عندما نبحث عن التاريخ فإننا في حقيقة الامر نبحث عن شخص التاريخ لانه المحور والمدار حيث الانبعاث والحركة والارادة والفهم والمواقف والنهج, ويبقى التاريخ راصدا لحركة الانسان , حدثا ومكانا, هذا ما يستدعى البحث عنه في شخصية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, رئيس دولة الامارات العربية المتحدة ـ حفظه الله. الارهاصات الاولى اذا انتقلنا سريعا من نشأة سموه التي سنبرزها من جانبها الانساني والروحي في تكوين شخصيته وسلوكه السياسي الى عام 1946 حيث تولى سموه شؤون مدينة العين سنجد ان الامكانات لم تكن متوفرة فيها آنذاك, فلجأ الى تنمية الزراعة وحفر الآبار بالطرق التقليدية مع مشاركته المواطنين بنفسه لايجاد بيئة انمائية ينتفع بها الناس, لتحل محل التناحر والاختلاف. وافتتح مدرسة وسوقا تجارية فيها, هذه الاعمال هي التي شكلت الارهاصات لتكون الخضرة بعد ذلك , هدفا لسموه جعلت الامارات تحظى بمكانة الدول التي تهتم بالبيئة في تطورها ومشروعاتها لما يسمى بـ (التنمية المستدامة) . وجاء السادس من اغسطس 1966 ليشكل مرحلة جديدة ونقطة تحول حاسمة كانت سببا لما نحن فيه الآن من نعمة (الاتحاد) حيث الامن والامان بفضل من الله وتوفيقه. وعندما نتحدث عن عيد الجلوس ينقلنا الموقف بارتباطاته الموضوعية والواقعية الى روافد الاتحاد, لان عيد جلوس صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كحاكم لامارة ابوظبي شكل منها قاعدة ارتكاز للاتحاد بكل امكاناتها السياسية والاقتصادية, وكانت الحلقة الاولى التي صيغ من حولها عقد الاتحاد العزيز على زايد وشعبه الذي يعد الاتحاد قدره ومصيره, وتأكدت لدى سموه القناعة الراسخة بالاتحاد والوحدة وايمان بوحدة المصير, على خلفية سابقة عايشها زايد بتجربته من فرقة وشتات وهو يدرك المتغيرات المحلية وما يدور من حوله في المنطقة, فمنذ بداية حكمه اخذ سموه يسخر من كل الوسائل لتحقيق ما يصبو اليه من خلال بناء المجتمع اولا لانه اساس الدولة الحديثة, ولذلك كرس عائدات البترول لمنفعة شعبه, معبرا (لا فائدة للمال اذا لم يسخر لصالح الشعب) , فالمنجزات العظيمة المتعددة تحكي اسهامات سموه في كل حدب وصوب, وفي مقدمة كل ذلك يأتي بناء الانسان في الامارات الذي يعد استثمارا من الدرجة الاولى والذي كان موضع اهتمام سموه قبل كل شىء. ارادة الاتحاد وبينما سموه منهمك في بناء امارة ابوظبي الحديثة, كان ينظر من حوله اذ ادرك سموه مبكرا قيمة التعاون والاتحاد, ومن اجل ذلك فقد اخذ خطوات عملية بتبني ميزانية مكتب تطوير الامارات, وقد اسهمت ابوظبي في معظم ميزانيته, فيما اوفد سموه جميع طلاب البعثات للخارج لمواصلة الدراسة. هذه مقدمات وارهاصات تخدم الهدف السامي الذي كان سموه يتطلع اليه وهو (الاتحاد) فقد تعززت فكرة سموه بالاتحاد عند اللقاء التاريخي في منطقة (السميح) في 18 فبراير 1968 مع اخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي كان من بناة الاتحاد رحمه الله وطيب ثراه, ومن بعده يسيرون على خطاه نجله صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي واخوانه. الارادة السياسية دائما ما يعبر عنها في تصميمه وعزيمته نحو الاتحاد في كل مناسبة بقوله ( ان الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك, وان الفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف وان الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم فتلك هي عبر التاريخ على امتداد عصوره) . وعن النهج السياسي فنرى سموه يمارس ذلك ضمن توجيهاته وتصريحاته وترسيخا لمبدأ الشورى ففي لقائه بأعضاء المجلس الوطني في 5 يناير 1998 يحث على العمل الوطني بقوله (الاخلاص والتفاني وتحمل مسؤولية الامانة يجب ان يكون شعار كل مواطن, توطيد اركان الدولة السبيل الى الرقي وتعزيز مكانتنا في العالم, والامارات اصبحت نموذجا في تلاحم الصفوف وتآلف القلوب. لا مجد بدون مجد الاهل والوطن ويجب ان نفخر باسلافنا) هذا نهج منفرد في العمل الوطني لاستنهاض الهمم واستنفار الروح الوطنية للمشاركة في البناء وهو بحق يمثل نهج القدوة في القيادة. وفي موضع آخر يقدم سموه نموذج الحاكم ووظيفته الاصلية بقوله (ان الحاكم اي حاكم ما وجد إلا ليخدم شعبه ويوفر له سبل الرفاهية والتقدم, ومن اجل هذا الهدف يجب ان يعيش بين شعبه ليتحسس رغباته ويعرف مشاكله ولن يتحقق له ذلك اذا عزل نفسه عنهم) . وقد اعتمد سموه سياسة الباب المفتوح باتخاذ اسلوب الدبلوماسية الشعبية في لقاءاته بالمواطنين والاستماع اليهم ويحرص على تفقد مواقع المشروعات للاطلاع على سير العمل, واتصاله بجيل الشباب لا ينقطع سواء كان ذلك باللقاء المفتوح وجها لوجه او عبر الوسائل الاعلامية, ويحثهم على العمل الجاد والاخلاص كما يحثهم على التمسك بالتقاليد العربية الاصيلة وتراث آبائهم وتعاليم الاسلام الحنيف وشريعته السمحة, بقوله (نحن امة عريقة وغنية بتراثها وقيمها الروحية ولدينا في كتاب الله ما يغنينا عن العقائد التي يضعها البشر, لانها عقائد هزيلة كالجمال الضعيفة) . ويعبر عن ثقته في ابناء شعبه, امام رؤساء وفود البرلمانات العربية في ابوظبي عام 1989 بقوله (ان ثقتنا بابنائنا هي التي شجعتنا على تشكيل المجلسين الوطني الاتحادي والوطني الاستشاري, وذلك استنادا الى ما عرفناه عن اسلافهم وحبهم لهذا الوطن, وان الحاكم حين يكون مطمئنا وواثقا, يوكل الى ابنائه واخوانه المسؤولين مساعدته في الوصول الى ما هو افضل للوطن. ويواصل سموه اتصالاته ومشاوراته مع اخوانه اصحاب السمو حكام الامارات, سواء عبر الاجتماعات الرسمية لمناقشة قضايا الاتحاد وشؤونه او الزيارات السنوية التي يقوم بها للامارات الشمالية ويلتقي فيها بالمواطنين هناك. التضامن والمصالحة ورغم مشاغل سموه المحلية إلا انها لم تبعده عن قضايا امته العربية والاسلامية فعلى مستوى مجلس التعاون يواصل اتصالاته وتشاوره مع قادة دول المجلس وعلى الصعيد العربي ما برح سموه يدعو الى اعادة التضامن العربي ويبادر في دعواته الى المصالحة ونسيان الماضي وتضميد الجراح ويؤكد على بث روح التسامح والدعوة الى عقد قمة عربية موسعة لا تستثني احدا, ودعا سموه القادة العرب الى تحمل المسؤولية التاريخية ومعالجة ما تعانيه الامة العربية من الفرقة التي هي اساس ضعف العرب فيما قاله بشأن العراق في 17 اكتوبر 1995 (وقت المصالحة قد حان, كما ان رفع الحصار والمعاناة عن الشعب العراقي اصبح واجبا) . ويؤكد سموه على حسن الجوار والسعي دائما الى ان تكون العلاقات مع دول الجوار قائمة على اسس التفاهم وحل المشكلات بالطرق السلمية, وبما ينسجم مع روح الاسلام ومنهاجه وحقوق الجوار وعودة الحقوق الى اصحابها الاصليين عند حديثه الموجه الى الجارة المسلمة ايران فيما يتعلق باحتلالها لجزر الامارات الثلاثة (طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى) وحلها بالطرق السلمية عبر المفاوضات المباشرة او القبول باحالتها الى محكمة العدل الدولية, وكل ذلك من حرص سموه على ازالة اسباب الخلاف والشروع بعلاقات متطورة بما يضمن الامن والاستقرار السياسي والاجتماعي للمنطقة وبما يعود على شعوبها بالنفع والخير الكثير. واذا اوجزنا مرتكزات السياسة الخارجية الناجحة لدولة الامارات التي رسمها صاحب السمو الشيخ زايد وحدد معالمها وخطوطها الارشادية التي تستمد من الشفافية والسلوك السياسي القويم باخلاقيات حضارية مبعثها النوايا الحسنة والحكمة التي يقررها الاسلام الذي ينبذ العنف والظلم والاعتداء, فإن النهج المتميز لسموه الذي يحقق الوفاق والوئام يشكل اهم مرتكزات السياسة الخارجية لدولة الامارات التي لم يحدث عليها تغيير رغم التحديات, وحتى تلك الدول التي تختلف معها الامارات تصون جسور الصداقة معها ولا تكسر عصا القياس بينها, وبذلك حظيت بمصداقية ورصيد من الاحترام المتبادل من جميع الدول الشقيقة والصديقة. وتأكيدا لسياسية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة تم الانتهاء من المرحلة الاولى من برنامج الاغاثة الانسانية لشعب كوسوفو وبدأت المرحلة الثانية وهذا العمل الانساني يتم دون النظر الى اعتبارات دينية او عرقية, وما كان يبعث على الفخر والاعتزاز التنسيق الذي جرى على ارض البانيا بين القوات المسلحة لدولة الامارات وهيئة الاعمال الخيرية وجمعية الهلال الاحمر بمتابعة واشراف من الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وقيامه بزيارة المواقع هناك. فيما التحقت قوة الامارات للمشاركة في حفظ السلام في كوسوفو وهو امر اشادت به دول كبرى ومنظمات دولية بالدور الانساني, وتخص بالذكر تلك المنشأة الحيوية التي شيدتها الامارات وهي مطار الشيخ زايد في كوكيس الذي سهل مرور طائرات الاغاثة للدول المشاركة. هذه العملية الانسانية والمبادرة من القوات المسلحة لدولة الامارات لها سابقاتها في سجل القوات المسلحة من قبل, ففي عام 1976 شاركت في قوات الردع العربية في لبنان, وشاركت في عام 1992 في عملية (عودة الامل) في الصومال وفتحت عيادات طبية وحفرت آبارا للمياه ووفرت مواد الاغاثة للصوماليين. الجانب الروحي هناك جانب مضىء في شخصية زايد, كثيرا ما يستغرقنا عنه الخطاب السياسي والاعلامي الذي ليس له هامش في علم السياسة, وقد استمد سموه هذا الجانب من البيئة التي عايشها في سنواتها الاولى بدءا من قراءته للقرآن الكريم واهتمامه بالشعر وفهم معانيه بجانب الفروسية وحب الوطن والتضحية وتعرفه على العادات والتقاليد العربية الاصيلة والتمسك بها من الكرم والشجاعة والنبل والبساطة, وممارسة الشورى والمباشرة في القول والعمل وروح التعاون والتسامح واصلاح ذات البين والمؤازرة ومد يد العون للضعيف. وتعامل زايد في نشأته مع الصحراء ودروبها واتساع آفاقها الرحبة وعاصر الايام وخطوبها وتقلباتها, وما تحلى به من انشراح الصدر وطول البال وصفاء القلب ونقاء البصيرة والعطف والحنان والرعاية الابوية هذه العوامل كلها صاغت زايد لتشكل منه الدربة في معالجة القضايا بحكمة وعزيمة ورباطة جأش. وهذا التكوين الروحي والانساني مبعثه الايمان بالله والاعتقاد العميق بمشيئته والخوف منه واليقين فيه, وهو كثيرا ما يغيب عن بصيرة معظم الرؤساء والزعماء فيما يستغرقهم الخطاب السياسي والاعلامي, بينما نجده بحق حاضرا وساندا في الخطاب السياسي لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ويعبر عنه بصورة تلقائية وعفوية وكأنه مجبول عليه, لعلك لا تجد حديثا او لقاء يخلو من اعادة الامر الى فاعله الاصلي وهو الله سبحانه وتعالى, وهذا هو عين الشكر على النعمة وهو الضمان الوحيد لدوامها وزيادتها. ونذكر في معرض حديثه عن عون الاشقاء والاصدقاء (اننا نؤمن ان خير الثروة التي حبانا الله بها يجب ان تعم اصدقاءنا واشقاءنا وهذه حقوق الله على عباده وهذه هي تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف) وهذا التوجه انعكس على الواقع فانشأ مؤسسة زايد للاعمال الخيرية والانسانية من بين مؤسسات اخرى في الدولة تقدم العون والمساعدة للمحتاجين في كل مكان. هذا الجانب الروحي اخذ مسحة انسانية ليضفى على السلوك السياسي اليومي لسموه تجلت في الرعاية الابوية بما فيها من عطف وحنان وشفقة على الصغير والكبير, وعفو وصفح عن المذنب لتشجيعه على الرجوع الى الصواب والاستماع الى المواطنين وتفهم مشكلاتهم وتلبية حاجاتهم. تذكر احدى الشخصيات الرفيعة من الامارات ان مسؤولا غربيا رفيع المستوى يسأله بعد نشأة الاتحاد بفترة انني اقرأ ان هناك اختلافات في الامارات لكن في زيارتي للامارات وجدت الامور تمشي على ما يرام عكس ما قرأته من مصدرنا الخاص, واعاد تأكيد السؤال: لكن ما السر في ذلك؟ رد عليه بجواب غير معتاد لا يدخل في حساب المراقبين او يوضع له هامش في التحليل السياسي وحتى لا يطول النقاش قال: هناك شي من (البركة) يا مستر.. فرد السائل قائلا ليس لي ما اقوله. فصاحب السمو الشيخ زايد ليس فقط ابن البادية الذي استطاع تحويل الامارات من مجتمع قبلي الى مجتمع الدولة الحديثة بل انه نمط متميز للانسان والقائد المسلم الذي يرعى الله في شعبه ووطنه. وهذا البعد الروحي والانساني هو سر نجاح سموه وتوفيقه وحب الناس له بكل صدق, واذا كان ان ننهى حديثنا الذي لم نوفه عن صاحب السمو الشيخ زايد, فإنني في هذا السياق انقل ما اشار اليه الدكتور محمد الرميحي بمناسبة عودة سموه الى ارض الوطن بعد العلاج في عام 1996 وبما لاحظه من الفرحة العارمة التي غمرت شعب الامارات بصور عفوية معبرة في الشارع, كتب في عدد البيان: 2/11/96 مقالا بعنوان (عودة رجل وعيد دولة) واقتبس منه (صدق الرجل في اعماله وتضحياته الجسام في بناء الدولة, اوصلته الى استجابة صادقة من العقول والقلوب المحبة له, ليس في وطنه فقط ولكن في انحاء الخليج قاطبة والدول العربية وايضا الاسلامية) . ان نتيجة اعمال صاحب السمو رئيس الدولة واخلاص سموه وتفانيه وجلده وصبره هي ما نعيشه من نعمة الاتحاد وتآلف القلوب وما تبوأته الامارات وشعبها من المكانة اللائقة والمرموقة والسمعة الطيبة مما يوجب علينا تبعاته من (استحقاقات المواطنة) . اي هذا ما قدمه زايد الخير فماذا قدمنا نحن لزايد اي ماذا قدمنا للامارات؟ * مدير ادارة الوطن العربي بوزارة الخارجية