اخيرا .. لغزة مطار دولي يختزل المسافة بين مرارة الرحيل وقسوة الواقع في فلسطين, مطار ليرتحل اليها العائدون والزائرون لتكتحل عيونهم بثرى فلسطين وقباب الاقصى المقدسة وقلاع الخليل وحرمها وببحر غزة الذي لا يهدأ . حملتنا طائرة الخطوط الجوية الفلسطينية على متنها مع 145 راكبا في رحلة مباشرة من مطار أبوظبي الدولي إلى مطار غزة الدولي, استغرقت ثلاث ساعات واربعون دقيقة, وبدأت الرحلة وكأنها مزيج من الدهشة والحلم والترقب القلق والانتظار للامجهول. الطائرة التي اقلعت من نوع بيونج 727 تبرع بها الامير الوليد بن طلال للرئيس عرفات قبل عام وتحمل اسم القدس وعلم فلسطين. اثار هبوط الطائرة على مطار غزة رجال الامن الاسرائيليين الذين يخفون خلف النظارات السوداء اعينهم الحاقدة, واحاطوا بالطائرة على ارض المطار الوليد يدققون في وجوه الركاب لحظة هبوطهم بينما تولى مسؤوليوامن المطار بين الفلسطينيين نقل الركاب إلى سيارة تقف جوار الطائرة. جهاز الامن الوقائي الاسرائيلي صعدوا إلى متن الطائرة بعد فروغ الركاب واجابنا مدير امن مطار غزة الدولي المقدم عبدالحميد المصري عن سؤالنا حول سبب صعودهم, وان كان ذلك ضمن الاتفاقات مع الاسرائيليين فقال: نعم ان هناك اتفاقا مع الاسرائيليين أن يتولوا تفتيش الطائرة لحظة وصولها خوفا من اختباء بعض (المطلوبين) داخل الطائرة, ومن ثم التسلل إلى فلسطين, والمطلوبين هم ابناء الانتفاضة الذين قتلوا اسرائيليين أو عملاء لاسرائيل وكانوا مطاردين إلى أن اضطروا للهروب إلى الخارج عبر الانفاق الارضية الحدودية بين مصر وفلسطين. ويشرف المقدم المصري على كافة المراحل منذ لحظة وصول الطائرة حتى خروج الركاب ويساعده طاقم امني كبير يتولى مرافقة عربة الباص التي نقلتنا من مطار غزة الدولي إلى معبر (العودة) الحدودي في (رفح) وهو معبر يفصل بين مصر وفلسطين غير ان اسرائيل هي التي تتولى مسؤولية الدخول والخروج والاجراءات الامنية بشكل كامل بما في ذلك المعبر الذي يشهد يوميا لوحات من المعاناة الانسانية للآلاف من الفلسطينيين. يجتاز الباص حامل الركاب إلى المعبر عبر ثلاث بوابات امنية وحواجز كهربائية اقامها الجيش الاسرائيلي وسط طريق مكهرب ومسيج بالاسلاك الشائكة التي بدت لنا وكأنها غابة امنية تحيط بالمستعمرة وبقرية العملاء (الدهنية) والمعبر الذي سماه الفلسطينيون (العودة) ووسط تلك الغابة الامنية المزروعة بعلامات حمراء تحمل تحذيرات (خطر الموت) ممنوع التوقف لاي سبب لدرجة ان احد الاطفال ويدعى محمد جمال اصيب باعياء شديد واستفرغ كل ما في معدته على الركاب المحيطين به في العربة دون ان تتوقف العربة التي لم تكن مجهزة لاستقبال هذا النوع من الحالات الاعتيادية والتي تحدث عادة اثناء السفر مع الكبار ومع الصغار ايضا. يقول السائق بصوت مرتفع: ممنوع التوقف هنا, حرس الحدود والامن الاسرائيلي سوف يطلق علينا النار اذا توقفنا هنا. يهبط الركاب من عربة الباص تحت مراقبة امنية اسرائيلية مكثفة تحاصرهم إلى قاعة الانتظار وتفتيش الامتعة, وبعد المرور عبر البوابات الالكترونية الدقيقة جدا, يقدم كل مسافر جواز سفره أو هويته إلى كاونتر الشرطة الفلسطينية, الذي تعلوه صورة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو مبتسم بلباسه العسكري الشهير وكوفيته التاريخية. ثم يقوم الشرطي الفلسطيني بادخال الجواز وبطاقة الدخول عبر ادراج صغيرة إلى رجال الامن الاسرائيليين الذين يعملون خلف زجاج غير مرئي (مخفي) يدققون في وجوه الركاب والمسافرين واحدا تلو الاخر, ليأذنوا لهم بالدخول إلى فلسطين أو ليقتادوهم إلى غرف التحقيق أو السجون اذا كانوا من المطلوبين للامن الاسرائيلي, ولا احد له حق الاعتراض هناك, الاسرائيلي هو سيد الموقف, يأمر فتطاع اوامره بحذافيرها فهو الذي يحمل بين يده مفتاح الدخول إلى فلسطين أو العكس, ولولا كبسة الزر الالكترونية على حاجز المعبر يظل الفلسطيني خارج الوطن معلقا بين الرجاء والامل. استفزاز صراخ الاطفال والمشادات بين بعض الاباء والامهات لم يؤثر على اعصاب الاسرائيليين الذين يدققون في كل صغيرة وكبيرة ببطء شديد وباعصاب باردة, كل الركاب متهمون الا ان يثبت العكس ويتم السماح لهم بالعودة إلى مطار غزة الدولي مرة اخرى لتبدأ من هناك اجراءات الدخول والجمارك بعد استلام الحقائب, وعلى الرغم من ضخامة المطار بقاعاته الجميلة الا ان القاعة المخصصة لاستقبال الحقائب ضيقة وخانقة تفسد الشعور بلذة السفر عبر المطار, تشابك وتزاحم بين الناس والعمال وموظفي الجمارك بدون سبب وذلك نظرا لضيق الافق وراء اختيار تلك القاعة الصغيرة كي تكون مقرا لاستقبال الحقائب والتفتيش والجمارك. والجمارك لا تفرض ــ كما لاحظنا ـ الا على تجار الشنطة وعلى حاملي الاجهزة الالكترونية فقط, اما باقي الامتعة فتمر بشكل اعتيادي ودون فتح الحقائب. جولة في مطار غزة يقول مدير امن المطار المقدم عبدالحميد المصري: يخضع مطار غزة الدولي بنسبة 99% للسيادة الفلسطينية, وعن اسباب وجود رجال الامن الاسرائيليين اثناء هبوط أو اقلاع الطائرات, قال: هناك خمسة افراد اسرائيليين يأتون لحظة وصول الطائرة لتفتيشها ويعودون فورا إلى مكاتبهم في النقطة الحدودية الاسرائيلية. اما اسباب تحويل الركاب ذهابا وايابا من المطار إلى معبر رفح الحدودي, قال: يرجع ذلك لكون وجود مركز التفتيش الامني في المعبر ورغم ذلك فان الاجراءات لا تستغرق اكثر من ساعة أو ساعتين من لحظة الوصول إلى لحظة مغادرة المطار. ونفى ان تكون طائرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تخضع للتفتيش من قبل الامن الاسرائيلي, وقال: طائرة التفتيش لا يدخلها اي اسرائيلي وتخضع للمراقبة عن بعد وتعامل طائرات كبار زوار الرئيس الفلسطيني بنفس الطريقة اذ ان الوفود الرسمية التي تزور غزة لا تخضع لاجراءات التفتيش الاسرائيلية. وقال ان الامن الفلسطيني مسؤول مسؤولية كاملة على صالة التشريفات في المطار وحتى قاعة المسافرين والمغادرين لا يدخلها اي اسرائيلي. ازمة نفسية وسئل المقدم عبدالحميد المصري عن السقف الزمني الذي ينهي الاجراءات المشتركة مع اسرائيل, اجاب: اتفاق الحل النهائي سوف يحدد متى ينتهي الدور الاسرائيلي, واضاف: لاشك ان الاحتكاك اليومي مع الاسرائيليين يسبب مضايقات لان المطار الفلسطيني قد احدث ازمة نفسية لدى الاسرائيليين فهم بصراحة يسعون بشتى الطرق لاغلاق المطار, ولكننا نقاوم هذه الضغوط بروح المسؤولية والصبر بعدم اعطائهم اية ذرائع قد تسفر عن اغلاق المطار, وعلى سبيل المثال اثير منذ ايام موضوع البوابة الجنوبية للمطار حول من يتولى الاشراف عليها واسرائيل افتعلت المشكلة لكي تغلق المطار لكنها فشلت بعد ان تم التوصل إلى حل, واضاف: نحن متمسكون بالمطار لانه من اهم عناصر السيادة الفلسطينية على الارض. وردا على سؤال حول ما إذا كانت هناك مخاطر امنية تهدد المطار أو الطائرات اثناء الاقلاع أو الهبوط قال: لا يوجد خطر يهدد المطار من المستوطنات الاسرائيلية, كما يوجد في محيط المطار قواعد لقوات الامن الوطني لحراسة المطار من الخارج, كما يقوم جهاز الامن بحماية المطار من الداخل تحسبا لاي طارىء. وعن اوجه التنسيق والتعاون مع مدراء امن المطارات العربية قال نحن نتطلع إلى مثل هذا التعاون للاستفادة من خبرات الاشقاء العرب في هذا المجال, واضاف: لقد تم تدريب العديد من الكوادر الفلسطينية في دورة لامن المطارات بالمملكة العربية السعودية, كما ان المغرب دربت كوادر فلسطينية على استخدام اجهزة الكشف والفحص الامني. وذكر ان اجهزة التفتيش الامني موجودة في المطار وأتوقع ان تباشر العمل قريبا بعد استكمال اجراءاتها الفنية, ولهذا السبب نعتمد حاليا على التفتيش اليدوي. وقال ان اسبانيا قامت بتوريد كافة التجهيزات الخاصة بالتفتيش الامني وتقوم حاليا بتدريب الكوادر الفنية عليها. المطار .. والحرية يقول العميد طيار سليمان ابوحليب مدير عام مطار غزة الدولي ان المطار يعني بالنسبة للانسان الفلسطيني السيادة والحرية, حرية السفر, وحرية التصدير والاستيراد والاتصال مع العالم الخارجي, فللمرة الاولى يكون لنا مطار وطائرة تحمل اسم فلسطين. وحول التحديات التي واجهتها السلطة الفلسطينية لافتتاح وتشغيل المطار قال: لقد وقعنا بروتوكول تشغيل مطار غزة الدولي مع اسرائيل بتاريخ 15/11/98 وبدأنا التشغيل الفعلي 24/11/98. واضاف: لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية بدأنا بتشغيل المطار قبل الاكتمال النهائي من التجهيزات والانشاءات بحوالي 9 شهور, واخذنا على عاتقنا القيام بهذه المهمة حتى يصبح المطار حقيقة واقعة, ومن اجل رفع المعاناة عن المواطن الفلسطيني والتي كان يعيشها في المعابر الاسرائيلية والحدود البرية مع مصر والاردن في رحلة ذهابه وايابه إلى الوطن. وأشار العميد ابوحليب إلى أن الطاقة الاستيعابية للمطار تبلغ 800 الف مسافر سنويا وتم انجازه بسرعة قياسية اي في سنة واحدة فقط. واضاف: بصراحة لم تكن اسرائيل تتوقع ان يصبح المطار حقيقة واقعة على ارض فلسطين وعلى الرغم من ان اتفاقية القاهرة حول الطيران المدني نصت على انه يحق للجانب الفلسطيني انشاء مطارات وتسيير رحلات داخلية وخارجية, الا ان الاسرائيليين لم يكونوا واثقين من ان هذا البند سوف ينفذ بسرعة فائقة. وافاد اننا نعتبر المطار رمزا من رموز السيادة الفلسطينية وبوابة فلسطين الحضارية السياسية والاقتصادية إلى كافة بوابات العالم, كما اننا الطائرة الفلسطينية نعتبرها سفير فلسطين المتجول الذي يحمل علمنا إلى كافة انحاء العالم. واعتبر ان المطار انجاز سياسي وليس تجاريا, مشيرا إلى وجود خطة لانشاء مطار اخر في الضفة الغربية قريبا ومهبط للطائرات في مدينة بيت لحم, لاستقبال زوار بيت لحم 2000. وقال ان الرئيس الفلسطيني اصدر قرارا بذلك في ديسمبر 1998. رحلات منتظمة وذكر مدير عام مطار غزة الدولي ان اقلاع وهبوط الطائرات نهارا في الوقت الحاضر وسيتم الاقلاع والهبوط ليلا في شهر سبتمبر 1999 بعد انارة المهبط الذي يبلغ طوله 2300 متر, كما ان اسرائيل فرجت عن اجهزة الملاحة والرادار وتم تركيبها وتشغيلها وقال: بعد استكمال كافة المستلزمات بدأنا بتشغيل المطار بكامل طاقته دون اعتراض من الجانب الاسرائيلي لان الاتفاقية تنص على تشغيل المطار 24 ساعة يوميا و365 يوما في العام. وذكر ان اسطول الخطوط الجوية الفلسطينية يتكون حاليا من طائرة بوينج طراز 727 تربع بها الامير الوليد بن طلال, وطائرتين من طراز (فوكر50) تبرعت بها الحكومة الهولندية. وللخطوط الفلسطينية رحلات مباشرة من غزة إلى كل من القاهرة, وعمان وأبوظبي ودبي, والدوحة, وجدة, والدار البيضاء, وقريبا إلى اسطنبول ولارنكا واثينا. وردا على سؤال حول الشركات الجوية التي تسير رحلات منتظمة إلى غزة, قال أبوحليب ان كلا من الخطوط الاردنية والمصرية والمغربية تسير رحلتين اسبوعيا إلى مطار غزة, وهناك اتفاقية نقل تجاري وقعناها مؤخرا مع شركة طيران الامارات والخطوط الجوية القطرية وطيران الخليج, واعرب عن اعتقاده بان هذه الشركات الخليجية سوف تبدأ قريبا تسيير رحلات لها إلى غزة. وقال ان البداية قوية للخطوط الفلسطينية حيث ان جميع رحلاتها من دول الخليج إلى غزة محجوزة بالكامل حتى منتصف شهر اغسطس 1999 مشيرا إلى وجود خطة لشراء ثلاث طائرات حديثة لتطوير اسطول الشركة. واضاف ان خصخصة الشركة الفلسطينية امر وارد لتطويرها واقتداء بالعديد من شركات الطيران الاجنبية والعربية, مشيرا إلى أن الشركة ثبتت اقدامها خلال 6 اشهر فقط. وقال: نحن نتلقى يوميا طلبات من شركات اوروبية ترغب بتوقيع اتفاقيات للنقل الجوي من وإلى غزة وهذا دليل على صدق الدراسة التي اعدتها سلطة الطيران المدني الفلسطينية حول المستقبل الواعد للشحن والنقل الجوي من وإلى فلسطين. غزة ـ د. جمال المجايدة