على مدى ثلاثة ايام اقيمت ندوة(السودان.. الثقافة والتنمية نحو استراتيجية ثقافية)بالقاهرة من الرابع من اغسطس حتى السادس منه وقد ضمت تلك الندوة التي اقامها مركز الدراسات السودانية مختلف القوى السياسية والثقافية السودانية وطرحت ابحاثا غاية في الاهمية تتناول الواقع السوداني والحل الامثل لمشكلات السودان. وقد انتهت الندوة باعلان ثقافي اتفق عليه الحاضرون كمشروع نهضوي وطني ارشادي للاحزاب السياسية السودانية. وجدير بالذكر ان الندوة كانت مهداة للروائي السوداني الكبير الطيب صالح تكريما له بمناسبة وصوله للسبعين عاما. كان ابرز ما قدم في الندوة هو البحث الذي تقدم به الصادق المهدي الذي بدأ بطرحه قائلا: ان السودان كمشروع سياسي كان نسبيا ناجحا بالقياس الى ما يحدث في مناطق اخرى, الدولة الحديثة السودانية كانت مؤسساتها الافضل مدنيا وعسكريا وشرطيا كان القضاء مستقل, كانت الدولة السودانية تحظى باقتصاد قوي, القطاع العام كان قادراً على ان يطعم نفسه أو يساهم في التنمية والقطاع الحديث الذي تحول الى قرصان الان كان في ذلك الوقت مجدياً.. اي انه كان القطاعان العام والخاص مجديان.. كان في الستينات يقوم القطاع العام بتمويل ميزانية الحكومة. ما الذي حدث؟ لهذه التجربة التي كان يجب ان تعيش. تلك التجربة الديمقراطية التي لم يحدث اي تدخل خلالها في القضاء او في الحريات. ويجيب الصادق المهدي على أسباب انهيار تلك التجربة قائلا: ان السبب هو مغامرات اليسار وقفزه فوق الواقع الاجتماعي وهو الذي جاء بتجربة مايو التي حطمت الجزء الهام ولكن التطلع اليساري الأصولي أخفق بعدما جشم البلاد ما جشمها وجاءت بعده تجربة الاصولية الدينية السودانية التي فعلت بالبلاد ما فعل الحداد.. والآن رغم محاولتنا لترميم الاوضاع لخلق تجربة جديدة ديمقراطية نسمع أصواتا تحاول ان تستخدم الكارت الاثني, وهكذا فإن السودان الذي عانى من الاصولية اليسارية والاصولية الاسلاموية سيعاني الآن من الاصولية الاثنية وخوفا من تلك الاصولية الاثنية أكد المهدي انه جاء الندوة للتقدم بمشروع لصد تلك الاصولية المغامرة. وكان المثقف الجنوبي فرانسيس دينق قد تناول المحاور التي أثارتها الندوة, مؤكدا انه ليس لديه أية عقدة ثقافية نحو اللغة العربية أو الاسلام في اشارة الى بعض كتاباته الأخيرة (حرب الرؤى) , موضحا انه مؤمن تماما بوحدة السودان التي أكد ان لها جذورا عميقة في مشاعره وأسرته لكنه ركز على رفضه لأي وحدة تقوم على عدم المساواة. وقال فرانسيس دينق ان العنصرية أو النظرة العنصرية ليست حكرا فقط على بعض القبائل العربية, إنما هي ايضا متوافرة داخل القبائل الجنوبية نفسها وبين بعضها, بل ان الدينكا أنفسهم الذين ينتمي اليهم (دينق) يتمايزون بين بعضهم. وأرجع فرانسيس دينق هذه النظرة الى (الجهل) الذي قال ان ازالته ممكنة بالتعليم ونشر الوعي. وخلص د. فرانسيس دينق الى ان هناك ثلاثة خيارات يمكن ان تشكل مستقبل السودان في ظل هذا الواقع المتباين وهذه الخيارات هي: ان تقوم المساواة بين الناس بغض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة, وهذا ممكن اذا ضمن تطبيق ذلك. ان يخلق مناخ للتعايش يفتح قنوات الاتصال وتبادل الخيرات بين الجنوب والشمال على ان يقرر المواطنون بعد فترة كافية ماذا يريدون؟ وأشار د. فرانسيس دينق الى ان هناك تحركاً ايجابياً, حيث نجحت الحركة الشعبية في وضع القضايا الأساسية على طاولة الحوار, كما نجح التجمع الوطني ايضا في بناء جسور الثقة بين الشماليين والجنوبيين. وقال انه يعتقد ان الاسلام والعروبة سيكسبان الجولة متى ما توافرت اجواء السلام والاستقرار. ويقول الحارث حسن الحاج ان غياب التواصل الثقافي وترسيخ القيم الخاصة بالممارسة الديمقراطية جعل النخب السياسية معزولة, مما جعل التجارب الديمقراطية في السودان هشة وغير محصنة ضد الانقلابات العسكرية. ويطرح منتصر عبدالماجد فكرة اعتبار السودان منطقة تخوم ثقافية وجسر تواصل بين الثقافة العربية والاسلامية وضرورة خلق التواصل الافروعربي لخلق السودان الجديد الذي تبنته النخبة الثقافية من خلال ميثاق الحركة الشعبية لتحرير السودان. ويفسر د. عبدالفتاح الرفاعي أسباب الارتداد عن الديمقراطية في السودان بضعف القيم والنكسات الاقتصادية والتدخل الخارجي واستبعاد اليسار, أما السبب الهام فهو ضعف التزام زعماء السودان بالقيم الديمقراطية. وتبادل عبدالله محمد قسم امكانية الاعتراف بالتنوع والتعدد الديني والثقافي والاثني في السودان والتعاهد على أساس المواطنة وعلى أساس الحقوق الانسانية التي أقرها الاسلام والمواثيق الدولية. واكد مهندس فوزي عبدالحميد علي حاجة السودان الى صحوة ثقافية جديدة والى عملية تنمية ملحة به من خلال الاساليب التكنولوجية للحاق بالعصر وذلك بتطوير علاقات الانتاج واعطاء المجتمع المدني فرصة اكبر للقيام بدوره من خلال الدولة الوطنية الديمقراطية. واشار د. زكي البحيري الى امكانية تلاقي الشماليين والجنوبيين على قاعدة سياسية واحدة وان عوامل التوحد في السودان قائمة لانتماء العرب والزنوج الى اصول متقاربة ولان اللغة العربية هي السائدة حتى في الجنوب وباعتبار ان المحرك الاساسي لتلاقي البشر هي المصالح المشتركة. الاعلان الثقافي وفي نهاية الندوة قرأ الاعلان الثقافي السوداني الذي يمثل خطاب الفئات المختلفة فكريا وثقافياً وسياسيا من اجل العمل على انقاذ السودان وذلك من خلال: ــ العمل على تحقيق سلام عادل للوطن بأسره بانهاء كل النزاعات العسكرية والمدنية وتجنيب الوطن شرور الدكتاتورية. ـ تمكين المواطن السوداني المشاركة في السلطة. ــ تمكين المواطن السوداني من نيل حقوقه الاساسية من خلال التعدد الثقافي والديني واللغوي والاثني. ـ تأكيد حقوق المواطنة القائمة على الانتماء لارض السودان دون تفرقة بسبب الدين او الاصل او اللون او اللغة. ـ تحقيق المساواة من خلال تكافؤ الفرص. ـ الديمقراطية هي الخيار الوحيد لنظام الحكم في السودان والتعددية هي ضرورة عملية. ـ السعي لتنمية شاملة بالاعتماد على الذات. ـ الفيدرالية واللامركزية هي الحل الحقيقي لقطر في مثل اتساع وتنوع السوداني. واخيرا علق الروائي السوداني الطيب صالح على الندوة قائلا ان الله اعطانا بلدا على الخارطة لايمكن ان تظل ملكا لنا الى الابد, فاما ان نستغلها ونرفعها وننفع الانسانية بها وإلا سيأتي من يأخذها منا, واشار الى المشروع الذي طرحه الصادق المهدي باعتباره مشروعا ناجحا لخلق استراتيجية ثقافية للسودان وانه ليس بعيدا ان يكون المهدي على تنفيذها في المستقبل وتمنى الطيب ألا ينسى المجتمعون كل الافكار الجميلة التي طرحوها عندما تكون في يدهم السلطة كما شكر الجميع على تكريم شخصه المتواضع بهذه الندوة. مؤكدا ان السودانيين يمتلكون قدرات فكرية عظيمة وكان يجب ان يفعلوا اكثر مما فعلوا من اجل بلادهم. وتحدث الطيب صالح عن حالة السودانيين اليوم الذين تحولوا الى متسولين للحصول على تأشيرات دخول للدول الاجنبية. وعبر عن حزنه ان يتحول المسؤولون الى متفرجين لمجموعة اعتلت المسرح السياسي وهم يشاهدون اعمالا وادوارا لا تسر الصديق ولا تغيظ العدو. وكان الاستاذ فضيلي جماع قد تلى في ختام الجلسة (الاعلان الثقافي السوداني) مقرونا مع التوصيات التي تقدم بها الصادق المهدي حيث قرر الاجتماع اعادة صياغتها على نحو يتضمن ما استجد من مساهمات ورؤى. القاهرة ـ البيان