الصينية والمناورات التى تقوم بها لتهديد تايوان بعمل عسكرى في حالة الاصرار على الانفصال عن الوطن الأم. اللوبي الصيني وإلى جانب هذه الشبكة من المصالح المتداخلة فإن علاقات البلدين ترتبط ببعد آخر يكشف عنه السفير عبد الرؤوف الريدي سفير مصر السابق في الولايات المتحدة الأمريكية, ويشير الريدي الى نفوذ اللوبى الصينى المتنامى داخل الولايات المتحدة الأمريكية, فالصينيون الأمـريكيون يشاركون بنسبة لا يستهان بها في صياغة العلاقات الجديدة بين واشنطن وبكين, وهذا اللوبى الصينى في أمريكا يمتد نفوذه الى العديد من الشركات والمؤسسات الأمريكية ولا يواجه أية محاذير أو عقبات سياسية على غرار ما يتعرض له اللوبى العربى المتورط في صراع دائم مع الجماعات الصهيونية في الولايات المتحدة. ويضيف الريدي أن النشاط الاقتصادى المتنامى للوبى الصينى في أمريكا مضى في طريق دفع علاقات البلدين لما يعنيه ذلك من اتساع نشاط الشركات التى يملكها الصينيون الأمريكيون خاصة أنهم في طليعة المرشحين لتفعيل العلاقات التجارية بين البلدين بعد استكمال مشروعات الشراكة الاستراتيجية, أن هذه الشراكة تتضمن قائمة من مئات المشروعات التى يتطلع البلدان لتنفيذها في العديد من المجالات. ويؤكد الريدي أن أحد الدلالات الهامة للدور الذى يقوم به اللوبى الصينى هو ما أذيع خلال حملة انتخابات الرئاسة التى فاز بها كلينتون حيث ترددت معلومات مؤكدة عن دور لبعض رجال الأعمال الصينيين حاملي الجنسية الأمريكية في دعم الدعاية الانتخابية لكلينتون مقابل تصحيح مسار العلاقات الأمريكية الصينية, ولا يستبعد كثير من القريبين من دوائر الأحداث في واشنطن أن يكون هذا الدور الذى قام به الصينيون في أمريكا قد تم بناء على طلب من حكومة بكين التي تتطلع أيضا لدعم علاقاتها مع واشنطن, بشروط أيسر من التى يطرحها المتشددون في الادارة الأمريكية تجاه قضايا حقوق الانسان وغيرها من الملفات الخلافية بين البلدين. ويضيف الريدي أنه برغم الخلاف الايديولوجى والسياسى بين البلدين, وبرغم تقاطع المصالح في بعض الخطوط في آسيا فإن الصين تتمتع بذكاء سياسى وحكمة بالغة في تفادى المواجهات غير مأمونة العواقب, وقد درس الصينيون بعناية تجربة رفاقهم في الاتحاد السوفيتى خلال سنوات الحرب الباردة, وأدركوا مخاطر سباق التسلح أو الدخول في حرب باردة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية التى خرجت منتصرة من حربها الأولى مع موسكو. ولذلك فإن طموحهم للمنافسة قد لا يتجاوز حدود القارة, وحتى في هذه الحالة فإنهم لن يجروا أنفسهم لصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية يفرض على اقتصادهم تحديات جديدة بدلا من التعاون الذى قد يحقق لهم مصالح اوسع على الصعيد السياسى والتجارى, والنموذج المرشح دائما للمواجهة لن يعبر السقف الذى تعاملت به الصين مع مشكلة ضرب السفارة في بلجراد, تصريحات نارية, وهجوم سياسى واعلامى ثم القبول بالاعتذار والتعويضات التى بلغت أربعة ملايين دولار لأسر الضحايا, والصياغة الراجحة لعلاقات البلدين في المستقبل هي (الصين + أمريكا) بدلا من (أمريكا - الصين) . القاهرة ــ مكتب البيان