كشف حادث الانفجار في احد الاسواق الشعبية بالعاصمة اليمنية صنعاء الاربعاء الماضي عن مخاوف عميقة في الاوساط الشعبية والسياسية اليمنية من تحول اليمن الى نموذج مستنسخ من الصومال . وكان الانفجار قد وقع بعد أقل من 12 ساعة على تأييد محكمة الاستئناف في محافظة أبين جنوب اليمن لقرار حكم الاعدام الذي صدر عن محكمة ابتدائية في مايو ضد زعيم جيش عدن الاسلامي زين العابدين المحضار ورفيقه عبدالله المحسن الجنيدي. وهدد المحضار وجماعته بالثأر. وشكلت حادثة انفجار القنبلة في أحد أكثر أحياء العاصمة ازدحاما بالمواطنين صدمة قوية للسلطة والرأي العام المحلي الذي صار يطالب أجهزة الامن باتخاذ إجراءات صارمة ضد ما تصفه المعارضة بالانفلات الامني في البلاد. وقال الحزب الاشتراكي المعارض الذي حكم جنوب اليمن طوال ربع قرن حتى إعلان الوحدة مع الشمال عام 1990 أن (مخاطر كبيرة باتت تتربص بالامنين جراء هذا الانفلات) , وطالب الحزب الاشتراكي في بيان وزع أول من الخميس الجهات الرسمية في الحكومة تحمل مسؤوليتها في ضبط الجناة وتقديمهم للعدالة (ووضع حد لما يتعرض له المواطنون من مخاطر) . وتواجه السلطات الامنية في اليمن انتشار ظاهرة حمل السلاح في البلاد حيث يشاهد المواطنون اليمنيون وهم يحملون السلاح في كل مكان يذهبون إليه بما في ذلك المطاعم وأماكن الترفيه ويستخدمون السلاح في أي شجار يحدث بينهم, وهو ما يؤدي عادة إلى سقوط قتلى وجرحى في مواجهات تحدث يوميا. ولا يقتصر حمل السلاح على المدن الرئيسية بل يمتد أيضا إلى مناطق الريف اليمني الذي يقطنه حوالي 75 في المائة من إجمالي سكان اليمن البالغ عدهم 18 مليون نسمة, ويمتلك رجال القبائل في مناطق الريف أنواعا مختلفة من الاسلحة منها المتوسطة والثقيلة بالاضافة إلى السلاح الخفيف. وتوجد في اليمن أسواق لبيع السلاح لا تبعد عن العاصمة صنعاء سوى بضعة كيلومترات. ويعتبر سوق جحانة في منطقة خولان شرقي صنعاء وسوق الطلح بمحافظة صعدة شمالي البلاد أشهر سوقين لبيع السلاح في اليمن حيث يجري فيهما بيع وشراء الاسلحة المختلفة تحت سمع وبصر السلطات. ويقول بائع سلاح في جحانة أن السلاح الذي يباع في السوق يجري تهريبه من منافذ بحرية عدة في اليمن ومعظمه يأتي من الصومال عبر البحر الاحمر وخليج عدن. وتم إغراق أسواق السلاح بأنواع مختلفة من الاسلحة إثر انتهاء الحرب الاهلية الاخيرة التي دارت في البلاد صيف ,1994 حيث تم نهب المعسكرات التي كانت تحت قبضة الحزب الاشتراكي في تلك الحرب والسماح للقبائل التي ناصرت السلطة في حربها ضد الحزب الاشتراكي بالاستيلاء على هذه الاسلحة التي تحولت بعد ذلك إلى خطر حقيقي يهدد كيان الدولة نفسها. وعلى الرغم من الحملات التفتيشية التي نظمتها وزارة الداخلية خلال الفترة القليلة الماضية لجمع السلاح من المواطنين إلا أنها لم تحقق نجاحا كبيرا إذ لم تصادر من السلاح سوى بعض القطع غير المرخصة بعضها أعيد إلى أصحابها بعد أخذ تعهدات منهم بعدم حملها. وتواجه السلطة في صنعاء مشكلة أخرى هي تزايد حاجة المسؤولين للسلاح مع اتساع ظاهرة الاختلالات الامنية, حيث أن كل وزير في الحكومة اليمنية لديه حراسة شخصية يزيد عدد أفرادها على عشرة أفراد توفر السلطة لهم السلاح بشكل مستمر. إضافة إلى الوزراء هناك مرافقون لنواب البرلمان (301 عضو) وأعضاء المجلس الاستشاري (59 عضوا) والشخصيات القبلية والاجتماعية وزعامات بعض الاحزاب السياسية ورجال الاعمال, بل ورؤساء مصالح ومؤسسات دنيا وحتى رؤساء تحرير صحف رسمية وحزبية وأهلية. وعلى الرغم من إصدار البرلمان لقانون يكافح أعمال الخطف والتقطع ومرتكبي الاحداث الاجرامية إلا أن السلطات عجزت حتى الان عن تقديم جناة إلى القضاء, باستثناء مرتكبي حادثة خطف السياح الاجانب في أواخر العام الماضي بمحافظة أبين الجنوبية وعلى رأسهم زعيم جيش عدن الاسلامي. ويقول المراقبون أنه يتوجب على الحكومة اليمنية في الوقت الحاضر اتخاذ إجراءات صارمة للحد من ظاهرة حمل السلاح التي تتحول تدريجيا إلى قنبلة موقوتة يمكن لها أن تنسف كافة جهودها لاحداث استقرار أمني شامل في البلاد. وفي حالة عجز السلطة عن لجم هذه الظاهرة, فان الكثير من المراقبين يؤكدون أن البلاد سوف تنجر إلى مستنقع من الدم, بل أن بعضهم يتخوف من أن تتحول البلاد إلى صومال أخرى. ــ د.ب.ا