المرشح ام برنامجه؟ سؤال يطرح نفسه عند الحديث عن اي انتخابات في الدول حديثة العهد في الاخذ بالتعددية, ومع الاعلان عن انتخابات رئاسية في اليمن يتجدد السؤال مرة اخرى . فعلى الرغم من اهمية البرامج الانتخابية التي يطرحها بعض المرشحين الا انها لاتحظى بأي اهتمام من قبل الناخب اليمني فثمة اعتبارات اخرى تشكل عوامل ومعايير التفضيل يأتي في مقدمتها شخصيات المرشحين, ووضعهم الاجتماعي والمالي وعلاقات القربى والنسب صاحبة الدور الاكبر. وهذا ما يفسر سقوط اساتذة جامعات واطباء وسياسيين ومثقفين امام اعيان ومشايخ ومقاولين وتجار في الانتخابات النيابية التي شهدتها اليمن سواء عام 1993 او عام 1997. البرامج والانتخابات الرئاسية مع بدء المرحلة الاولى من اجراءات الانتخابات الرئاسية في نهاية سبتمبر المقبل كثر الحديث في اوساط المواطنين وفي الاوساط الحزبية والنخبوية عن شخصيات مرشحة وترددت اسماء شخصيات كارزمية كالرئيس علي عبدالله صالح والدكتور ياسين سعيد نعمان والدكتور فرج بن غانم فيما خف الحديث عن البرامج الانتخابية وما يمكن ان تقدمه هذه الشخصيات للبلد. وظل مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة يردد طويلا اسم ياسين سعيد نعمان كمرشح له من دون ان يكون المجلس قد بدأ فعليا بوضع برنامج مرشحه الانتخابي فيما تسابقت احزاب التجمع اليمني للاصلاح والمجلس الوطني للمعارضة في اختيار الرئيس علي عبدالله صالح مرشحا لها في انتخابات الرئاسة قبل ان يرشحه حزبه ــ المؤتمر الشعبي العام ــ وقبل صياغة برنامجع الانتخابي الذي وضع وفقا لادبيات المؤتمر الشعبي وخطه السياسي والتي تختلف كثيرا عن ادبيات التجمع اليمني للاصلاح وخطه السياسي. وفور اجماع حزبه على ترشيحه واعلان ذلك خطب الرئيس مهاجما بشدة احزاب المعارضة وطالبها بتقديم برامج وبدائل وحلول مشكلات البلاد بدلا من الاكتفاء بتقصي عورات الحكومة. ودفع هذا الانتقاد من قبل علي عبدالله صالح بالامين العام المساعد للتنظيم الوحدوي الناصري علي سيف حسن الى القول (لا ذنب لنا اذا كان الاخ الرئيس لم يطلع على برامج المعارضة) . وعقب تزكية مجلس النواب مرشحين للانتخابات الرئاسية من حزب واحد هو حزب المؤتمر الشعبي العام بات واضحا انه لامجال للحديث عن البرامج فالرئيس علي عبدالله صالح والنائب نجيب قحطان لايتميزان في شيء من حيث البرنامج لانهما ينتميان لحزب واحد هو حزب المؤتمر الشعبي العام! الامر الذي تعتبره المعارضة ــ التي سقط مرشحيها في جلسة التزكية ــ مخالفة للدستور الذي يؤكد على ضرورة اجراء الانتخابات بين اكثر من مرشح واكثر من برنامج (البيان) ! استطلعت اراء عدد من الشخصيات الحزبية والسياسية في هذه الاشكالية.. الاشخاص ام البرامج.. لتجد اتفاقا بين الجميع على ان هذه المسألة مرهونة بالوعي بين جماهير الناخبين والذي يشكله تراكم التجارب وان هذه الظاهرة قائمة لان التطور التعددي في البلاد لايزال في بدايته. بين صنعاء وواشنطن يقول نصر طه مصطفى عضو الدائرة السياسية في التجمع اليمني للاصلاح ورئيس المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية (اعتقد ان هذه المسألة بحاجة الى وقت طويل قبل ان تترسخ في الواقع ويصبح الناخب يصوت للبرنامج اذ لابد من تأهيله على الاقل ليبدأ بالتصويت للحزب فالاحزاب في النهاية برامج ولاشك ان التمييز بين البرامج الانتخابية بحاجة الى وعي ومستوى من التعليم وهنا يأتي دور الاحزاب السياسية التي لابد ان تنزل الى الناس لتنشر الوعي في اوساطهم ولترتقي بمستوياتهم واجمالا لايمكن اغفال اهمية شخصية المرشح في الانتخابات وحتى في الدول المتقدمة فان الناخب لايصوت للبرنامج فقط بل في كثير من الاحيان تلعب شخصية المرشح الدور الاكبر فمثلا شخصيتي كلينتون وريجان كان لهما دور كبير في فوزهما وعند المقارنة بين بوش وكلينتون نجد الاول صاحب خبرة عريقة ويعد ابنا للادارة الامريكية ومع ذلك تفوق عليه الاخير بسبب صفاته الشخصية واعتقد اننا في اليمن حققنا خطوة على الطريق في انتخابات 97 حينما صوت الناخبون باستخدام الرموز الانتخابية اذ كان الناس يتحدثون عن الحصان (رمز المؤتمر الشعبي) والشمس (رمز الاصلاح). افضل من غيرنا ويعتبر محمد شفيق رئيس الدائرة الاعلامية في حزب المؤتمر الشعبي العام اجراء انتخابات رئاسية مباشرة خطوة متقدمة قياسا بفاعلية الحال في كثير من الدول العربية حسب قوله لكنه يعود فيقول ان الانتخابات على اسس برنامجية امر لايزال مبكرا في اليمن وان على الاحزاب احداث تراكم في هذا الاتجاه مشيرا الى ان حزبه ــ تقدم الى الناخبين بمرشح يتمتع بشخصية كارزمية هو الرئيس علي عبدالله صالح وفي الوقت ذاته تقدم ببرنامج لمرشحه يتضمن كل الرؤى المستقبلية التي يراها الحزب لمستقبل اليمن وبخاصة فيما يتعلق بالاقتصاد وترسيخ الديمقراطية والسياسة الخارجية لكن بعض الأحزاب القائمة لم تقدم برامج انتخابية وقدمت مرشحين (في اشارة الى الاصلاح وأحزاب المجلس الوطني التي رشحت الرئيس). برلمان بلا كفاءات محمد جسار عضو الهيئة المركزية لحزب رابطة أبناء اليمن, يرى ان هذه الاشكالية تصبغ كل التجارب الانتخابية اليمنية, ففي تجربتي الانتخابات النيابية عامي 93 و97 ألقت الاحزاب الكبيرة ببرامجها جانبا وارتكنت الى ثقل الشخصيات القبلية والعشائرية وشخصيات المجتمع وهو ما جعل البرلمان فقيرا جدا في الكفاءات العلمية والتخصصية وغابت عنه شخصيات سياسية ذات مكانة وأثر في أحزابها وعلى مستوى الساحة السياسة بشكل عام. ميراث الديكتاتورية ويضيف جسار: وأعتقد ان هناك جملة من العوامل المتشابكة تتضافر لتغدو سببا مباشرا وراء وجود هذه الاشكالية, فالتجربة الديمقراطية اليمنية ما زالت يافعة ولم تتهيأ لها بعد مناخات صحيحة ذات امتدادات زمنية تكفي لرسوخها, فرغم كونها بدأت منتصف الأربعينات الا انها تعرضت لضربات قاصمة متعددة حالت دون امتلاك عافيتها, فسيطرة أنظمة شمولية على مدى أكثر من ثلاثة عقود حرمت فيها الديمقراطية والحزبية والتعدد وسخرت السلطة الحاكمة كل أدوات قمعها لإلغاء الآخر جسديا كما كان يحدث في الشطر الجنوبي من اليمن, ثم مع بزوغ فجر التعددية السياسية والحزبية التي ولدت مع تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 أدخل شركاء الحكم البلاد في دوامة صراع متعدد الأوجه أبرزها الصراع السياسي الذي عكس نفسه سلبا على التجربة الديمقراطية فحال دون تجذرها في حياتنا العامة حيث شهدت الحياة السياسية حملات مسعورة من استنساخ الأحزاب وتفتيت الكيانات السياسية وتشويه سمعة التعدد الحزبي والصحفي وانعكس كل ذلك على مؤسسات الدولة وخدماتها وعلى الحياة العامة للمواطن مما كاد ان يؤدي الى فقدان الثقة لدى المواطن اليمني بالتعددية السياسية والحزبية, ثم بعد حرب 1994 وحتى الآن ما زالت الحياة السياسية ومؤسساتها جميعا تسدد استحقاقات تلك الحرب بوسائل متعددة, من نشوة المنتصر في الحرب وإصراره على جني ثمار نصره العسكري سياسيا ومن اختلال للتوازن العام واستبعاد لأطراف أساسية وبروز مراكز قوى جديدة يهمها وأد العملية الديمقراطية. أمية القراءة وأمية السياسة ويعدد جسار عوامل أخرى تسببت في غياب الاهتمام بالبرامج فيقول: نسبة الأمية في المجتمع اليمني عالية جدا ناهيك عن الأمية السياسية التي فرضت عليه في سنوات الشمولية وسلوكيات ما بعدها وهذه الأمية المركبة لاشك تحسب في ميدان العمل السياسي ضد مصلحة العمل المؤسسي القائم على البرامج والخطط واقتناع الشعب بها. أما العامل الثالث فيكمن في الآلية التي تدار بها البلاد عبر مراكز القوى وليس بواسطة دولة المؤسسات المدنية الحديثة ذات البرامج والخطط طويلة المدى وبالتالي فهناك قناعة شعبية واسعة بعدم جدوى البرامج والتنظير لأنها في غالبها الأعم لا ترى النور وتحل محلها السياسات الآنية وحسابات اللحظات الراهنة للشخصيات صانعة القرار ومن ثم فالشخصيات هنا هي صاحبة الفعل ومربط الفرس ومعقد الأمل في أي انجاز أو تغيير, وأعتقد جازما ان التجربة الديمقراطية اليمنية لن يكتب لها الشفاء من بعض أعراضها المرضية ما لم تترك هذه التجربة لتنمو نموا طبيعيا بعيدا عن وصاية المؤسسات النقيضة لها وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية ومراكز القوى القبلية والعشائرية التي تعلن اليوم انها الحاضن للتجربة الديمقراطية وتمارس أعمالا من منطق إيمانها العميق ان نماء الديمقراطية انما هو على حساب مصالحها اللامشروعة التي تحرص على بقائها ولا تسمح لأي كائن المساس بها. ويرى جسار ان الحل هو في اصلاح سياسي يجعل الكل في مواجهة استحقاقات مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية. نفوذ المرشح السياسي المستقل محمد المقالح يقرر ان الناخب اليمني يعتمد في اختياره في الانتخابات البرلمانية على معيار اساسي هو شخصي المرشح ومدى نفوذه القبلي والعسكري وفي بعض الاحيان مدى كارزميته وقدرته على التأثير والاقناع ولا يكون في المحصلة للبرنامج الانتخابي اي تأثير يذكر لكنه يؤكد ان الانتخابات الرئاسية تختلف نوعا ما اذ يعتمد نظامها الانتخابي على اعتبار اليمن دائرة واحدة. وبالتالي لا يكون للشخص المرشح نفوذ اجتماعي وقبلي في جميع الدوائر الانتخابية الـ 31 ويضيف (واستطيع القول انه وما عاد الرئيس الحالي الذي يكاد يكون له نفوذ في كل انحاء اليمن من خلال سلطات الحكم لا يوجد اي من الشخصيات التي ترشحت للانتخابات تتمتع بهذا التواجد او النفوذ بل على العكس كان نفوذ مرشح مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة علي صالح عياد (مقبل) قائما على ما يحمله من برامج ومطالب سياسية واجتماعية ولم يكن الناس فيما اذا تمت تزكيته سيرشحونه لشخصه بل على اساس البرنامج الانتخابي الذي يتقدم به. الناخبون مزاجات! يتوقف عبدالكريم الخيواني رئيس الدائرة في حزب الحق امام جانبين يرى انهما اساسيان الاول مزاج الناخب اليمني والثاني عمر التجربة الديمقراطية, وبالنسبة للجانب الاول لا نستطيع ان ننكر ان الناخب اليمني مازال يعتمد على الوجاهة والسلطة والمال كعوامل اساسية مؤثرة عليه وهذا ما يخيره بالفعل خلال الانتخابات الماضية حيث سقط دكتور امام مقاول في احدى الدوائر وبالنسبة للجانب الاخر لاتزال التجربة الانتخابية والتجربة الديمقراطية عموما عمرها قصير وهي تجربة مفرغة من التراكم بل يحدث تراجع فيها من سنة الى اخرى اذ كانت انتخابات 93 افضل بكثير من انتخابات 97 ومن ثم هذه المسألة تحتاج لتتطور الى تراكم يتشكل معه وعي الناس بحيث يصبح الناخب يقول كلمته للبرنامج لا للشخص ومع ذلك يمكن ملاحظة بعض اوجه التطور السياسي حدثت هنا او هناك. التجربة مازالت وليدة ويوافق عبد الجندي الامين العام للحزب الديمقراطي الناصري من سبقوه بالقول ان الفترة الزمنية التي مارس فيها اليمنيون التعددية والديمقراطية قصيرة ويقول (التعددية في اليمن ولدت مع قيام دولة الوحدة وبالتأكيد كانت في فترة من الفترات قائمة على اساس التوازن بين قوتين وارادتين انجزتا الوحدة وكل طرف منهما يريد ان يحافظ على وضعه وبعد انتخابات 93 تراجع نصيب احد الطرفين فتأزمت الامور وتطورت الى الاقتتال في حرب صيف 1994 التي ثبتت الوحدة وهذا يعني ان الفترة الزمنية التي مارسنا فيها عملية التعدد السياسي مليئة بالمشكلات اضافة الى انها فترة قصيرة جدا ومن ثم لم تصل بعد الى الدرجة التي تصبح فيها الاحزاب قوة فاعلة تستحوذ على تفكير الناس واهتمامهم فالناس هنا لا يفكرون بالسياسة من خلال الاحزاب اذ لاتزال الاغلبية من المواطنين يفكرون ويمارسون السياسة خارج الاحزاب القائمة وبعض المواطنين اذا ما مارسوا العمل السياسي في اطار الاحزاب ينتقلون من حزب الى اخر, هذا في وقت تتعرض فيه الاحزاب لعملية تفريغات وانشقاقات بسبب صراعات ناتجة عن خلافات شخصية بين قياداتها. ويضيف الجندي (نحن مازلنا حتى الآن ندار بقيادات تاريخية برزت واحتلت مكانة في عقول الناس وقلوبهم وعلينا خلال المرحلة المقبلة ان نستكمل بناء المؤسسات لكي نستغني عن دور الاشخاص التاريخيين. ويستطرد ان ظروف المنافسة الحقيقية لم تتوفر بعد في البلد ومن ثم فعواقب الفشل تبدو وخيمة, ويحسب على الديمقراطية اليمنية ان اغلب الذين ترشحوا امام الرئيس لا تتوافر في كل منهم شروط مدير قسم لا رئيس جمهورية ولذا كنا ومازلنا مع قاعدة رحم الله رجل عرف قدر نفسه. صنعاء ــ مراد هاشم