كانت أمة واحدة متفرقة في الشريط الساحلي لشبه الجزيرة العربية والصحراء الداخلية. تضطرم برغبة الوحدة, وتتوق إلى اللحاق بركب العصر وأن تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم , وأن تتنزل قدرها بين الشعوب. كانت الأمة في حاجة إلى من يلم شتاتها, ويوحد كيانها, ويقود مسيرتها بالفكر النير, والرؤية المستقبلية, وبالصبر والدأب والارادة الصلبة التي لا تلين. كانت الأمة في حاجة إلى القائد الذي تلتف حوله الأفئدة, وتسلم له أمرها, وتسلس له قيادها, لما يتمتع به من قدرات قيادية فذة. وكان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو الرجل الذي ادخره التاريخ, وهيأته الأقدار الإلهية ليصبح قائدا لمسيرة أمة, وصانعا لتاريخ وطن. في بيت الحكم ولد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في بيت ورث الامارة في أبوظبي. فهو حفيد الشيخ زايد بن خليفة (الشيخ زايد الكبير, أو الشيخ زايد الأول) الذي حكم امارة أبوظبي في الفترة من 1855م وحتى 1909م وهي أطول فترة حكم في تاريخ الامارة. ووالده هو الشيخ سلطان الذي حكم لفترة قصيرة امتدت بين عامي 1922 و,1926 ثم تولى شأن الامارة أحد أعمامه لفترة وجيزة, ثم تولى بعد ذلك شقيقه الأكبر الشيخ شخبوط الامارة منذ بداية 1928. امارة أبوظبي في ذلك الوقت, مثل غيرها من الامارات, التي عرفت فيما بعد باسم الساحل المتصالح, كانت لها علاقات معاهدة مع بريطانيا العظمى, التي أرست ورسخت وجودها في المنطقة مبكرا في 1820م, وأبرمت سلسلة من اتفاقات للمعاهدة البحرية مع الحكام المحليين, مما أكسب المنطقة اسمها. الأيام الصعبة كانت أبوظبي فقيرة.. فاقتصادها يقوم على المزاوجة بين صيد السمك والغوص بحثا عن اللؤلؤ على طول الساحل, والزراعة البسيطة في الواحات المتناثرة, مثل الواحات الداخلية في ليوا والعين. عندما انهارت السوق العالمية للؤلؤ الخليج العالي الجودة في أواخر عقد العشرينيات وأوائل الثلاثينات, نسبة لاختراع اليابانيين للؤلؤ الصناعي, والكساد الاقتصادي العالمي, عانت الامارة من ضربة قاسية تعادل الكارثة الاقتصادية. وعاشت الامارة أياما صعبة وعصيبة. النشأة عندما نشأ زايد, لم تكن هناك مدرسة حديثة واحدة في أي مكان على طول الساحل. ومثل أقرانه, تلقى زايد مبادئ العلوم والمعارف من المطوع. فحفظ القرآن الكريم, وتعلم أصول الدين. ودفعه الحماس والتعطش للمعرفة الى الخروج للصحراء مع القبائل البدوية, ليتشرب كل ما يستطيعه عن اسلوب حياة الناس, ومهاراتهم التقليدية, وقدرتهم وصبرهم وجلدهم على العيش والحياة في احوال مناخية قاسية, واكتسب صفاء الرؤية والتأمل وارادة التحدي. في تلك الايام الباكرة, لم يتعلم الشيخ زايد تاريخ بلاده فقط, فقد كان على اتصال بالناس واكتسب القدرة على فهمهم واستشفافهم وقراءة تطلعاتهم وامانيهم. عندما كان في ميعة الصبا وجد فيه شقيقه حاكم أبوظبي, انه على قدر الثقة به. فعندما وصلت اولى فرق المسح الجيولوجي من شركات النفط الاجنبية لتقوم بأعمال المسح السطحي الاولي لصحارى ابوظبي البور, غير المطروقة, تم تعيين الشيخ زايد لمهمة قيادتها وارشادها. وكان أداؤه كما هو مرجو منه, وحقق كل التوقعات المناطة به. شخصية نافذة في ,1946 قبل فترة قصيرة من بدء التنقيب عن البترول بشكل جدي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, كان زايد هو الخيار الواضح لملء المنصب الشاغر كممثل للحاكم في الواحة الداخلية العين, التي كانت مجرد تجمع عنقود من القرى, وهي اليوم مدينة نابضة بالحياة يقطنها ما يزيد على مائتي الف نسمة. ادوارد هندرسون, احد الزوار الاوروبيين الذين جاءوا مبكرا, بعد فترة قصيرة من تولي الشيخ زايد لمنصبه في العين, كان ممثل شركة نفط, واصبح بعد اربعين عاما مستشارا في مركز التوثيق والبحوث في ابوظبي, استعاد في مذكراته الانطباع الذي تركه عليه الشيخ زايد. كان الشيخ زايد حينها يدرج نحو الثلاثين كما يتذكر هندرسون وقال: (كان انيقا, قسيما, بعينين لماحتين ذكيتين, وحضور وهيئة لطيفة, يرتدي زيا بسيطا. ويبدو بوضوح انه رجل فعل وجزم وتصميم وقرار. رغم انه كان شابا صغيرا, ومسؤولا رسميا في ابوظبي عن قطاع الواحة وما حولها من الصحراء, ولم يكن له في المنصب الا عامين, الا انه كان خبيرا في الشؤون السياسية للاقليم, واصبح ذا شخصية نافذة في المنطقة وكانت صلته بالبدو حقيقية) . التجربة الاولى كانت تجربة ادارة العين بالنسبة للشيخ زايد هي التطبيق الاول لآماله وأحلامه, لكأنما الاقدار هيأت له هذه التجربة كنموذج مصغر ليختبر قدراته وعزمه وارادته, تمهيدا للدور الكبير, والمهمة العظيمة والخطيرة التي سينهض بها مستقبلا. فمهمة الشيخ زايد كممثل للحاكم, لم تكن مقتصرة على واجب الادارة البسيط نسبيا للعين فقط, ولكنها امتدت الى مساحة اوسع, وأفق أبعد, مما اعطى زايد الشاب الفرصة السانحة ليتعلم تجربة الحكم, وأثناء نزاع البريمي في نهاية الاربعينات واوائل الخمسينات, اكتسب خبرة بالعالم الاوسع. في تلك الفترة بدأ رجال القبائل من اعماق صحراء اقليم الامارة, ومن الفجاج البعيدة في عمان الداخلية, يثقون في صاحب السمو الشيخ زايد كمصلح ووسيط في حل النزاعات, فالرجل الذي يعمل على, ويتولى تحقيق العدالة وسيادة الوئام والسلام يستحق الاحترام من الجميع, لان الناس ارتضت حكومته. الجهود الصبورة والدؤوبة لحل الخلافات بين الاشقاء في العين وماحولها, اتسعت فيما بعد وتجلت في جهود صاحب السمو الشيخ زايد الصبورة والدؤوبة للتقريب, ولحل النزاعات بين الدول العربية الشقيقة. حلم التنمية من العلامات البارزة في تلك الفترة ايضا, ان صاحب السمو الشيخ زايد تولى مهمة قيادة تنمية العين نفسها, فوضع الموارد القليلة تحت امرته وبدأ العمل. اكد ضرورة تنظيف الافلاج القديمة, وبناء اخرى جديدة, للمساعدة في حث الناس على الزراعة. ولدعم عملية التنمية, قررت اسرة آل نهيان تحويل انصبتها الخاصة من موارد الماء الى الجمهور, وارست بذلك نموذجا احتذى به الآخرون سريعا. ذلك النمو الزراعي بدوره, شجع العين لتطور موقعها التقليدي كمركز تسوق لكل الاقليم وتدفقت الاعمال وعم الرخاء, حتى ولو على درجة صغيرة. وفي سنوات قليلة كان برنامج التشجير والخضرة قد عم المدينة وما حولها. واكدت تجربة العين انه مع العمل بالموارد المحدودة وخلق تفاؤل وسط اهل المدينة, استطاع صاحب السمو الشيخ زايد بقيادته المستنيرة ان يسير قدما بتنمية منطقة العين اسرع مما كان يتوقع اي شخص, باستثنائه هو بالطبع. القائد المنتظر في ,1953 وبصحبة شقيقه حاكم ابوظبي, قام صاحب السمو الشيخ زايد بأول رحلة الى اوروبا, وزار باريس للسماع القانوني في نزاع نفطي. ثم ذهب الى بريطانيا, في مقابلات اجريت معه بعد ذلك بسنوات استعاد انطباعاته حول تلك الزيارات, وكيف ان المدارس والمستشفيات والمرافق الخدمية التي يتمتع بها الناس هناك, استأثرت باهتمامه. وعندما اصبح لدى ابوظبي المال, قرر ان يزود مواطنيه بمثل تلك الخدمات. في قضية السماع القانوني في باريس صدر الحكم لصالح ابوظبي, وكانت تلك علامة فارقة. فبعدها بقليل جرت اعمال التنقيب عن النفط بكثافة وجدية اول بئر استكشاف في ابوظبي حفرت في رأس سدر في 1950, وتبعتها اخريات فيما يعرف الآن بالمنطقة الغربية, ثم آبار اخرى على البحر. في 1958 اكتشفت اولى حقول النفط التجاري في حقل باب, ثم في البحر في ام شعيف, وغادرت اول شحنة تصدير من النفط ابوظبي في 1962. مع بدء تدفق عائدات النفط, بدا مواطنو ابوظبي تواقين للمشاركة في التنمية التي رأوها وقد اخذت مكانها في الامارات الاخرى المنتجة للبترول في الخليج. مع سجل انجازاته الباهرة في العين, كان صاحب السمو الشيخ زايد هو الاختيار الطبيعي لقيادة عملية التنمية, وفي اغسطس 1966, تولى امارة ابوظبي. وبدأت صفحة جديدة في التاريخ. صفحة جديدة كان رجلا يسابق الزمن. كانت عائدات النفط تزيد عاما بعد عام مع اكتشاف الحقول الجديدة, ودخولها تيار الانتاج. في نفس الوقت كانت توقعات المواطنين المتزايدة تعني ان برنامج التنمية يجب ان يجري بذات السرعة, ومساويا لها, اسس صاحب السمو الشيخ زايد اول هيكل حكومي رسمي للامارة, وباشر برنامج تشييد على درجة ضخمة لبناء الطرق والمدارس والمساكن والمستشفيات ليس في عاصمة الامارة ابوظبي والعين فقط, بل امتد الى مستوطنات ومضارب البدو في الصحراء, لتأكيد ان منافع الثروة الجديدة تعود على المواطنين. في نفس الوقت رأى صاحب السمو الشيخ زايد بوضوح ان بريطانيا لن تستطيع المحافظة على وجودها في الخليج الى الابد, وان امارات الاقليم تحتاج لان تتعاضد مع بعضها البعض في تعاون وشراكة اذا كانت ترغب في ان تنعم بالاستقرار والمستقبل الزاهر. في يناير 1968, بعد اقل من 18 شهرا من توليه امارة ابوظبي, جاء وزير بريطاني ليزور صاحب السمو الشيخ زايد, لينقل اليه, والى الشيوخ الآخرين بالساحل المتصالح رغبة بريطانيا في انهاء وجودها العسكري والسياسي في الخليج العربي مع نهاية 1971. القائد وكان صاحب السمو الشيخ زايد جاهزا للعمل, واخذ زمام المبادرة, ففي فبراير من ذات العام, التقى صاحب السمو الشيخ زايد في السميح, بين ابوظبي ودبي, بحاكم دبي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم, واتفق الرجلان على تأسيس اتحاد بين الامارتين, ودعيا الامارات المتصالحة الخمس الاخرى, اضافة الى قطر والبحرين, للانضمام اليهما. حكمة التحرك اخذت اعتبارا واسعا, رغم انها استغرقت اربعة اعوام, وبعض المساومات الشاقة قبل ان تتفق الامارات السبع على تكوين الاتحاد. وفضلت قطر والبحرين الاستقلال, الا انهما ارتبطتا فيما بعد بالامارات في مجلس التعاون لدول الخليج العربي. كان تصميم صاحب السمو الشيخ زايد وقدرته على المصالحة, ورغبته وارادته للتراضي للخير والصالح العام, حاسمة في نجاح المفاوضات والحوار الذي قاد الى الاتحاد. وعندما اعلن اتحاد دولة الامارات العربية المتحدة رسميا في 1971, كان صاحب السمو الشيخ زايد هو الخيار المنطقي كرئيس للدولة الجديدة. بعد عدة قرون من الشتات, دخلت الامارات المنفردة, الى مرحلة جديدة من تاريخها, عندما رفرف علم الدولة الجديدة في 2 ديسمبر 1971, لتواجه المستقبل متحدة. خلال السبعة وعشرين عاما التالية, استمر الشيخ زايد قائدا لصالح وخير هذا الشعب, الذي امتد عبر الامارات العربية المتحدة كلها, ولم يعد قاصرا أو خاصا بامارة أبوظبي وحدها. أعيد انتخاب الشيخ زايد رئيسا للدولة خمس مرات في ,1976 ,1981 ,1986 ,1991 ,1996 ويتمتع ويتسحق ثقة اخوانه الحكام والمواطنين. وتحت قيادة صاحب السمو الشيخ زايد, اجتازت الدولة بنجاح مرحلة التحول الكامل من دولة متخلفة الى واحدة من اسرع الدول نموا في العالم, وانجزت الكثير دون ان يصحب ذلك خلل اجتماعي او سياسي او اقتصادي, الذي يصاحب عملية التنمية عادة, في العديد من الدول الاخرى. (شباب الوطن, الثروة الحقيقية للامة) كما يقول صاحب السمو الشيخ زايد, نالوا الفرص التي لم تكن متوفرة فيما سبق. وفي المقابل استفادوا من هذه الفرص للمشاركة في بناء بلادهم. في صناعة النفط, في ادارة الاعمال, وفي الحكومة. واذا كان صاحب السمو الشيخ زايد في مقام الوالد لشعبه, فقد اكد بوضوح ان مسؤوليات (الوالدية) تنطبق على المرأة الاماراتية تماما مثلما تنطبق على الرجل, ورفض الاقتراح الذي دعا الى عدم خروج المرأة الى العمل. وقال: (النساء لهن الحق في العمل في اي مكان) . واضاف: (اعطى الاسلام النساء كامل الحقوق, وشجعهن على العمل في كل القطاعات, مادمن ملتزمات بدواعي الحشمة والاحترام. الدور الأساسي للنساء تنشئة الأطفال, ولكن بعد ذلك وفوقه, يجب ان ندعم وان نشجع أية امرأة اختارت ان تقوم بوظائف اخرى) . واليوم تمثل النساء نصف العمالة في القطاع العام. ومع تدفق آلاف الخريجات أصبح للمرأة الاماراتية مكانها الهام والمتعاظم في التجارة والخدمات الصحية, والتعليم والمصارف والقطاع الحكومي والادارة. استلهام الدروس مستلهما الدروس من أيام كان ممثلا للحكام في العين, دعم صاحب السمو الشيخ زايد وشجع المواطنين في الامارات طيلة الفترة الماضية على العمل معا لبناء دولة جديدة. وأكد انه مهما كانت الخلافات التي فرقت الآباء في الماضي, فإن ذلك يصب لصالح التراث المشترك والمصالح المشتركة, التي توحد أكثر مما تفرق. هذه الرسالة كانت في صدارة أحاديثه للأجهزة الرسمية مثل المجلس الوطني الاتحادي, وفي لقاءاته مع وسائل الاعلام, وعلى سنام ذلك, في أحاديثه غير الرسمية مع المواطنين, والتي تمثل ملمحا هاما في أسلوب حكمه. فهو يسعد أكثر ما يسعد عندما يستطيع ان يجد فرصة بعيدا عن العمل الرسمي ليزور ويتفقد مواطنيه في الصحراء والجبال والجزر البحرية, ويؤكد صاحب السمو الشيخ زايد بهذه الطريقة انه يحافظ على تقليد تراثي عريق, وفي الوقت ذاته يؤكد انه يتلمس بقوة نبض الشعب ورأيه, مثل هذا الاسلوب يكتسب أهميته, لأنه طريق ذو اتجاهين, كما كان دائما. فصاحب السمو الشيخ زايد يستثمر مثل هذه المناسبات للسماع للناس وللحديث اليهم وتشجيعهم على العمل الجماعي لخير الجميع. وتعطيه هذه المناسبات الفرصة ليشرح همومه واهتماماته لمواطنيه, مثل تصميمه على تحقيق حلمه القديم بجعل الصحراء خضراء. وتحولت الأرض الصحراوية الى غابات ومتنزهات وحدائق فيحاء. مدينة العين التي كانت تجربته الأولى لتحقيق حلمه, هي اليوم مدينة الخضرة, بينما أبوظبي التي نالت لقب (المدينة الحديقة في الخليج) فيها عشرات المتنزهات والحدائق. وفرق شاسع ما بين القرية الساحلية الرملية التي كانت قبل 33 عاما والآن. الالتزام العربي في مجال التقريب والتوسط والمصالحة بين الاشقاء, لدى صاحب السمو الشيخ زايد أكثر من 50 عاما من الخبرة والتجربة التي يستلهمها, فقد أصبح من الواضح فيما مضى من سنوات منذ تأسيس الدولة, ان هذه المهارات التي نمت ونشأت في الصحراء وتطورت وتمرست في العين, اصبحت لها حاجة موافقة خارج حدود الامارات. فصاحب السمو الشيخ زايد يسوده ايمان عميق, والتزام لا يهتز بوحدة العرب. ولم يدخر جهدا في التوسط بين أشقائه العرب وجيرانه. وكمحام أصيل للتعاون, كان الضوء الذي أنار الطريق لتكوين مجلس التعاون لدول الخليج العربي, الذي تأسس في اجتماع قمة أبوظبي في مايو 1981. لم يكن صاحب السمو الشيخ زايد سعيدا بالفرقة بين مصر وبقية العالم العربي, فقاد المبادرة لاعادة مصر للصف العربي في 1987. وكانت الامارات العربية المتحدة من أولى الدول العربية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية الجديدة, مع التزامها الثابت بدعم الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية. ونهض صاحب السمو الشيخ زايد بدور قيادي في دعوة الدول العربية لاستخدام نفوذها لانهاء المذبحة الاهلية في لبنان, التي حذر منها منذ البداية في السبعينات, باعتبارها لا تهدد اللبنانيين فقط, بل كل العالم العربي. واثناء النزاع الطويل بين العراق وايران, استخدم الشيخ زايد كل قناة متاحة لمناشدة الطرفين المتقاتلين لوقف نزيف الدم بلا معنى, ودعا الطرفين وأصدقاء وجيران الامارات العربية المتحدة للقيام بالتحركات الضرورية لانهاء جمود المفاوضات التي كللت الجهود الدولية لتحويل وقف اطلاق النار في أغسطس 1988 الى تسوية دائمة وعادلة بين العراق وايران. من وحي الاسلام أكد صاحب السمو الشيخ زايد قولا وعملا ان دولة الامارات العربية المتحدة, من وحي اسلامها, تبنت سياسة ثابتة لدعم الفقراء والمساكين في العالم كله. وتلقت دول العالم النامي دعما لا ينقطع من العون, وقدمت دولة الامارات أكثر من خمسة بلايين دولار كهبات وقروض ومساهمات لأكثر من 40 دولة في القارات الثلاث آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية, فصاحب السمو الشيخ زايد يؤمن ان ثروة النفط التي بُوركت بها الامارات هي شيء يجب ان تتشاركه مع الدول الاخرى الأقل حظا, ليس من منطلق المنفعة الذاتية الواعية, رغم ان هذا اتجاه محمود, ولكن كواجب. فسموه يرى ان المنفعة الضيقة لا تخدم الانسان, ولا الانسانية, في عالم يتبادل الاعتماد على بعضه البعض. مفتاح شخصيته شعب دولة الامارات المتحدة شملته العناية الالهية, ان يكون صاحب السمو الشيخ زايد قائدا له. فخلال أكثر من خمسين عاما في الحكم في العين, ثم أبوظبي ثم الامارات العربية المتحدة كلها, قاد, ووجه حركة التغيير الضخمة التي شملت المجتمع وعمت حياته. وطيلة هذه المسيرة, كان ايمان صاحب السمو الشيخ زايد العميق والقوي بالاسلام هو هاديه ومرشده. والعقيدة الاسلامية هي مفتاح شخصية الرجل, وتفسير نجاحه منقطع النظير في احياء أمة ونهضة دولة. أقل من أربعة عقود مرت منذ ان اكتشف البترول لأول مرة في أبوظبي. ومنذ ذلك الحين, وعلى الأخص بعد تأسيس دولة الامارات, أصبح التقدم أسرع مما كان يستطاع تخيله أو تصوره قبل جيل مضى. فقط شخص واحد, صاحب رؤية عادية أمكنه ان يتصور امكانية حدوث مثل ذلك التغيير, وعاش ليعمل على تحقيقه واقعا... ألا وهو صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (حفظه الله) الذي اجتمعت القلوب على محبته وارتضته قائدا وزعيما لهذه الأمة وحاكما ورئيسا لهذه الدولة.