تستحق الصين ان تحتل الصدارة في قائمة اهتمامات المنشغلين بمستقبل العالم والنظام الدولي, ليس فقط لوزنها الديموغرافي المميز( ربع سكان العالم)ولكن ايضا للنجاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي احرزتها في العقد الاخير من هذا القرن, وهي نجاحات تلقي بظلالها على الشرق الآسيوي بأسره فضلا عن الاوضاع الدولية برمتها. وفي هذا السياق لاينبغي النظر الى اعلان تايوان الاخير بتخليها عن سياسة (الصين الواحدة) ومطالبتها بالمساواة بين تايبيه وبكين بوصفه تطورا حينيا محليا, اذ ان لهذا التحول في الموقف التايواني اعتبارات دولية تمليها رغبات الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى في اقرار ما يسمى بقواعد النظام العالمي الجديد. ولامراء في ان الصين الشعبية بسياستها التنموية وادوارها في آسيا (خاصة مع كوريا الشمالية والباكستان) ومواقفها الرافضة لاملاءات الليبرالية الجديدة السياسية والاقتصادية, تشكل اكبر التهديدات واكثر التحركات فاعلية في مواجهة (القطب الواحد) والنمط الواحد للحياة الذي بشر بانتصاره فوكوياما في اعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي. الاعتماد على الذات والحقيقة انه من الصعوبة بمكان فهم المعضلة الصينية على الساحة الدولية, دون الالمام بالتغيرات التي شهدها بلد المليار نسمة خلال العقود الثلاثة الاخيرة. فبعد وفاة ماوتسي تونج وهزيمة التيار الايديولوجي بقيادة ارملة ماو ( عصابة الاربعة) صعدت قوى التكنوقراط التي سبق وان تعرضت للسحل في الشوارع اثناء (الثورة الثقافية) , وقاد رئيس الوزراء السابق (دينج شياوبينج) مسيرة بلاده نحو تحقيق التحديثات الاربعة في قطاعات الزراعة والصناعة والعلم والتكنولوجيا فضلا عن الدفاع, وذلك عبر عنصرين اساسيين؟ اولهما ذاتي عن طريق تقديم الحوافز والمكافآت المالية للعمال والوحدات الانتاجية المبدعة وزيادة دور القطاع الخاص والحافز الفردي, وثانيهما ذاتي عن طريق نقل العلوم والتكنولوجيا من الدول المتطورة دون النظر الى هويتها الايديولوجية او حسبما قال بينج آنذاك (لايهم لون القط .. مادام يأكل الفأر) . وبعد قرار التحديثات الاربعة سعت الصين من اجل ابرام معاهدة الصلح والصداقة مع اليابان, تلك المعاهدة التي وقعت في اغسطس 1978 باعتبارها ضرورية لبناء الصين وجعلها فعالة في العالم الثالث, وكما تلقت دعما تقنيا واستثماريا من طوكيو فقد تلقت في اعقاب هذه المعاهدة اعترافا امريكيا بها وبعضويتها الدائمة في مجلس الامن, مثلما استقبلت تقنيات واستثمارات امريكية حفزتها حقيقة العداء المشترك بين الطرفين للدب السوفييتي الاحمر. وعلى وجه القطع فقد كان الدور الياباني هو الاكبر والافضل في تحسين اوضاع الصين الاقتصادية, وخاصة في حقبة الركود النسبي التي شهدتها اوروبا في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات واضطرت خلالها الى فرض اجراءات حمائية ضد السلع الواردة من اليابان, وكان ذلك حافزا لطوكيو من اجل توجيه بعض استثماراتها نحو السوق الصيني الكبير وللافادة ايضا من التقنيات العسكرية الصينية. نجاحات دولية ان ابرز النجاحات الصينية التي ادخلتها في قلب عملية صياغة المجتمع الدولي الجديد, تتجاوز في المحصلة النهائية تحقيق نسبة النمو المطرد على الصعيد التنموي الى جملة من الاعتبارات لعل اهمها: 1ــ ان الصين قد اضحت قوة عسكرية كبرى بالمعنى التقليدي, فضلا عن امتلاكها لاسلحة الردع النووي وقد تحقق ذلك دونما سعي للدخول في سباق تسلح مع واشنطن او موسكو, ليس فقط لعبثية هذا السباق ولكن ايضا لفداحة تكلفته المادية على اوضاع التنمية في الصين. 2ــ في ظل اعتماد التنمية عبر تعدد القطاعات ( الزراعية والصناعية) استفادت بكين من اتساع السوق الصيني في توطيد (التوجه نحو الداخل) , وهو ماجعلها اقل عرضة لتأثيرات الاقتصاد العالمي وازماته الدورية, وقد عكس ذلك نفسه في الموقف الصيني من اتفاقات الجات. 3ـ ان الصين قد ربحت الرهان على مدى كفاءة نظامها الجديد في توفير الغذاء لربع سكان العالم, فبعد حل الكومونات الزراعية وتوزيع المساحات الزراعية على الاسر المختلفة في كل قرية او مركز زراعي بحيث تصبح مالكة لها ملكية كاملة, شهد الانتاج الزراعي قفزات كبيرة في معدلات الانتاجية بالاضافة الى تنوع المحاصيل في بلد تتعدد اقاليمه المناخية من الشمال البارد وحتى الجنوب الدافىء, ولم يعد بمقدور احد في العالم ان يلوح بتركيع المارد الاصفر عبر سياسات التجويع والتحكم بامدادات الغذاء. 4ـ ان تخطيط الاقتصاد الصيني ظل قائما على مقولة الاتجاه نحو اسواق العالم الثالث بمنتجات زهيدة الثمن, ولم يضع في حسبانه منافسة الدول المتقدمة داخل اسواقها, ولذا فلم تؤثر فيه سياسات الحماية الجمركية للدول الصناعية الكبرى ولم تحل الازمة الاقتصادية العالمية دون تغلغل منتجات الصين في اسواق العالم الثالث بدوله الفقيرة. 5ــ زادت الصين من فاعليتها السياسية والاقتصادية ايضا في دول شرقي آسيا الصاعدة (النمور) وذلك بفضل الاعتماد على الجاليات الصينية المقيمة في هذه البلاد والتي طالما شكلت اداة ضغط لايستهان بها على مواقف حكومات هذه الدول تجاه الصين( يشكل الصينيون مثلا ثلاثة ارباع سكان سنغافورة وحوالي نصف سكان ماليزيا). وامتد الدور الصيني بحكم العداء التقليدي مع الهند, الى حد مساعدة باكستان على تطوير ترسانتها النووية, وهو ما كشف عن عمق الدور الكامن للصين الشعبية في الشأن الآسيوي بل وفي التأثير على موازين القوى الدولية. ومهما يكن من امر فقد ادت هذه التحولات الى نشوء حالة تسليم فعلي بجدارة الصين في ان تعبر عن كل الصينيين, ولذلك استعادت بكين هونج كونج دون عراقيل تذكر, واخذت المسألة التايوانية تطرح نفسها باعتبارها آخر المشاكل العالقة من حقبة الحرب الباردة في سبيل (الصين الواحدة) . تحدي الغرب ويظهر ان الدول الغربية الكبرى قد رأت في جماع هذه التحولات الصينية تهديدا فعليا لهيمنتها على الكرة الارضية, ليس فقط على مستوى تعطيل الصين لنفاذ اتفاقية الجات الى الاسواق الصينية او حتى على صعيد مناوئة المشيئة الدولية بدرجات مختلفة في العراق وكوسوفو وكوريا الشمالية, ولكن قبل ذلك وبعده في اطار الحديث عن طريق آخر للتنمية والحياة غير ذلك الذي تحدده سياج الليبرالية السياسية والحرية الاقتصادية, في ظل الازمات المكبوتة في اغلب دول العالم الثالث. ان هذا التحدي الحضاري الشامل الذي تجسده الصين في مواجهة نظام عالمي جديد هو بالفعل قيد التشكيل, كان وراء مساعي الغرب لوقف المسيرة الصينية او على الاقل حصرها داخل حدود السور العظيم والهائها بجملة من الصعوبات المحلية, وفي هذا الاطار تثور جملة من التساؤلات المشروعة منها: 1ـ ما هية الدور الغربي في اثارة مشكلة هضبة التبت وابراز الصورة الجماهيرية للدلاي لاما كما لو كان زعيما مقدسا لشعب تاريخي تضطهده بكين وتسعى لمحو هويته القومية والحضارية المتميزة؟ 2ـ البروز الاخير لمشكلة شعب الايفور المسلم ومطالبة بعض قياداته بحق الانفصال القومي عن الصين الشعبية, نظرا للاختلافات العرقية والحضارية التي تميز الايفور عن الاغلبية من الهان, هذا البروز الذي تحتضنه ولاول مرة منظمات حقوق الانسان الدولية هل جاء مصادفة في العامين الاخيرين؟. ان اهم الدلالات التي يمكن استخلاصها ان دوائر الغرب في امريكا واوروبا تراهن, كما فعلت في افريقيا وآسيا, على امكانية اضعاف الاندماج القومي داخل الصين التي تضم اكثر من 50 قومية تشكل جميعها حوالي 10% من السكان, ورغم كثرة اعدادها الا انها تظل اقلية صغيرة بالمقاييس الصينية المليارية, فضلا عن ان بعضها يشكل جزءا لاينفصم عن المسار الحضاري للصين, لاسيما وان المرونة التي يبديها نظام الحكم الذاتي القومي لاجزاء من جمهورية الصين لاتصل الى حد السماح بالانفصال عن الوحدة القومية. وفضلا عن ذلك فان الصين, مثلها في ذلك مثل مصر وايران, تشكل اقدم واكثر المجتمعات القومية تماسكا. ويحق لنا ان ننتهي بالسؤال الحتمي: هل كان ضرب سفارة الصين في بلجراد بمحض خطأ او صدفة او هو تحذير تعقبه اثارة غبار ما قبل الحرب في آسيا . وبالتحديد في تايوان؟ بقلم: د. احمد السيد محمد- جامعة القاهرة