تشهد القارة الآسيوية أحداثا وتطورات هامة, لا تقتصر آثارها وانعكاساتها بعيدة المدى على اقليم جزئي أو على القارة وحدها, وانما ترتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات السياسية والاستراتيجية التي يشهدها العالم بشكل عام . وتمثل الصين دون شك أحد أهم محاور هذا التحول, اقليميا ودوليا, ليس فقط لما تمثله من ثقل بشري يوازي أكثر من خمس سكان الكرة الأرضية, وانما ايضا باعتبارها قوة نووية كبرى, وذات نهج سياسي وايديولوجي متميز, خاصة بالنسبة للنموذج الرأسمالي المهيمن على معظم مقدرات العالم حاليا. لذلك, فإن التوتر الأخير في العلاقة بين الصين الشعبية وتايوان (الصين الوطنية سابقا), لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثا اقليميا محدودا, وانما هو حدث دولي بكل أبعاده ومضامينه السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية, خاصة انه يأتي بعد ان استطاعت الصين استعادة جزيرة هونج كونج إلى الوطن الأم, لتضيف بذلك قوة هذه المستعمرة الانجليزية السابقة وأحد أكبر المراكز التجارية في العالم, إلى القوة الصينية المتنامية. وتمثل قضية تايوان بالنسبة إلى الصين حساسية خاصة, فهي من ناحية ترتبط بما يعتبره الصينيون (كرامة وطنية) على أساس ان الجزيرة جزء من الصين الواحدة ولا يمكن التفريط فيها أو قبول استقلالها أو انفصالها عن الوطن الأم الى ما لا نهاية. ومن ناحية ثانية فإن الوجود الأمريكي العسكري والسياسي في تايوان, وموقف واشنطن الداعم للسياسة التايوانية, رغم التصريحات الأمريكية النافية لذلك أحيانا, كل هذا يمثل تحديا وقلقا بالغين لدى الصين. وبالاضافة الى ذلك, فإن طموحات الصين لتصبح قوة دولية عظمى ثانية (وربما أولى), يرتبط الى حد كبير بما ستؤول اليه قضية تايوان. فإعادة هذه الجزيرة الى الصين تعني مزيدا من القوة السياسية والاقتصادية, بينما تعني في الوقت ذاته تقلص الوجود والنفوذ الأمريكي في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا, وهو ما سينعكس حتما, اذا ما حدث, على موقف أمريكا ونفوذها الدولي بشكل عام. وعلى أهمية قضية تايوان بالنسبة للصين, الا انها ليست العقبة الوحيدة التي تواجه طموحات الصين القارية أو الدولية. فما زال الاقتصاد الصيني هشا بالقياس الى الاقتصادية العالمية الكبرى (الولايات المتحدة ــ اليابان ــ أوروبا, مثلا), رغم معدلات النمو العالية التي حققها الاقتصاد الصيني خلال السنوات الأخيرة. كما ان مخاض التحول السياسي والاقتصادي الصيني, رغم تدرجه البطيء, لا يخلو من مخاطر عديدة, اجتماعية واقتصادية, قد تتحول الى اخطار وهزات عنيفة. ورغم ذلك كله, تبقى الصين, بكل امكانياتها البشرية والجغرافية والاقتصادية وحتى التكنولوجية, في مقدمة القوى المرشحة لاحتلال موقع متميز في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة, ويبقى هذا الطموح مثار قلق وترقب القوى الدولية الأخرى, خاصة الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم حاليا. وهذا ما يجب ان يضعه في الاعتبار القائمون على وضع وتنفيذ السياسات في مناطق العالم الأخرى, وخاصة بلدان العالم الثالث, والوطن العربي بشكل أخص. فالصين, رغم كل العقبات, عملاق يستيقظ متطلعا الى القمة, وحين يصلها فإنه لاشك لن يختلف كثيرا عمن سبقوه الى هذا الموقع.