إن عمق العمل الذي تنبعث منه الرؤية التاريخية لصاحب السمو الشيخ زايد ــ حفظه الله ــ نحو بناء العلاقات العربية السليمة, القادرة على العطاء, يرجع في بنيته من جهة الى الدين الاسلامي , الذي أعلى من شأن العرب, بأن جعل منهم نواة للأمة المباركة, الآمرة بالمعروف, الناهية عن المنكر, فتتجسد الاخوة في فكر صاحب السمو الشيخ زايد بمرجعيتها الاسلامية, عملا وسلوكا وتعاضدا وتكافلا على البر والتقوى. كما يرجع الى ايمان سموه غير المحدود بقدرة الأمة العربية في التغلب على الواقع السلبي وتحقيق المكانة المرجوة والملائمة لها, في ظل نظام دولي جديد, سريع التغير, غزير المعطيات, يرفض الوهن والتشتت ويدعو الى القوة والوحدة. إن مستقبل العرب, يبرز من خلال تأكيدهم المتواصل على تحقيق المشروع الوحدوي, الذي آمن به الشيخ زايد هدفا ومصيرا, كونه الحالة الطبيعية للأمة, والتشتت هو الاستثناء والدعوة الوحدوية عند سموه, ليست نظرة مثالية تقفز فوق الواقع العربي الراهن, بل هي نظرة مستمدة من هذا الواقع, وداعية الى تغييره لتهيئة العرب لدخول فضاءات القرن المقبل بقرار سياسي مؤثر, وبوضع اقتصادي واجتماعي وثقافي قادر على تحقيق طموحات وآمال الأجيال المقبلة. فيعتمد إذن, منهج الشيخ زايد في بناء الوطن العربي وتحقيق وحدته على النظرة الموضوعية لهذا الوطن ككل متكامل متماسك على أسس مترابطة ومتداخلة, تسعى في مجملها الى الارتقاء بالأمة وتحقيق غاياتها السامية. فلنلحظ انه بعد تسلم الشيخ رئاسة اتحاد الامارات وضع هذا الاتحاد سياسيا واقتصاديا, بشكل يخدم قضايا العرب المحورية, فغدت دولة الامارات حاضرة وفاعلة ومؤثرة في هذه القضايا على الصعيدين العربي والعالمي. فالمبادرة السياسية الرائدة الأولى, جسدت اضافة نوعية في التاريخ العربي, عندما تم توحيد الامارات العربية في قلب الخليج العربي, فجاءت هذه الوحدة كالصدمة الكهربائية للجسم الراقد تنفضه نفضا لتبعث به الحياة في اللحظات الحرجة. ولم يكد يمضي العام على هذه الوحدة, حتى جاءت المبادرة الثانية لتضع هذه الدولة الفتية ولتضع الانسان العربي أجمع بقضيته الأولى قضية فلسطين, على الخارطة الدولية, بحيث أصبح القرار السياسي الدولي حول القضايا العربية يستند الى معطيات جديدة أثرت في الواقع الغربي رسميا وشعبيا. أما المبادرة الثالثة, فقد شكلت بؤرة اشعاع ديمقراطي في الوطن العربي, عندما تنازل صاحب السمو الشيخ زايد عن حكم دولة الامارات بانتهاء المرحلة الدستورية الأولى عام 1976. ان الحديث في مبادرات صاحب السمو يطول ويطول بحيث لا يتسع المجال هنا, ولكن مبادرة اكتوبر 1995 كانت بمثابة صرخة تحذير للقادة والشعوب العربية, بأن الخطر يداهمكم فأوقفوه بتضامنكم, فجاءت مبادرته للمصالحة العربية مبادرة تاريخية ومسؤولة, في وقت وصل الوهن في الجسد العربي الى أشد حالاته, وعلينا ان نتذكر ان الاعتداء العراقي جاء على دولة عضو في مجلس التعاون الذي أرسى ركائزه صاحب السمو الشيخ زايد ومن المنطقي ان تظهر هذه الدعوة من دولة عربية غير خليجية, الا ان القرار السياسي لدولة الامارات يسير وفقا لرؤية تاريخية نافذة تضع البعد القومي في مقدمة أهدافه. ولقد أعلى الخطاب السياسي الاماراتي من مكانة الانسان العربي, آخذا بالاعتبار الماضي والحاضر والمستقبل, فجاء هذا الخطاب مثيرا للعرب محفزا اياهم نحو الأخذ بأسباب التغلب على الحاضر العربي, والانتقال الى مستقبل رحب الآفاق مليء بالتحولات والمفاجآت. ان صاحب السمو الشيخ زايد يؤمن ويعمل لأجل المستقبل العربي المشرق, بالرغم من قتامة الزمن الحالي, فالرؤية التاريخية لدى صاحب السمو الشيخ زايد تبين لنا ان الواقع العربي البائس, والمكانة العربية الضعيفة عالمياً, لن يستمرا طويلاً, فالنهضة العربية املاً وهدفاً, بحيث تبرز الامة العربية كسابق عهدها امة حضارة وانجاز وتفاعل, ولن يتأتى هذا الامر من الفراغ والتمني, باعداد مسبق مكثف وطويل. قدمت يا صاحب السمو قائداً قومياً, اصيلاً, حكيماً, نازعاً أسى الصدور, زارعاً الامل والثقة والمحبة, لأجيال عربية قادمة, تقدر صنائعكم المجيدة, وتحقق اهدافكم السامية, ضارعين الى الله عز وجل ان يحفظ دولة الامارات حرة, عزيزة, ابية, يتفجر من على ارضها كل معاني الاخلاص والوفاء للعرب والانسانية جمعاء. * كاتب اردني