لاشك في ان عملية الاطلاق التجريبية الاولى التي قامت بها الصين لصاروخ جديد بعيد المدى سيتم استغلالها من قبل مجموعة صغيرة مؤثرة ترى ان الصين تشكل خطرا مباشرا على الولايات المتحدة , والامر يقتضي وجود قدرة على تقويم الامور ووضعها في سياقها السليم من اجل تجنب جولة اخرى من الهستيريا التي اثارها تقرير كوكس الذي قدم للكونجرس الامريكي وزعم وجود تجسس صيني واسع النطاق على المنشآت النووية الامريكية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: اي من السيناريوهات التالية يشكل التهديد الاكبر على الامن الدولي؟ السيناريو الاول يفيد ان هناك دولة (ولنرمز لها بالحرف (أ) ) تملك 10.000 سلاح نووي, منها 2500 على الاقل يمكن اطلاقها على الولايات المتحدة خلال دقائق, والكثير من هذه الاسلحة تعمل, وقد تجاوزت عمرها الافتراضي المتوقع, ولان اقتصاد الدولة (أ) قد تدهور بشدة, فان العاملين في المنشآت النووية لا يحصلون على رواتبهم لاسابيع او شهور عدة, كما ان حراس الامن يتركون مواقعهم للبحث عن الطعام, بالاضافة الى ان انظمة الانذار المبكر لاتحظى بالصيانة اللازمة, وهو ما يزيد من خطر ان يتسبب انذار كاذب بشن هجوم عرضي, وعلى الرغم من ذلك, فان الدولة (أ) يزداد اعتمادها على ترسانتها النووية, وتعتزم اعادة بناء مخزونها من الاسلحة النووية قصيرة المدى لمواجهة تهديد مفترض من الناتو. اما السيناريو الآخر فمفاده, ان هناك دولة ثانية (ولنرمز لها بالحرف (ب) ) تملك 400 سلاح نووي منها 20 سلاحا فقط يمكنها الوصول الى الولايات المتحدة, ولان الرؤوس الحربية للدولة (ب) مفصولة عمليا عن الصواريخ ولان الصواريخ نفسها مخزنة بدون وقود, فسيستغرق الامر 24 ساعة على الاقل لتجهيزها للاطلاق, كما ان الدولة (ب) لم تجر سوى 45 تجربة نووية (مقارنة مع الولايات المتحدة التي اجرت 1030), ولا تملك سوى غواصة نووية واحدة لاطلاق الصواريخ الباليستية, نادرا ما تغادر حوض السفن, بالاضافة الى انها تفتقر الى وجود قاذفات بعيدة المدى او حاملات للطائرات, وعلاوة على ذلك, فان الميزانية العسكرية السنوية للدولة (ب) تقدر بحوالي 36 مليار دولار, في حين ان الولايات المتحدة تنفق في هذا المجال 270 مليار دولار سنويا. وحتى وقت قريب, كان معظم المراقبين لايتورعون عن وصف الدولة (أ) والمقصود بها روسيا بالتهديد الاكبر, ولكن في اعقاب نشر تقرير كوكيس في اواخر مايو الماضي, والذي هو عبارة عن مجلد فاخر قدمته اللجنة المختارة التابعة لمجلس النواب الامريكي حول الامن القومي الامريكي والمخاوف العسكرية والتجارية من جمهورية الصين الشعبية, اطلق على البلد (ب) وهو الصين لقب التهديد رقم (1) من قبل العديد من اعضاء الكونجرس الجمهوريين والاشخاص الطامحين في الوصول الى الرئاسة وكتاب الافتتاحيات الصحفية. ربما يكون اكثر التصريحات تطرفا قد جاء على لسان عضوة مجلس النواب الامريكي دانا رورباتشر التي صرخت يوم 26 مايو الماضي قائلة: (كل طفل في هذه البلاد سيترعرع في عالم يمتلك فيه هذا النظام الوحشي الدكتاتوري الذي يكره الولايات المتحدة تكنولوجيا امريكية موجهة ضدنا وسيكون بمقدوره ابادتنا بتقنيتنا التي بحوزته) . اما (نتائج التقرير الاكثر اثارة التي تسربت بشكل اساسي لصحيفة (نيويورك تايمز) منذ اواخر العام الماضي, فقد تم قبولها من دون أدنى انتقاد على الرغم من النقص الواضح في الشواهد الداعمة لما ورد فيها, وتقول لحديثي العهد بالسياسة انه اذا كانت الصين تقوم بسرقة أسرارنا التكنولوجية منذ 20 عاما بما فيها معلومات سرية حول سبع رؤوس نووية حرارية أمريكية (حسب تقرير كوكيس), فلماذا اذن لا تزال الصين تستخدم الاجهزة العسكرية التي صممتها في الستينات والسبعينات من هذا القرن؟ يستند الجزء من تقرير كوكيس الذي لاقى اهتماما كبيرا والمتعلق بالسرقة المزعومة لأسرار الاسلحة النووية, الى الشهادة التي قدمها أحد المحللين في وزارة الطاقة. وقد انتقد النائب الديمقراطي في ساوث كارولينا جون سبرات الذي عمل في لجنة كوكيس, التقرير لهذا السبب, حيث قال في السادس والعشرين من مايو: (من المفارقة للدقة القول ان التصميم الصيني للأسلحة النووية يضاهي مستوى تصميمنا, هناك للأسف العديد من الموضوعات التي يتطرق اليها التقرير لاثبات نقطة معينة, ولكنه يبالغ فيها بصراحة) . وقد ناقش تقويم واسع النطاق للأضرار أجراه جهاز الاستخبارات الامريكية ونشر في 21 ابريل الماضي النتائج التي توصل لها تقرير كوكيس. وجاء هذا التقويم ان التطورات التقنية في الصين تحققت استنادا الى معلومات سرية وغير سرية تم الحصول عليها من خلال التجسس والاحتكاك بعلماء أمريكا ودول اخرى من خلال المؤتمرات والمطبوعات وما تنشره وسائل الاعلام من مواد غير مصرح بها والمعلومات السرية عن الاسلحة الامريكية والتطور الصيني الطبيعي. وبالتالي فإن المساهمة النسبية لكل مصدر من هذه المصادر لا يمكن تحديدها. ويتفق في الرأي مع هذا التقويم تقرير أعدته لجنة خاصة منبثقة عن الهيئة الاستشارية الرئاسية لشؤون الاستخبارات الخارجية, وصدر يوم 15 يونيو الماضي. وجاء في هذا التقرير ان (أضرارا ممكنة قد تم تصويرها على انها كارثة محتملة, وقد اعتبر التأخر في أيام العمل والارتباك البيروقراطي مؤامرات شيطانية, إذن يكفي الى هذا الحد) . ومما زاد في تقويض مصداقية تقرير كوكيس العديد من الأخطاء الحقيقية التي كان من الممكن اكتشافها بتقرير أقل سذاجة. خذ على سبيل المثال وصف التقرير ليان كوزين, الطالب الصيني الذي درس في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا في اطار منحة دراسية حصل عليها في منتصف الثلاثينات وانجز أعمالا مهمة للحكومة الامريكية في مجالات الديناميكا الهوائية وعلم الصواريخ, وصفه بأنه جاسوس (عمل على برامج سرية بما فيها برنامج (تيتان آي.سي.بي.ام) ثم (سمح) له بالعودة الى الصين, حيث أصبح (عراب) برنامج الفضاء والصواريخ الباليستية الصينية) بعد اتهامه بالتجسس في الخمسينات. وبدلا من ايراد دليل حقيقي, يشير تقرير كوكيس على نحو ضعيف الى ان المزاعم التي ترجع الى خمسين عاما مضت ضد يان (يفترض ان تكون صحيحة) . ولكن حسبما يشير عدد يونيو من نشرة (سيكريسي آند جفرنمنت بوليتين) التي ينشرها اتحاد العلماء الامريكيين, فإن يان من المستبعد ان يكون قد عمل في برنامج (تايتان) الذي بدأ في اكتوبر من العام 1955. لأن تصريحه الأمني قد سحب منه في يونيو من عام 1950 وتم ابعاده عن البلاد في سبتمبر من العام 1955. وقبل حوالي خمسة اشهر تقريبا, اعتبر الدكتور وين هولي, عالم الكمبيوتر في مختبر لوس ألاموس القومي, جاسوسا في سلسلة من التقارير التضخيمية نشرت في صحيفة (نيويورك تايمز) , وكانت نتيجة ذلك ان طرد لي من وظيفته التي شغلها لأكثر من 20 عاما. ويقول محققو الحكومة الأمريكية ان لي, وهو مواطن امريكي بالتجنس, من المستبعد ان يدان بالتجسس لأنه لا يوجد شهود على ذلك أو دافع مثبت وان كل ما هنالك لا يعدو كونه دليلا عرضيا على اقتراف جريمة. ان القضية ضد لي, الذي تقول عنه المصادر الحكومية انه قد يدان قريبا بتهم اقل درجة من التجسس, تبدو الآن وقد احتلت مركز الصدارة فيما يتعلق بإساءة التعامل مع المعلومات السرية الناجمة عن نقل لي لشيفرات أسلحة نووية حساسة جدا من جهاز كمبيوتر سري في المختبر الى جهاز كمبيوتر غير سري في مكتبه بإحدى البنايات الأمامية في لوس ألاموس. وفي حديث علني له ظهر لأول مرة على البرنامج الاخباري الامريكي (ستون دقيقة) يوم الأحد الماضي, أنكر لي تسريب معلومات سرية للصين أو الى (أي شخص غير مخول له بذلك) وأكد قائلا: (لا, أنا لم أقم بذلك أبدا, ولا توجد لديّ نية لفعل ذلك على الاطلاق) . وقد استرجع لي شعوره بجحود هذه البلاد عندما علم باتهامه بخيانة البلد الذي تبناه. وقال في حديثه المتلفز: (انني أكرس أجمل أيام حياتي لخدمة هذا البلد ولجعله أقوى, وخاصة في مجال السلاح النووي. ولكن فجأة يخبرونني بأنني خائن) . وأفاد برنامج (ستون دقيقة) بأن لي تلقى رسائل كراهية وتهديدات بالموت منذ ان قامت صحيفة (نيويورك تايمز) بتحديد هويته علنا كمتهم رئيس في القضية يوم التاسع من مارس الماضي. ومع ان لي يعترف بترحيل الشيفرات الى كمبيوتر غير سري, الا انه يفسر ذلك بقوله ان هذا كان (جزءا من عملي لحماية الشيفرة الخاصة بي ولحماية ملفي) من خلال عمل نسخة اخرى. وأشار لي قائلا ان هذا الاجراء يعتبر عملا شائعا جدا في لوس ألاموس وانه وضع عوائق أمنية اضافية لحماية البيانات. وآضاف قائلا: (عندما أقوم بترحيل معلومات الى اجهزة غير سرية, فإنني أضع ثلاثة مستويات من الكلمات السرية. وبالتالي فإن من المستحيل تقريبا على أي شخص ان يصل الى هذه المعلومات) . ان الغضب المثار سياسيا حول هذه القضية وتقرير كوكيس يعيدان الى الأذهان (فجوات) القاذفة والصاروخ سيئة الصيت التي سادت في منتصف الخمسينات وأوائل الستينات. ان تلك (الفجوات) التي تعتبر نتاج ميل الجيش وخاصة سلاح الجو لافتراض الأسوأ فيما يتعلق بالقدرات والنوايا السوفييتية, قد تم دحضها في النهاية, ولكن بعد ان كان الكونجرس قد صادق على برامج للأسلحة قادت الولايات المتحدة الى سباق للتسلح مع نفسها مكلف وغير ضروري. ان المراجعة الواعية للتاريخ الامريكي. وبعض وجهات النظر تعتبر ضرورية اذا ما أرادت الولايات المتحدة ان تتجنب تحويل الصين الى أحد اعدائها وألا تحول أبصارها عن الخطر النووي الحقيقي والمتنامي الذي يواجهنا. خبير في الشؤون النووية.. خدمة (لوس أنجلوس تايمز)خاص لــ البيان