تقف الحكومة السودانية عاجزة تماما تجاه قضية الجنوب رغم انها وعدت في عام 1989 بحلها خلال عام واحد, وبعد نحو عقد من وعدها بدت مؤشرات تشير الى ان هذه القضية تتجه نحو دائرة التدويل بقيادة الولايات المتحدة الامريكية, التي بدأت وفق ما يتردد في الخرطوم - لجمع شتات الجنوبيين ودفع المنشقين عن حركة التمرد الرئيسية بزعامة العقيد جون قرنق الى التصالح معه عبر مؤتمر متوقع انعقاده في منطقة (أيوت) التي تبعد عن عاصمة بحر الغزال (ملكال) بحوالي مائة ميل جنوبا, ويقع نصف مساحة ايوت تحت سيطرة قرنق بينما يقع نصفها الشمالي تحت سيطرة الجيش الحكومي وتجد الحكومة نفسها غير مطمئنة لهذا المؤتمر الذي سيجمع ما بين د. رياك مشار زعيم جبهة الانقاذ الديمقراطية الموقعة على اتفاقية الخرطوم للسلام وفالينو ماتيب احد القادة المنشقين عن مشار الذي ظل يقود حربا ضده منذ العام المنصرم, واللواء كاربينو كوانين مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذي قاد انشقاقا مدويا على الحكومة بعد ان وقع على اتفاقية السلام, المتواجد حاليا بمنطة أونليت بولاية الوحدة تحت حماية ماتيب. وتشهد علاقات (جبهة الانقاذ الديمقراطية) التي يتزعمها مشار, بالمؤتمر الوطني (الحاكم) فتورا واضحا بسبب اتهام الاولى للحكومة, بأنها تدعم القائد المنشق عنها فاولينو ماتيب في حربه ضدها. ونفت جبهة مشار وبشدة علمها بالمؤتمر الذي تقول مصادر جنوبية ان الادارة الأمريكية تعد له بإيعاز من قرنق. وقال بول المستشار السياسي لحكومة ولاية الخرطوم وأحد القيادات الجنوبية البارزة المتحالفة مع الحكومة ان مشار سيلتقي جون قرنق في منطقة (أدوك) بولاية جونقلي معقل تواجد قبيلة الدينكا للبحث في وساطة من قرنق تهدف للاصلاح بين مشار وماتيب وكاربينو. وأضاف بول في تصريح لــ (البيان) ان خطوة قرنق تهدف لتوحيد الفصائل الجنوبية وجمع القادة المنشقين عنه تمهيدا لمؤتمر صلح يعقد في منطقة (أيوت) و(فنجاك) جنوب ولاية أعالي النيل. الى ذلك قال د. جوزيف مانتويل الناطق الرسمي باسم قوات فالينو ماتيب ان هناك اتصالات غير رسمية تقوم بها جهات اجنبية لعقد المؤتمر, (الذي يهدف الى اصلاح العلاقة بيننا ومشار, وان قرنق يقف خلف هذه الجهود لأنه يريدنا ان نتصالح مع مشار ونعود تحت قيادته حتى يستطيع قرنق ان يقودنا عبر مشار الذي تصالح سرا, لأنه يعلم اننا لن ندخل في صلح معه بصورة مباشرة) . وأضاف د. جوزيف مانتويل متحدثا لــ (البيان) : (نحن حتى الآن لم تصلنا دعوة رسمية ولا تحديد لزمان هذا المؤتمر ولكننا نعلم ان الادارة الامريكية تقود مساعي للصلح بين جميع قبائل التماس الموجودة في ولاية اعالي النيل. وقرنق هو من يقف خلف ذلك. وقد أبدينا تحفظا على المشاركة فيه لأننا لن نقبل ان نصالح قرنق) . من جانبه, اعتبر القيادي الجنوبي البارز أوغستينو أريمو, أمين دائرة الجنوب بالمؤتمر الوطني (الحاكم) هذه المحاولات لتوحيد الفصائل الجنوبية محاولة يائسة من قرنق لإضعاف الصوت المنادي بالسلام, وأضاف في تصريح لــ (البيان) (ان قرنق ومن هم خلفه وتحديدا الادارة الامريكية يريدون على اقل تقدير خلق تحالف بين الفصائل الجنوبية في مواجهة الجيش الحكومي على غرار الاتفاق الذي تم في (أونليت) بداية العام الحالي بين مشار وقرنق والذي يجعل قوات مشار في موقف الحياد في حالة حدوث اشتباك بين الجيش الحكومي وقوات قرنق) . واستطرد أمين دائرة الجنوب بالحزب الحاكم يقول: (هذا المؤتمر نحن ننظر اليه كواحدة من حلقات سلسلة التآمر التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد السودان والتي تهدف منها في نهاية الأمر الى فصل الجنوب حتى وإن استدعى الأمر استخدام القوة, الذي بدأت الولايات المتحدة تهيء الرأي العام الأمريكي والدولي له) . واستدرك السياسي الجنوبي المتحالف مع الخرطوم قائلا: (نحن في الحكومة لا نرفض أية مبادرة لاحلال السلام في جنوب البلاد, ولكن يجب ان تتسم تلك المبادرة بالشفافية المطلوبة) . وفي أوساط (جبهة الانقاذ الديمقراطية) التي يتزعمها مشار, حاكم الجنوب, اعتبرت قيادات من الصف الأول الحديث عن مؤتمر (أيوت) مجرد مزايدة سياسية تستهدف النيل من جبهة الانقاذ الديمقراطية, وقال الناطق الرسمي باسم جبهة مشار, مكواج نينج, وزير الدولة بمؤسسة السلام والتنمية ان الحديث عن مؤتمر (أيوت) ما هو الا ادعاءات وتلفيق, الغرض منه التشويش على مساعي د. مشار لتحقيق المصالحة الوطنية التي وصفها بأنها قد قطعت شوطا بعيدا. ونفى مكواج بشدة ان تكون هناك أي اتصالات قد تمت معهم بشأن هذا المؤتمر من قرنق أو غيره. وأضاف بهلجة حادة: (اذا كان هناك اتصال قد تم مع فاولينو وكاربينو فهذا شأنهم) , وأكد ان (هذه الادعاءات التي يطلقها اعداء جبهة الانقاذ الديمقراطية لن تزعجنا أو ترهبنا) وطالب مكواج الحكومة بالعمل على الاسراع في تنفيذ اتفاقية السلام لأنها الصمام الأوحد لوحدة البلاد ــ على حد تعبيره ــ. ومن جهة ثانية حذر سياسيون شماليون, استطلعتهم (البيان) من خطورة الموقف في جنوب البلاد, وطالبوا الحكومة بالاسراع في حسم امر الوفاق الوطني وإحلال الديمقراطية حتى لا تجد القوى الأجنبية التي تسعى للتدخل في السودان الذرائع الجاهزة لذلك, وقال د. حسين سليمان أبوصالح, وزير الخارجية الأسبق, زعيم مؤتمر وحدة وادي النيل: ان على الحكومة الاسراع في الدخول الى اتفاق مع المعارضتين الشمالية والجنوبية, لأن الأمر لم يعد يحتمل التسويف والمماطلة. وطالب أبوصالح في حديثه لــ (البيان) المعارضة والحكومة على حد السواء, بالتجرد من النظرة الذاتية الضيقة للأمور وان يعوا دورهم لدرء الخطر الذي يواجه البلاد. الخرطوم- عثمان فضل الله