تقع على عاتق الاتحاد الاوروبي, بعد مضي كل هذه السنوات على انقضاء مرحلة الحرب الباردة, مسؤولية التحديد الواضح للجدول الزمني والشروط الموضوعية للحاق دول الكتلة الشرقية السابقة بمسيرة اوروبا . وقد نفذ صبرنا في غمار انتظار تحقق ذلك, وبالنسبة للاجيال الشابة الاكثر قدرة على الحركة في شرقي اوروبا تعتبر فترة مابعد الحرب الباردة بمثابة عصر المغامرة المادية والفكرية وما حدث لهذه الفئة يشبه اطلاق حرية كيان وانطلاقه على الفور الى مايكاد يكون عاصفة من الحركة النشطة, يجتذب في اطارها الى هذا الاتجاه ثم الى ذلك الاتجاه ويندفع نحو حشد هائل من الافكار, وهو لم يجد بعد اسلوبه الخاص, ويسهل التغرير به. لكن هذا الشعور بالغبطة الممزوج بالقلق كثيرا ما يتميز به من يدخلون مرحلة جديدة من مسيرتهم, فالشخص المجرب يدرك حقيقة العلاقة بين مايعرض عليه وبين الترويج لهذا الذي يتم عرضه. ومعظم الطرق اليوم تفضي بمن يسلكها الى الغرب, ومن هنا فان شرقي اوروبا يجري اضفاء الطابع الغربي عليه, وينبغي ان نشعر بالامتنان لاننا نستطيع ان نتحاور حول (اليورو) وليس حول الصواريخ التي نشرها حلف الناتو ضد دول حلف وارسو واذا تذكرنا مناظرات الثمانينات فاننا سنصاب بالدوار, وسنشعر كما لو كنا في مستشفى للامراض العصبية. ان الاتحاد الاوروبي هو بلا شك, وليد عهد التنوير الفكري ولكن التجربة تشير الى احتمال ظهور نزعة رومانسية تتسم بعدم التكامل والانسجام بين اعضائه كنقيض لهذا الاتجاه التنويري واذا نظرنا الى دول البلقان فاننا سنرى مايدل على هذه النزعة عمليا. ولكن توق اوروبا الغربية الى وحدتها لايسلم من هذه النزعات التي نشهدها اذا اوغلنا جنوبا, والحقيقة هي ان قياس الفرق بين مدى ما اضافته ومدى ما اخذته الاطراف المشاركة في الاتحاد يصبح في بعض الاحيان امرا مثيرا للانفعال والخلاف, وسيعد الخطاب الاوروبي شيئا سطحيا ولاقيمة له اذا اغفل اعضاء الاتحاد الاوروبي مسؤولياتهم. لقد تسبب الطموح الى تأسيس امبراطورية المانية, والذي ادى الى اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال بلادنا في الوضع السلبي الذي تعاني منه اوروبا الشرقية وموت الكثير وتكبد خسائر مادية, اما الاحتلال السوفييتي فقد كرسه روزفلت وتشرشل كتنازل قدماه لستالين والتزم قادة دول اوروبا الغربية في وقت لاحق بهذا الترتيب. وكان الوضع متوترا , وانفق الغرب الكثير من المال من اجل التسلح, من غير ان يشعر بالامان, ثم انهارت الكتلة الشرقية من الداخل, ولم تعد هناك حاجة الى الاسلحة حيث ان المجتمعات الاوروبية الشرقية نفسها قامت باسقاط نظم حكمها القائمة على الطغيان, وبرهنت الثقافة على انها الاداة الاكثر فاعلية في ذلك حيث ان الكلمات هي التي ادت الى سقوط جدار برلين دون سفك للدماء. غير ان مامضى لم يسدل عليه الستار, فالغرب يتحمل بعض المسؤولية عن الوضع السلبي الذي يعيشه ابناء اوروبا الشرقية ومن الممكن ان يشكر مواطنوا دول اوروبا الغربية ابناء اوروبا الشرقية على جهودهم التي بذلت من اجل تجنيبنا مخاطر حرب عالمية ثالثة. ففي نهاية المطاف حرر ابناء اوروبا الشرقية غرب اوروبا من سيف ديموفليدس المسلط على رقابهم ومع ان الغرب قد انفق الكثير من اجل التسلح الا انه من الواضح انه لايرغب في انفاق الكثير من اجل التضامن الاوروبي. ان التكامل بين دول شرق وغرب اوروبا يجب بالطبع ان يتم تبريره عقلانيا, بمعنى انه لابد من ان يتم ربطه باستيفاء شروط ومعايير واضحة ومقنعة, ومن المؤكد ان اتباع منهاج تدريجي هو امر له ما يبرره ولكن المراوغة وتجنب الالتزام لهما اضرارهما, ولاحاجة في هذا الصدد الى خداع ابناء اوروبا الشرقية. ومن المؤكد ان الحلول الوسط التي يلوح بها ليست خداعا, ولكنها تثير الشكوك واذا تأخر التكامل والتوحد واصبح غير اكيد فان من شأن ذلك ان يتيح الفرصة لظهور نزعة رومانسية الاستياء والرفض, وهو استياء موجه قوميا وعرقيا ضد الغرب, واذا لم تمتد الوحدة الى دول اوروبا الشرقية فان دول اوروبا الغربية ستكون مهددة بالفناء من خلال صراعاتها الداخلية. كما انه سيكون من الصعب على حكومات دول اوروبا الغربية مواجهة شعوبها اذا استمرت في ترددها وعدم امانتها. ان مفهوم المستقبل ستكون له دلالة حقيقية اذا كان محملا بالوعد بمستقبل افضل ومثالي , والوحدة الاوروبية لايجب ربطها بمسؤولين فنيين في بروكسل وافكارهم وانما يتعين النظر اليها بصورة مستمرة على انها رؤية مثالية يتم تحقيقها وباعتبارها توسيعا لدائرة المسؤولية المتبادلة. رئيس اتحاد الكتاب الدولي- خدمة لوس انجلوس تايمز خاص لـ البيان