مع كل خطوة جديدة تتخذها الولايات المتحدة نحو محاولة فرض هيمنتها على العالم وتعزيز (النظام العالمي الجديد) , تثور على نطاق واسع الاسئلة حول امكانية تحدي هذا النظام القائم على أحادية القطبية, وبناء نظام عالمي يقوم على تعددية الأقطاب . ويطرح المحللون الاستراتيجيون اوروبا الموحدة بزعامة المانيا, واليابان, والصين, وروسيا, بعد ان تتجاوز ازمتها التاريخية الحالية, كأبرز القوى المرشحة للتحول الى قوة عظمى (Super Powers) , قادرة على تحدي النظام العالمي القائم, وبناء عالم متعدد الاقطاب. وفي هذا السياق تتسم قضية (التقارب) أو (التحالف) أو (الشراكة الاستراتيجية) بين الصين وروسيا بأهمية كبرى. وتمثل الدولتان, بالفعل أو بالامكانية, قوتين كبيرتين تطرحان على الولايات المتحدة فرصاً وتحديات ضخمة في الوقت نفسه. وتنطوي علاقاتهما بالقطب الامريكي الاوحد للنظام العالمي الحالي, على تعقيدات وتناقضات كبيرة. ورغم علاقات التعاون متعددة الجوانب, وخاصة في المجال الاقتصادي, بين الولايات المتحدة والبلدين, فإن محاولة احتواء كل من الصين وروسيا, ومنع تحول اي منهما الى قوة عظمى ــ يمكن ان تمثل تهديدا للانفراد الامريكي بالسيطرة على العالم ــ يظل أحد المحددات الاكثر اهمية على الاطلاق للسياسة الخارجية الامريكية. ويؤدي هذا, بصورة متكررة, الى توترات حادة في العلاقات بين واشنطن وكل من بكين وموسكو, تعيد الى الاذهان احيانا خطاب مرحلة الحرب الباردة واجواءها النفسية, رغم اختلاف الظروف والملابسات, ومن امثلة ذلك: الخلافات الروسية, الامريكية بشأن توسيع (الناتو) باتجاه الشرق, والتي تعتبرها موسكو تهديد خطيرا لأمنها القومي. ومن امثلته ايضا الخلاف الحاد بين الولايات المتحدة وروسيا حول عملية (ثعلب الصحراء) اواخر العام الماضي (1998) بسبب اصرار واشنطن ولندن على اتخاذ قرار منفرد بضرب العراق, وكذلك... الخلاف الحاد حول قرار (الناتو) بزعامة الولايات المتحدة, بشن الحرب على يوغسلافيا, دون تفويض من الامم المتحدة. وقد نشبت ازمة حادة بين بكين وواشنطن بسبب القصف الامريكي للسفارة الصينية في بلجراد بطريق الخطأ. ولم يفلح الاعتذار الامريكي الفوري في تهدئة غضب المتظاهرين الصينيين الذين تركتهم حكومة بلادهم يصبون جام غضبهم على سفارة وقنصليات امريكا في الصين. كما تتكرر الازمات في العلاقة بين بكين وواشنطن بسبب دعم الاخيرة لتايوان سياسيا وعسكريا, وآخرها تلك الازمة التي لم تنته بعد, والتي اثارتها تصريحات الرئيس التايواني (لي تنج هوي) الانفصالية. أمريكا... و(الورقة الصينية) وباختصار فإن ما يمثل الارضية الموضوعية للتقارب الصيني ــ الروسي هو ذلك الانقلاب الكبير الذي تشهده العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وقلق الطرفين العميق من مخاطر انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم. ومعروف ان انتصار الثورة الصينية في اكتوبر عام 1949 تم بدعم كبير من الاتحاد السوفييتي, وخلال شهور قليلة (فبراير 1950) ابرمت الدولتان معاهدة للصداقة والتعاون قدمت موسكو بموجبها مساعدات ضخمة للصين. لكن عدم تسوية مشكلات الحدود وامتناع الاتحاد السوفييتي عن تقديم اسرار السلاح النووي للصين ظلا يمثلان اساسا عميقا لخلاف مكتوم, ما لبث ان بدأ يتسرب تدريجيا الى العلن متخذاً صورة خلاف ايديولوجيا حول قضايا النظرية الماركسية وبناء الاشتراكية.. ثم تفجرت الخلافات بعد سحب موسكو لخبرائها ووقفها للمساعدات الاقتصادية والتكنولوجية في اواسط الستينات, ثم وصل النزاع الى حد نشوب حرب فعلية حول المناطق الحدودية عام 1969 انتهت بهزيمة قاسية للصين. وسعت الولايات المتحدة لتعميق الخلافات بين الصين والاتحاد السوفييتي لاضعاف الاخير بقدر الامكان خلال الستينات والسبعينات. ولتحقيق هذا الغرض كانت زيارة الرئيس الامريكي نيكسون للصين عام 1972, وسمحت الولايات المتحدة للصين, بعد طول معارضة, باحتلال مكانها الطبيعي بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن, وعضوية شتى المنظمات الدولية, وسحبت واشنطن اعترافها بتايوان, ومنحت الصين صفة الدولة الاولى بالرعاية متطلعة الى اسواقها الهائلة. لكن انهيار الاتحاد السوفييتي جعل الحاجة الامريكية الى (الورقة الصينية) تتضاءل تدريجيا وبدأت الولايات المتحدة تولي اهتماما اكبر للخطر الذي يمثله بروز القوة الصينية, وزاد من شعور امريكا بالخطر تجاه الصين لتحديث اقتصادها, ومعدلات النمو غير المسبوقة التي يحققها الاقتصاد الصيني على مدى السنوات الـ 15 الاخيرة.. (اكثر من 10% سنويا في المتوسط) ويتوقع الخبراء ان يصبح الاقتصاد الصيني اكبر اقتصاد في العالم خلال 20 ـ 25 عاما اذا استمر في النمو بوتيرته الحالية. وقد برهن الاقتصاد الصيني على متانته بقدرته على تجاوز كارثة الاسواق الآسيوية بنسبة نمو تقترب من 8% عام 1998 وفائض تجاري تخطى الـ 40 مليار دولار. وازاء هذه الوقائع الجديدة بدأت الولايات المتحدة منذ اوائل التسعينات, تسعى الى (احتواء الخطر الصيني) ووضع العقبات امام تعاظم النفوذ الصيني على المستويين الاقليمي والدولي فبدأت تثير قضية (حقوق الانسان) في الصين وتعزز صلاتها بالمنشقين الصينيين مبدية دعمها لهم, كما عبرت بوضوح عن تعاطفها مع الحركة الانفصالية في التبت, وعينت منسقا خاصا لشؤون التبت في وزارة الخارجية الامريكية عام 1997. والاهم من ذلك كله ان الولايات المتحدة بدأت في انعاش علاقاتها القديمة مع تايوان, واستأنفت في السنوات الاخيرة سياستها القديمة الهادفة لتعزيز قوة (تايبيه) العسكرية من خلال صفقة ضخمة لامدادها بـ 150 طائرة (اف ـ 16) ومعدات عسكرية حديثة اخرى, كما اعلنت دعمها لامداد فرنسا لتايوان بـ 60 طائرة من طراز (ميراج ـ 2000) المتطورة. ورغم ان الصين لا تسعى لاستعادة تايوان بالقوة إلا ان تعزيز قوة الجزيرة العسكرية يمثل بلا شك عائقا كبيرا امام امكانية اعادة توحيدها مع الوطن الام على اساس الشعار الذي تطرحه بكين: (شعب واحد.. دولة واحدة.. نظامان اقتصاديان مختلفان) . معا.. ضد الاقوى وكان من الطبيعي ان تثير هذه السياسات الامريكية مخاوف بكين وكان منطقيا ان تسعى الى تعزيز قوتها العسكرية, والبحث عن الحلفاء السياسيين والاقتصاديين المحتملين, المناوئين مثلها لانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم, وكانت روسيا هي اهم هؤلاء الحلفاء, رغم اختلاف المواقع الايديولوجية للطرفين بعد سقوط الاشتراكية في موسكو, واصرار بكين على اعلان تمسكها بالنظام الاشتراكي والسيطرة المطلقة للحزب الشيوعي على السلطة. والواقع ان مواجهة محاولات واشنطن للهيمنة على العالم هي اهم اسس هذا التقارب. وقد اعلن البلدان (روسيا والصين) مرارا وتكرارا رفضهما لهذه الهيمنة, ودعوتهما لبناء نظام عالمي متعدد الاقطاب. كما عبرت الصين بوضوح عن معارضتها لخطط توسيع حلف (الناتو) دون اخذ مصالح روسيا الامنية بعين الاعتبار. وثمة حقيقة قلما يعيرها المحللون اهتماما فيما يتصل بتوسيع (الناتو) وتثير قلقا عميقا لدى بكين, تلك الحقيقة هي ان توسيع الناتو باتجاه الشرق يقترب به مباشرة من الحدود الصينية, ويمثل ذراعا قوية للتغلغل الامريكي في آسيا الوسطى المجاورة مباشرة للحدود الصينية, فعلاوة على دول اوروبا الشرقية والقوقاز, نجد ان اربعا من دول اسيا الوسطى السوفييتية السابقة مشتركة في مشروع (المشاركة من اجل السلام) التابع للحلف, وهذه الدول هي تركمانستان واوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان, والدولتان الاخيرتان لهما حدود مشتركة طويلة مع الصين وكانتا طرفين في عديد من المناورات المشتركة مع قوات اطلسية وامريكية خلال الاعوام الاخيرة. وتسعى واشنطن, بشتى السبل, لبسط نفوذها على آسيا الوسطى, ولا تستنكف في سبيل هذا عن دعم حركات متطرفة مثل حركة (طالبان) الافغانية بغض النظر عن الخلافات حول موضوع مثل تسليم (ابن لادن) . وتهدف الولايات المتحدة من وراء تغلغلها في اسيا الوسطى الى السيطرة على ثرواتها الهائلة من النفط والغاز, بالاضافة الى عزل روسيا, واستكمال حصار ايران. والمؤكد ان تغلغل امريكا في هذه المنطقة الاستراتيجية يتيح لها الفرصة لمناوشة الصين بأشكال مختلفة عبر حدودها الغربية, ويكن لواشنطن مثلا الضغط على الصين عبر تشجيع الحركة الانفصالية لبعض القوميات الصغيرة في غرب البلاد (مثل الأيجور ــ في إقليم سينكيانج). لهذه الأسباب تشترك بكين وموسكو في النظر بعين الارتياب والقلق للتحركات الأمريكية في آسيا الوسطى, سواء تمت تحت مظلة حلف الاطلسي (مشروع المشاركة من أجل السلام) أو قامت بها واشنطن بصورة منفردة. ويساعدنا هذا كله على فهم الأسباب الموضوعية التي تدفع موسكو وبكين الى التقارب بهذه الوتائر المتسارعة خلال العقد الأخير وكان من أهم نتائج هذا التقارب تسوية مشكلة ضخمة ــ ظلت سببا للنزاع بين البلدين نحو 300 سنة ــ هي مشكلة الحدود, خلال وقت قصير.. وتم توقيع اتفاقية لتسوية المنازعات على الحدود بين البلدين (البالغ طولها 4200كم) أثناء زيارة الرئيس الروسي يلتسين لبكين عام 1997. السلاح النوعي وفي هذا السياق أيضاً يمكن فهم التطور المتسارع في علاقات التعاون العسكري بين البلدين, وبصفة خاصة مبيعات السلاح الروسي المتطور للصين. وقد بلغت هذه المبيعات أكثر من مليار دولار عام 1996 وتواصلت خلال الأعوام التالية بنفس المعدل تقريباً, لكن الأهم من حجم الصفقات هو نوعية الأسلحة, فهي تشمل مثلا صواريخ (اس ــ 300) المضادة للطائرات والصواريخ, التي تتفوق على نظيرتها الأمريكية من طراز (باتريوت) , كما تشمل غواصات متطورة من طراز (كيلو) وأسلحة حديثة أخرى منها 48 قاذفة مقاتلة من طراز (سخوي ــ 27) بالاضافة الى ترخيص بصنع 200 طائرة من نفس الطراز, ونظراً لضخامة الصفقات فان الخبراء يعتقدون ان رقم (المليار) قد يكون أقل بكثير من القيمة الحقيقية لصادرات السلاح الروسي السنوية للصين خلال الأعوام الأخيرة. وعلى الصعيد الاقتصادي تم الاتفاق خلال الأعوام الأخيرة على مشاركة روسيا في بناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية على أحد السدود شرقي الصين, ومحطة أخرى لتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية. كما تم الاتفاق على مد خط لأنابيب الغاز من أحد حقول سيبيريا الى شرق الصين بطول 3000كم وتكلفة 12 مليار دولار, ويفترض ان ينقل الخط الغاز الى كوريا الجنوبية واليابان ايضاً. وقفز حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين من عدة مئات من ملايين الدولارات في اوائل التسعينات الى 7 مليارات عام ,1997 يجري التخطيط لزيادتها الى 20 مليار دولار عام 2000. كما يجري الاعداد لاقامة منطقة تجارية مشتركة على الحدود بين سيبيريا الشرقية والشرق الأقصى الروسي, والمناطق الشمالية الشرقية على الحدود الصينية. مشاركة أم تحالف ويدفع هذا كله بالمراقبين الى الحديث عن (المشاركة الاستراتيجية) بين الصين وروسيا, وهو تعبير يستخدمه الطرفان أيضاً, لكن بعض المراقبين يمضون الى حد الحديث عن (تحالف استراتيجي) بين الصين وروسيا موجه ضد الولايات المتحدة. ورأينا ان هذا الحديث الأخير عن (التحالف) ــ فضلا عن أن يكون موجها ضد واشنطن ــ ينطوي على قدر كبير من المبالغة, على الأقل في هذه المرحلة من تطور العلاقات بين البلدين, والعلاقات الدولية عموماً. فالصين تتحدث عن الولايات المتحدة ايضاً (كشريك استراتيجي) , رغم كل التناقضات بينهما. وتحرص على ألا تصل العلاقات مع واشنطن الى ان يكون طابعها العام هو المواجهة أو مزاج (الحرب الباردة) , رغم ما يشوبها احياناً من توتر أو حتى أزمات. وينبغي التأكيد بقوة على الطابع البراجماتي للسياسة الخارجية الصينية, فهي رغم صدامها مع الولايات المتحدة حول بعض القضايا الأكثر حيوية, لاتنسى حاجتها الماسة الى التكنولوجيا الأمريكية والغربية المتطورة, والى الأسواق الغربية وفي مقدمتها السوق الأمريكية التي تحقق معها فائضاً تجارياً يزيد على 40 مليار دولار في السنوات الأخيرة,. ولايمكن لروسيا بالطبع أن تحقق للصين كل هذه المزايا, رغم أهمية العلاقات معها. ولاتحاول الاعتماد على روسيا وحدها للحصول على السلاح والتكنولوجيا العسكرية, فهي تحصل على بعض ما يلزمها حتى من دول صغيرة كإسرائيل.. بل وتسرق التكنولوجيا النووية الأمريكية نفسها من خلال عالم صيني الأصل يعمل في معامل لوس ألاموس!! وقد ردت الصين بفتور واضح في ديسمبر الماضي (8991) على دعوة بريماكوف لإقامة (محور استراتيجي ثلاثي) يضم روسيا والصين والهند, في مواجهة الولايات المتحدة, بعد ضرب الأخيرة للعراق في عملية (ثعلب الصحراء) . ولا يعود هذا الى المشكلات القائمة بين بكين ونيودلهى فحسب, ولا حتى بالدرجة الأولى, لكنه يعود أساساً الى رغبتها في عدم الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة.. في المستقبل المنظور على الأقل!! لأن هذا سيكون معناه الوحيد الدخول في مواجهة مع الغرب كله, أي مع العالم المتقدم, وفي ظل وضع كهذا يصعب على الصين ــ إن لم يكن مستحيلاً تماماً ــ أن تواصل تقدمها الاقتصادي والعلمي لتصبح دولة عظمى بالفعل لا بالإمكانية. لكن ما قلناه لاينفي أن الصين تستفيد فائدة كبيرة من تعاونها الوثيق والمتنامي مع روسيا.. وأن بكين تؤمن لنفسها موارد ممتازة للسلاح والتكنولوجيا العسكرية وللطاقة المضمونة والقريبة, وتوسع أسواقها تدريجيا, ومن خلال هذا كله تصبح أكثر قدرة على مواجهة محاولات الهيمنة الأمريكية على العالم, والحد منها حتى تتغير علاقات القوى الدولية تدريجيا, ويمكن الانتقال ــ ومرة أخرى نؤكد: تدريجيا ــ الى عالم متعدد الأقطاب, وهذه عملية تاريخية معقدة لايمكن ان تتم بين عشية وضحاها بغض النظر عن الأمنيات الطيبة. ولكن المؤكد ان الصين تظل هي المرشح الأكثر بروزا لدور القوة العظمى الثانية خلال عقدين أو ثلاثة. أما روسيا فان عودتها الى دور من هذا النوع تقتضي قبل كل شيء وجود قيادة تتمتع بإرادة سياسية قوية في الكريملن, تعيد بناء الاقتصاد والدولة.. وهذا أمر لايمكن لأحد ان يرجم فيه بالغيب, بغض النظر عن حاجة العالم الماسة اليه من اجل إقامة نظام عالمي يتسم بقدر من التوازن. ولاشك أيضاً ان أوروبا واليابان قد تراجعتا ــ ولو مؤقتا ــ عن إمكانية المنافسة على القطبية العالمية في المدى المتطور, الأولى بسبب غياب القيادة السياسية وزيادة تبعيتها لأمريكا, وخاصة بعد حربي البوسنة وكوسوفو.. والثانية بسبب الركود الاقتصادي الذي يمسك بخناقها منذ عدة سنوات. كاتب سياسي مصري