استطاع حادث التصادم الدامي الذي وقع على كوبري 6 أكتوبر منذ أيام قليلة وراح ضحيته مهندس شاب وزوجته وطفله الرضيع (سنة وثلاثة أشهر).. أن يستحوذ على اهتمام الرأي العام المصري , وخاصة بعد ما تبين أن السبب في الحادث شابين (أحدهما ابن نائب برلماني) كانا يتسابقان بسيارتيهما في هذا المكان الحيوي بقلب القاهرة وهما في حالة سكر بين والى جوار كل منهما صديقة حسناء تقوم بشد أزره وتحفيزه على الفوز بالسباق حتى ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواح الأبرياء . الحادث لم يستحوذ على اهتمام الرأي العام المصري فقط بل أعاد فتح ملف حوادث السيارات في مصر, والتي تزايدت في الفترة الأخيرة وبصورة مخيفة باتت تهدد أمن وحياة الجميع حتى أصبحت قيادة سيارة في شوارع القاهرة أو في الطرق السريعة مخاطرة غير مأمونة العواقب. ويكفى الإشارة هنا إلى أن طريق القاهرة أسوان وحده شهد خلال الأسبوع الماضي أربعة حوادث سيارات راح ضحيتها 47 قتيلا و27 مصابا, كما لقي قبل أيام 27 شخصا مصرعهم وأصيب 12 آخرون في طريق بني سويف بعد أن اصطدم الأتوبيس الذي يقلهم بسيارة نقل, أيضا لقي عضو البرلمان المصري (مجلس الشعب) د. كمال أبو الخير مصرعه ومعه سائقه الخاص وأصيب 16 آخرون في طريق البحر الأحمر نتيجة تصادم خمس سيارات مرة واحدة.. وهناك حوادث أخرى كثيرة وقعت خلال الأيام الماضية,وهو ما يدق ناقوس الخطر ويدعو إلى ضرورة وضع هذه القضية الخطيرة تحت الميكروسكوب للبحث عن حلول عاجلة لها وحتى لا يستمر مسلسل تساقط الأبرياء صرعى على الطرق المصرية. أعلى المعدلات بداية يؤكد الدكتور عصام شرف أستاذ هندسة الطرق بكلية الهندسة جامعة القاهرة أن معدل الحوادث والقتل في مصر من أعلى المعدلات العالمية, فمن بين كل مليون سيارة تقع 44 حادثة, وتبلغ عدد الحوادث في مصر نحو 28 ألف حادثة سنويا وعدد القتلى 6 آلاف قتيل كما بلغ عدد المصابين حوالي 30 ألف مصاب طبقا للإحصائيات والتقارير الصادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية.. هذه الزيادة في معدل الحوادث في مصر تؤكد ضعف الأمان على الطرق المصرية إذا ما قورن بالدول الصناعية المتقدمة أو حتى الكثير من الدول النامية الأخرى.. ويطالب الدكتور عصام شرف بتحديد المسؤولية عن حوادث الطرق في مصر من خلال مجلس أعلى للأمان على الطرق يتم تكوينه من ممثلي جميع الجهات سواء وزارة النقل أو الداخلية أو التعليم أو البحث العلمي أو الإعلام أو الصحة والشؤون الاجتماعية بالإضافة إلى تعظيم دور الجهات غير الحكومية مثل شركات التأمين, ووضع برامج للحد من الحوادث من بينها تعليم الكبار والصغار على حد سواء وتوعيتهم وتدريب قائدي السيارات, وتدريب المسؤولين عن اختبارات السائقين وتطوير كفاءة العاملين في مجالات الخدمات الطبية لمجابهة الحوادث على الطرق. ويرى الدكتور مجدي صلاح أستاذ هندسة الطرق والمرور بهندسة القاهرة أن أهم أسباب حوادث الطرق قائد السيارة نفسه, حيث أكدت الكثير من الإحصائيات أن 93% من حوادث السيارات تقع بسبب التهور والتصرفات غير المسؤولة لقائدي السيارات ولذلك لابد من التشدد في الاختبارات للحصول على الرخص خاصة لسائق النقل الثقيل.. أما حالة السيارة والطريق فلا يمثلان أكثر من 7% من أسباب وقوع حوادث السيارات. ويدعو الدكتور مجدي إلى تطبيق القانون دون استثناء حتى تعود القدوة إلى الشارع المصري, بالإضافة إلى اهتمام وسائل الإعلام المتنوعة وإعادة النظر في التصريح للسيارات النقل بالسير أثناء النهار نظرا لازدحام شبكة الطرق. استهتار قاتل ومن جانبها توافق الدكتورة مديحة الصفطي أستاذة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية على أن أ هم أسباب حوادث السيارات تعود إلى استهتار الكثير من قائدي السيارات وعدم إحساسهم بالمسؤولية أو الخوف على أرواح المواطنين الآخرين, وهذا ليس شيئا غريبا, فالملاحظ أن الشخصية المصرية شهدت خلال الفترة الماضية تحولات جذرية نتيجة للكثير من الأسباب ومنها المشكلات الاقتصادية وتغير الأنماط السلوكية وافتقار روح الجماعة بحيث أصبحنا نجد أن هناك حالة من اللامبالاة تسيطر على الشخصية المصرية.. هذه الحالة من اللامبالاة والاستهتار هي التي جعلت الآباء يشترون لأولادهم الصغار السيارات دون مراعاة للمخاطر التي سببها قيادة مثل هؤلاء وكأن كل ما يهمهم هو إسعاد أولادهم فقط أما أرواح الآخرين فلا تهم في شيء, هذه التصرفات غير المسؤولة من جانب الآباء هي التي أدت إلى كثرة الحوادث. وترى الدكتورة مديحة أنه لابد من إعادة النظر في الكثير من الأمور حتى يمكن الحد من هذه الظاهرة الخطيرة لأننا جميعا معرضين للاكتواء بنارها, ويأتي في مقدمة تلك الأمور قوانين المرور التي يجب أن تضاف إليها بنود وعقوبات جديدة تشدد من التعامل مع قائدي السيارات المخالفة مثل مصادرة الرخص نهائيا بدلا من سحبها وإعادتها إلى السائق مرة أخرى, أيضا يجب على الآباء أن ينظروا إلى الأمور أكثر فلا ينساقون وراء عواطفهم من اجل إسعاد أولادهم بشراء السيارات لهم وهم في سن صغيرة, لان هذا الأمر غاية في الخطورة على الأبناء وكذلك على المواطنين. أما المستشار الدمرداش العقالي فهو يرى أن قوانين المرور بوضعها الحالي بها من العقوبات ما يكفي لردع قائدي السيارات المخالفين.. فالعقوبة تصل في قضايا حوادث السيارات العادية إلى السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات, كذلك فان الحال يختلف في حالة الاستهتار أو الإهمال مثل الحادث الذي وقع على كوبري 6 أكتوبر مؤخرا, فمن المعروف أنه في حالة ارتكاب قائد السيارة لمخالفة تودي بحياة أبرياء وثبت بصورة أو بأخرى أنه كان في حالة سكر بين فان العقوبة في هذه الحالة من الممكن أن تصل إلى عشر سنوات, أيضا مع تعدد الضحايا في مثل هذه الحوادث يمكن أن تزيد العقوبة وهذا يخضع لتقدير القاضي وظروف الحادث. ويضيف المستشار العقالي أننا لسنا في حاجة إلى تشديد العقوبة خاصة وأن حوادث المرور لا تعالج بالقوانين لأنها مسألة تربية والملاحظ أن مجتمعنا دخل خلال الفترة الماضية إلى حالة وفرة على أيدي قلة لا تقدر المسؤولية, قلة انتقلت من قاع الفقر إلى القمة, بحيث اصبح هناك نوع من عدم الإحساس بالآخرين وهذا لن يجدي معه تشديد العقوبة ويكفي أن أشير إلى أن العقوبات الموجودة في قانون المرور المصري من أشد العقوبات في العالم. العلاج لهذه الظاهرة الخطيرة يتم بالتركيز على التربية حتى يكون عندنا قائدي سيارات لديهم إحساس بالمسؤولية والخوف على الآخرين, وإذا أردنا أن نوجد عقوبات جديدة فيجب أن تكون هذه العقوبات ضد أولياء الأمور المستهترين الذين يتركون أولادهم يقودون السيارة وهم على دراية بعدم كفاءتهم في القيادة وتهورهم كشباب صغيري السن وهو ما قد يؤدي إلى إزهاق أرواح بشرية.. يجب أن يتكاتف الجميع من أجل الحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد أمن المواطنين. ويعتقد اللواء سالم عثمان مدير مرور القاهرة أن هناك ثلاثة محاور رئيسية تساعد على الحد من حوادث الطرق وهي (السائق والسيارة والطريق) .. فبالنسبة لسائق السيارة اثبت خبراء الطرق أن غالبية حوادث الطرق تقع على عاتق قائدي السيارات نتيجة عدم التركيز واللامبالاة أثناء القيادة وتجاوز السرعة المحددة وفقا لخصوصية الطريق المستخدم.. بالإضافة إلى عدم الاهتمام بالنواحي الفنية الخاصة بالسيارة والصيانة اليومية والدورية لاسيما في المسافات الطويلة. قرارات أمام تفاقم هذه ا لظاهرة وخطورتها قرر رئيس الوزراء المصري د. كمال الجنزوري إجراء مراجعة شاملة لظاهرة حوادث المرور التي تكررت بكثافة في الآونة الأخيرة, وشدد على أهمية أن تؤدي المحليات دورا يتسم بالفاعلية والى أهمية وضع مخطط للطرق لتصنيفها إلى درجات من حيث السلامة وتوافر خدمات الإسعاف وخدمات البنزين والعلامات الإرشادية والانحناءات وعدم وجود عوائق على الجزر الوسطى للطرق تحجب الرؤية وأن يكون هذا المخطط جاهزا لتحديد أولوية الاحتياجات على ضوء أهمية الطرق, وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات فعالة لضمان انسياب المرور على جميع المحاور, وضرورة الاستمرار في تأهيل عناصر جديدة مدربة من رجال المرور بالتعامل الصحيح مع الاختناقات المرورية وأن ذلك يستدعي التعامل بحزم مع السائقين وسحب رخص القيادة من المتهورين منهم, والاهتمام الخاص في ذلك بالمناطق السياحية التي تشهد ازدهارا مثل الغردقة. ووجه رئيس الوزراء المصري المحافظين إلى متابعتهم للقرارات الخاصة التي اتخذت لمواجهة مشكلات المرور والتي تتضمن استعمال الطرق أيا كان طبيعتها في المرور على الوجه الذي لا يعرض الأرواح والأموال للخطر, وإعادة تأهيل الطرق بعمل مسارات جانبية عند مداخل المدن والقرى والتجمعات السكنية على جانبي الطريق, وسرعة إزالة الاشغالات والأبنية التي تعوق حركة المرور أيا كانت الجهة التي تتبعها والمحافظة على مسافة الـ 50 مترا المقررة حرصا على الطرق السريعة. وتضمنت الخطة اللافتات والإكثار من الدوريات الراكبة على الطرق ليلا ونهارا وازدواج الطريق بين رأس غارب والزعفران, وإضافة نقاط مرور ثابتة على الطرق السريعة على ألا تزيد المسافة بين نقطة وأخرى عن 30 كيلو مترا, وتوقيع الكشف الطبي الدوري على قائدي السيارات وعقد دورات تدريبية للسائقين, والتزام الشركات المنفذة لأعمال الطرق العامة ببرنامج زمني سريع لإنجاز برنامجها في أسرع وقت وإعادة الطريق إلى ما كان عليه وفي حالة المخالفة توقيع عقوبة رادعة, وإحكام الرقابة على سيارات السرفيس والتشديد على مطابقة تلك السيارات من شروط الصلاحية وقواعد الأمن والمتانة قبل ترخيص تسييرها. القاهرة ــ مكتب البيان