في لقاء سريع اجرته(البيان)عبر الهاتف من منفاه بالقاهرة, القى الزعيم السوداني المعارض, رئيس الوزراء المنتخب السابق, الصادق المهدي مزيدا من الحجارة في بحيرة السياسة السودانية عبر نقاط محددة من شأنها ان تثير مزيدا من الزوابع في الخرطوم المشغولة هذه الايام بأمر وفاق مرتقب مع المعارضة. قال المهدي انه واثق من ان الوضع الحالي لن يستمر وتوقع نهايته في نهاية المطاف عبر سبل لا يستبعد معها انقلابا او انتفاضة. لكنه اعتبر ان الحل السلمي الشامل هو افضل الحلول. وقرر المهدي بثقة ـ لأول مرة ـ ان تصدير النفط (المنتظر ضخه اخر الشهر الجاري) لن يتم دون الوصول لاتفاق سياسي مشيرا الى ان النظام يعلم ذلك جيدا. وبدا الزعيم المعارض غير متحمس نسبيا, لعقد لقاء ثان مع الدكتور حسن الترابي الزعيم الاخر المتنفذ في نظام الخرطوم على غرار لقائهما الاول في جنيف في مايو الماضي. وقال ان الامور (التي تناولها لقاء جنيف) اخذت تندفع بـ (الطلق الذاتي) مشيرا الى ان درامية اللقاء الاول حركت المياه الراكدة لكن اللقاء الثاني يخلو من الخاصية ذاتها غير انه كرر اكثر من مرة ان اللقاء الثاني سيتم حتما (متى ما كان الامر ضروريا) . وتجنب المهدي تأييد او استنكار مسألة تعيين مبعوث امريكي خاص الى السودان, مكتفيا بالاشارة الى ان الادارة الامريكية تحاول الاستجابة لضغوط تتعرض لها داخل الكونجرس من اجل اتخاذ موقف حاسما تجاه الخرطوم. واسهب المهدي في الاشادة بالمبادرة الليبية للوفاق السوداني موضحا ان ليبيا كانت مقدامة اكثر من الاخرين عندما قدمت كلاما مكتوبا كان نتاج تحضير. غير انه اكد ان طرابلس لم تتحرك بديلا لمصر او تحديا لها مجيبا بالنفي على سؤال عما اذا كان دخول ليبيا على خط المصالحة السودانية اثار قلقا في القاهرة. وقابل المهدي بضحكة ساخرة ما نقل عن الترابي من اشارات ضمنها بعض تفاصيل ما دار في جنيف وكيف انه تحدث مع الزعيم المعارض من موضع قوة.. وقال المهدي: لمثل هذا وغيره نود ان نسكت المغالطات من خلال وجود وسطاء (شهود). وبدا موقف المهدي ضعيفا في الدفاع عن النقاط التي حددها (التجمع) لبدء الحوار واعتبرتها الخرطوم شروطا مرفوضة, اذ لم يستطع الجزم بوجود معتقلين سياسيين وتجنب الاشارة الى النقطة المتعلقة برفع حالة الطوارئ. وشرح المهدي الفرق بين ملابسات تصالحه مع الرئيس الاسبق جعفر نميري وبين ما يجري حاليا, وملقيا المسؤولية على النظام في توسيع نطاق التداول الاقليمي للازمة السودانية. ورفض الزعيم المعارض الرد بخطوة مماثلة على مبادرة النظام بوقف اطلاق النار الشامل, قائلا ان ذلك لا معنى له من دون اتفاق سياسي شامل. وبدا المهدي متمسكا بانتقاداته التي وجهها لمسيرة (التجمع) المعارض, قبل اشهر لكنه عول على مؤتمر توقع انعقاده في اكتوبر لمعالجة القضايا التي اثارها, وفيما يلي نص الحوار: ماذا اكتسب المشكل السوداني بعد ان هجرتموه الى ليبيا؟ ــ اعتقد ان الحركة السودانية حققت في المرحلة الاخيرة انجازا هاما اذ فرض الحل السياسي الشامل نفسه على السودانيين في الداخل والخارج. فبدلا من المغالطات التي اكتنفت الازمة السودانية سنينا اصبحت هناك قناعة لكل الاطراف بالازمة وسبل حلها سلما. سؤالي ينحصر في البعد الذي اضافته ليبيا في هذا المسار؟ ــ ليبيا انطلقت من توجهها الجديد المكرس للاهتمام بافريقيا ووحدة القارة والسودان يجسد افريقيا مصغرة والمشاكل التي يعاني منها تنعكس على القارة. وفي السياق السوداني يمكن القول ان ليبيا قدمت اكثر من الاخرين اذ اجتهد الاخوة في ليبيا فاعدوا كلاما مكتوبا ينم عن تحضير واقدام وقدموا ما كتبوا الى الطرفين المعنيين بالازمة اي النظام والمعارضة وقالوا هاكم هذا من جانبنا فقبلنا ـ نحن في المعارضة ـ بعض ما قدموا وعدلنا بعضا واضفنا عليه. كنت أظن ان تهجير الازمة السودانية الى ليبيا يأتي في سياق جهدكم لتعريب الحل بدلا من افرقة الازمة او تدويل القضية؟ ــ يمكن القول ان عجلة الحل الاقليمي للمشكل السوداني بدأت تدور بالفعل, ليس القصد تعريب الحل وانما اضافة بعد جديد يستكمل دور جيران السودان. جهد الايجاد كان ينحصر في جيراننا الافارقة وباضافة ليبيا استكملنا الطرف العربي كما انتقل الحديث من حل ثنائي الى حل سياسي شامل كما انتقل الكلام من وساطة الى مبادرة. ماهي كيفية النقلتين اللتين اشرت اليهما؟ ــ في مبادرة الايجاد كانت المفاوضات بين النظام وحركة قرنق والهدف وقف النار وانهاء الحرب في الجنوب, الان اصبحت الغاية حوارا بين النظام وكل فصائل المعارضة لحل الازمة السودانية بكاملها ولم تعد جهود الجيران قاصرة على التوسط وانما المساهمة بالمبادرة كما فعلت ليبيا مثلا. ماهو الجديد في المبادرة الليبية على ارض الواقع؟ ـ اصبح الباب مفتوحا امام خطوات فعلية بل حدث تحرك مصري ليبي مشترك لجهة التنسيق مع دول الايجاد والاطراف السودانية. قيل ان تهجير الازمة السودانية الى طرابلس ودخول ليبيا على الخط اثار قلقا في القاهرة؟ ـ لا اشعر بما تعني, الزعيم الليبي معمر القذافي زار مرسى مطروح والتقى الرئيس المصري حسني مبارك في اول خطوة ليبية بعد (اعلان طرابلس) واتفقا على تشكيل لجنة مصرية ـ ليبية لتنسيق العمل والاتصال بالاطراف المعنية بالازمة السودانية. وما يمكن ان أؤكد عليه في هذا السياق ان ليبيا لم تتحرك بديلا عن مصر او تحديا لها. قيل ان توجهكم الى ليبيا كان يستهدف في الاصل البحث عن موقع جديد لمقاتليكم الموجودين حاليا في اريتريا بعد ان بدأت رمال القرن الافريقي تتحرك تحت اقدامكم؟ ــ الرمال لا تتحرك في القرن الافريقي وحده كما اننا لسنا الوحيدين الذين تتحرك تحتهم الرمال. كل المنطقة على رمال متحركة وهذا ما يدفعنا لمحاولة اعادة الاستقرار الى السودان. قال الترابي انه واجهك في لقاء جنيف وصور نفسه في موقع قوة اثناء اللقاء؟ ــ ضحك المهدي قبل ان يقول: لمثل هذا وغيره نود ان نسكت المغالطات من خلال وجود وسطاء, المهم في الامر ان القائمين على امر النظام يريدون ترقيع نظامهم ونحن نرفض ذلك في اصرار ونرغب في اضافة مربع ثالث وهذا هو الاساس الذي قام عليه لقاء جنيف واي مراوغة عن هذا الهدف تعكس عدم جدية. ماهي الظروف الموضوعية التي ولدت لقاء جنيف المفاجئ؟ ــ هناك ظروف موضوعية دفعتنا معا كسودانيين للقاء منها محاولة وقف طبول الحرب وكبح عوامل ومظاهر التجزئة وعجز النظام عن معالجة قضايا الوطن مع وجود ازمة حكم مستبد. ماهي العوامل التي حالت دون عقد لقاء ثان بينكم وبين الترابي كما كان مقررا؟ ـ اللقاء الاول كان مفاجئا وتطلب استعدادا استثنائيا ولكن الثاني اصبح طبيعيا في اطار التوجه العام نحو الحل السياسي الشامل واذا رؤي ان هناك ما يستدعي مثل هذا اللقاء لتسهيل المهام فسيتم حتما. هل يعني هذا ان اللقاء الثاني المقرر لم يعد ضروريا حاليا؟ ــ اللقاء الاول كانت له طبيعة خاصة هي التي حركت المياه الراكدة ويمكن ان يأتي اللقاء الثاني ولكنه لن يكون له تلك الخاصية اذ لم تعد هناك الظروف الدرامية التي صاحبت اللقاء الاول. لا يزال الحديث يدور في المعسكرين عن لقاء مرتقب. ـ كان مقررا للقاء الثاني ان يواصل ما تم الاتفاق عليه في الاول غير ان الامور اخذت طابع الاندفاع الذاتي في سياق التحركات التي جرت وتجري في الداخل والخارج واذا رؤي ـ كما قلت ـ ضرورة للقاء ثان فسيتم. النظام يقول انكم تختلقون عقبات امام الحوار بمطالبتكم بالغاء الدستور بينما اعلن اهل النظام استعدادهم لاستبدال بعض المواد وتطالبون بالغاء التوالي وهم يرون ان هذه هي المسائل التي ينبغي ان تكون على طاولة الحوار؟ ــ نحن لم نطالب بالغاء الدستور وانما بالغاء المواد المقيدة للحريات ولم نطالب بالغاء التوالي وانما طالبنا بعدم التعرض للاحزاب خارج التوالي والتي تكتسب شرعيتها قبل فرضه. ويقول اهل النظام انكم تطالبون برفع حالة الطوارئ خارج مناطق العمليات بينما لا توجد طوارئ خارج هذه المناطق ويضيفون انكم تطالبون باطلاق السجناء السياسيين بينما يؤكدون ان سجونهم خالية من السياسيين؟ ــ يوجد معتقلون. هل لدى حزبكم قائمة باسماء معتقلين من اعضائه؟ ــ هذه قضايا يمكن حسمها من خلال الوسطاء. لدينا اسماء بارزة مثل الدكتور بشير حامد وقرينته اللذين تم اعتقالهما واطلاقهما مؤخرا. على كل صيغة التحرك في المرحلة الجديدة يمكن ان تطمئن الجميع. النظام اعلن وقفا شاملا للنار ولم يعلن التجمع من قبله التزاما مماثلا؟ ـ لابد ان يأتي وقف النار ضمن اتفاق سياسي شامل ورؤية سياسية محددة وفي غياب هذا الشرط لا يكتسب اي وقف للنار معنى. يرى البعض ان توجه النظام نحو التصالح مع المعارضة يكشف عن مرونة استثنائية اذ ان هذا التوجه يأتي متزامنا مع اعلان عن تدفق وشيك للنفط وهو مصدر يراهن البعض على خلق بحبوحة تنسي السودانيين احزانهم؟ ــ لن يكون هناك اي تصدير للنفط اذا لم يتم اتفاق سياسي. النظام نفسه يدرك هذه الحقيقة. مناطق انتاج البترول توجد في مناطق حرب متشابكة فهناك حرب قبلية ـ قبلية تدور. وحرب جنوبية ـ جنوبية وحرب جنوبية شمالية فلابد من اطفاء هذه الحروب لضمان تدفق النفط. وهذا لن يتم الا في اطار حل سياسي شامل يكون له ضامنون. كما ان الظروف الموضوعية تفرض على كل وطني سوداني ان يسعى لوقف الحرب وحقن الدماء. يقول البعض انك قبلت الحوار ثم التصالح مع نميري دون شروط مسبقة ودون وسيط فلماذا تصر على الشروط والوسطاء مع هؤلاء؟ ـ هذا كلام غير امين فانا لم اذهب للقاء جعفر النميري دون اساس او دون وسيط. لقد كان فتح الرحمن البشير وسيطا بيني وبين نميري وحملته اسسا للقاء وعاد بموافقة وبضمانات واعلنا ما اتفقنا عليه غير ان نميري غدر بالاتفاق. وكان الوسيط بيني وبين نميري سودانيا لان الشأن كله كان انذاك سودانيا صرفا غير ان النظام الحالي هو الذي فتح الباب امام التدخلات الخارجية واتجه لتدويل الخلاف والقضية. فعل ذلك عندما قبل وساطة الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر وعندما قبل وساطة نيجيريا ثم مجموعة الايجاد. ورافق ذلك تطور في التوسط اذ اصبح الوسطاء يترأسون الجلسات. ماذا ترى في مسألة تعيين موفد امريكي خاص الى السودان؟ ـ الادارة الامريكية تحاول الاستجابة لضغوط تتعرض لها من داخل الكونجرس من اجل اتخاذ موقف اكثر حسما تجاه الخرطوم. هل انت متفائل ازاء امكانية تحقيق مصالحة تنقذ اهل السودان؟ ـ انا واثق من ان الوضع الحالي لا يمكن ان يستمر. النظام يواجه ازمات مستحكمة ولابد من حدوث امر ما قد يكون انقلابا وربما يكون انتفاضة لكن افضل الحلول يتمثل بالتأكيد في حل سياسي شامل يغلق الباب امام العنف الداخلي ويجنب السودان التدخل الاجنبي. بعد لقاء جنيف استنفرت قيادة حزبكم في اجتماع تشاوري عاجل. الا ترى ان تطورات حدثت بعد ذلك لعقد اجتماع حزبي مماثل؟ نفكر بالفعل في عقد مؤتمر للحزب في ضوء التطورات لنحدد استراتيجية الحزب ونقرر بشأن اشياء عديدة. مثل ماذا هذه الاشياء العديدة؟ ـ لابد ان نتفاكر حول تحركنا تجاه جماعة الايجاد مثلا وتحديد رؤيتنا للحل الشامل. هل حددتم زمانا ومكانا لمثل هذا الاجتماع؟ ـ لدينا اجتماع مع لجنة مصغرة للحزب في القاهرة ستحدد ذلك. كنت كثير الشكوى ازاء اداء التجمع ووصفه بأنه مريض فكيف تشخص حالته حاليا؟ ــ لا تزال القضايا التي اثرناها بشأن اداء التجمع قائمة ولكن هناك مؤتمر مقرر ومرتقب لمعالجة هذه القضايا. هل تحدد موعد المؤتمر بشكل قاطع؟ ــ من المفترض ان يكون في اكتوبر المقبل. اجرى الحوار ــ عمر العمر