اي كاتب عربي منصف يود التحدث عن دولة الامارات العربية المتحدة ودورها في قضايا الامة العربية بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة , قد لا يحالفه الحظ للاحاطة بكل ما يفترض الاحاطة به خصوصاً اذا كان بعيداً عن الحركة اليومية فيها. فقيادة الشيخ زايد لها دورها المميز والمتميز في قضايا العرب والمسلمين جميعا.. بل ان هذا الدور استطاع الوصول الى قضايا العالم المختلفة.. صحيح ان دولة الامارات العربية المتحدة بلد صغير بحجمه, لكنه كبير جدا بقيادته وبفعله ومواقفه وهو الحاضر دوما في كل ما يخص العرب وقضاياهم وطنية كانت ام قومية. وانا كصحفي عربي عندما اكتب عن دولة الامارات انما افعل لاقتناعي اولا بما حققته لشعبها وامتها, ولأنني ايضا اعرفها عن قرب فقد عشت فيها بضع سنوات كانت حافلة بالأحداث, وعايشت بدقة كيفية اتخاذ القرار وعلى أعلى المستويات.. وعلى هذا اسمح لنفسي بالحديث عن دولة الامارات وقيادتها وسياستها ومواقفها.. وسنحاول في هذه المعالجة القاء بعضا من الضوء على سياسة ومواقف الشيخ زايد من خلال خطبه واحاديثه الصحفية منذ عام 1969 والى وقتنا الراهن. هذا الرجل الذي بنى دولة الامارات الشقيقة البناء الذي يعتبر انموذجا بحق.. مواقف لا تنسى انه قليل الكلام فان تحدث فقد بات اسير الكلمة التي يقولها.. يفضل التريث في إطلاق الاحكام ويتجنب دائما عبارات التحدي, ولكنه كان دائما وسط تحديات مستمرة بلغته البسيطة وتعاونه المخلص وصدقه العفوي استطاع ان يقارب بين المواقف وان يضيق شقة الخلافات وان يكون صانع المصالحات العربية.. السياسة عنده موقف والرأي عقيدة ومبدأ لا يساوم ولا يتهاون, متطرف في عروبته عنيد في الدفاع عن قضايا امته وحقوقها ومستقبلها.. لقد تحول الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة عبر سنوات التجربة الى مشروع مضاد لا يمكن ان تخطئ في معرفة هويته.. رجل يؤمن ايمانا عميقا بان له رسالة تاريخية يريد ان يحققها ولقد كان له ذلك, فعلى الشاطئ الغربي للخليج العربي تمكن من تغيير حياة امة ورسم خارطة جديدة للمنطقة. بنى زايد فوق الصحراء كيان دولة عربية جديدة.. وفي اطار من السيادة والاستقلال طور حياة شعبه بما يقويه ويجعله يقف في وجه الاحداث والتهديدات انى كانت.. وعبر سنوات قليلة معدودة نهضت الامارات العربية دولة اتحادية عندها ما تقدمه للأشقاء العرب.. ولها قدرتها على تقديم المساعدة لتحقيق بعض احتياجاتهم الحيوية.. واصبح اتحاد الامارات كيانا مرموقا في الخليج العربي وفي المنطقة, استطاع ان يحوز على دوره كاملا وان يتوازن مع الظروف الطارئة والمحيطة وان يحافظ على مسيرته بدافع ذاتي. جزء من الأمة تؤمن دولة الامارات بواجبها ومسؤوليتها نحو الجسم العربي الكبير الذي هي جزء منه, كما تؤمن بمسؤولياتها تجاه الدول النامية التي عانت المعاناة نفسها من التخلف والنهب الاستعماري والتي تقف الى جانب القضايا العربية المصيرية, وهي تنتهج سياسة خارجية قوامها احترام القوانين والمواثيق الدولية والالتزام بميثاق هيئة الامم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وأحكامه وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام قواعد حسن الجوار وسيادة الدول ووحدة اراضيها. بنت الامارات علاقاتها بالأشقاء على اساس من وحي ميثاق جامعة الدول العربية وتلتزم بكل ما تلتزم به دول الجامعة بما يخدم الصالح العام للأمة وتنمية علاقات الاخوة, وظلت وفية لعروبتها منذ قيامها قبل 28 عاما.. رفعت الراية ودعت الى التلاحم, مؤكدة ان تجربتها في الاتحاد هي البرهان الساطع على ان الوحدة هي مصدر كل قوة ورفعة وفخر, وان تحقيق الوحدة الشاملة مطمح يتطلب جهدا شاقا وعملا دؤوبا في ميدان (التجانس الفكري والثقافي والتكامل الاقتصادي, وقبل هذا التضامن العربي الذي يسمو بأمتنا فوق كل الخلافات والصغائر) . لقد أكد الشيخ زايد على الدوام بان شعب الامارات جزء لا يتجزأ من الامة العربية (يهمنا ما يهمها, ويفرحنا ما يفرحها, عدوها عدونا وصديقها صديقنا) . وانطلاقا من هذه القناعة نظر الى المجتمعات العربية نظرته الى مجتمع بلاده.. وكما تمكن من التوزيع العادل للثروة على مختلف شرائح الامارات, تقدم بفائض الثروة للتصدي لمشاكل التنمية في المجتمعات العربية مؤمنا ان تحقيق اهداف الامة يحتاج الى جهد جماعي من التآزر والتضامن, لان البناء لا يقوم على عمود واحد ــ كما ردد على الدوام ــ ولان الانتقال بالأمة من وضعها الحالي يحتاج الى تضافر الجهود والامكانات كافة. ولم يقتنع بان هناك ازمة مستعصية في مسار التأزم العربي الطويل, ولم يقبل ان تكون الخلافات العربية هي القاعدة وسواها الاستثناء, فالانقسامات العربية ــ كما رفض الا ان تكون كذلك ــ سحابة صيف لابد ان تنقشع وظلمة ليل ينبغي لها ان تنجلي. وبمثل هذه الارادة استطاع ان يخاطب كل المحاور المتصارعة واستطاع ان يمد اليها جسوره ويحظى فيها بكلمة مسموعة.. والخلافات العربية (آنية) ولابد من تخطيها ولابد من محاصرتها وإطفاء حرائقها بدافع عميق من الإيمان بالله وبالعمل الدائب والمخلص لما فيه خير العرب والاسلام, فإن داهمت (فان العائلة الصغيرة تختلف فيما بينها فكيف بعالم عربي كبير) . التسامح الأبوي بمثل هذا التسامح وبمثل هذه الابوية دأب بإخلاص, وعلى امتداد اكثر من ثلاثة عقود موجات متلاحقة من الصفاء القومي. وفي مرحلة مبكرة قام بجهود حثيثة للوساطة بين مصر وليبيا عام 1971, وتمكن من ترتيب لقاء بين الرئيسين السادات والقذافي لحل الخلافات العالقة أنئذ من خلال الحوار وتغليب المصلحة العامة والمشتركة, وفي عام 1983 ضاعف جولات المصالحة بين سورية والعراق وبين المغرب والجزائر... كما جدد مساعيه الحميدة في العام 1988 للتقريب بين طرابلس والقاهرة, داعياً القادة العرب الى تحمل المسؤولية التاريخية ومعالجة القضايا العربية الملحة بكل صراحة لاستعادة ما فقدته الامة من تراثها ومصالحها... ومع فاجعة دخول القوات العراقية الى الكويت في اغسطس 1990 سارع للمطالبة بوضع ميثاق جديد لاتخاذ القرار العربي بالاكثرية وليس بالاجماع, منبهاً الى ضرورة الحرص على روابط الاخوة وعدم اعتداء دولة عربية على دولة عربية اخرى سواء بالسلاح او التطاول او بالحملات الاعلامية, وحل الخلافات عبر الجامعة, وبعيداً من اللعب بالالفاظ الدبلوماسية او المداورة في الطرح والاستنتاج. ولم يقبل ان ينتزع من الحق باطلاً او ان يتخذ من الاعوجاج مدخلاً للغوص في الكثير من الامور المعقدة. وفي النهاية يبقى التسامح علاجاً لكل الخلافات... وتبقى التفرقة ضعفاً ويبقى التضامن على اساس مبادىء الاخوة والتعاون افضل سبيل لتحقيق المصالح المشتركة واعظم انتصار في مواجهة عدو شرس... ان الامة العربية لا يجوز ان تنشغل في هذه المرحلة بخلافاتها الداخلية, وان كل خلاف داخل الاسرة الواحدة يمكن تأجيله, اما الخلاف مع العدو فهو الذي يجب ان تنصرف اليه كل الجهود... ويوم نواجه اسرائيل متحدين فسوف تعرف ان مصيرها قد تقرر. حرب رمضان ان التفرقة ضعف والاتحاد قوة وقوة العرب في وحدتهم لان فيها خلاصهم لكي يأخذوا مكانهم الطبيعي في العالم... وكما برهن التاريخ على ان فترات التفكك والانقسام كانت الفترات التي تمكن فيها الاعداء من رقاب هذه الامة, فانه برهن بالمقابل كيف ان الوحدة العفوية والطبيعية كانت تنبثق دائما وفجأة في مجرى التجارب الكبرى... تجارب حرب العاشر من رمضان 1973 التي لا تزال شاهداً حياً في ضمير التاريخ العربي الحديث. عندما نشبت الحرب قبل 26 عاماً لم ينتظر الشيخ زايد ما سوف تنكشف عنه الاحداث ولم يرض للصدفة ان تحركة, ففيما كانت القيادتان السورية والمصرية تقودان العمليات العسكرية على جبهتي الجولان وسيناء اختار ان يكون في قلب المعركة, وتحول بيته العربي التأثيث في احد احياء لندن ــ حيث كان يواصل زيارته ــ الى بيت للدبلوماسية العربية ومركز لتنظيم تقديم الدعم بالمال والدم والغذاء... ونجح في اقناع رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الحين ادوارد هيث بالتصريح علناً بضرورة الالتزام بقرار مجلس الامن 242 الداعي الى انسحاب اسرائيل من كل الاراضي العربية التي احتلتها عام 1967 كل الاراضي. وشكل اصراره على استخدام النفط لاول مرة سلاحاً في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي, وتهديداته في ذلك الوقت بتأميم المصالح الامريكية فيما لو استمر دعمها العسكري لاسرائيل دخولاً خليجيا قوياً في عالم السياسة العربية... وفوجىء الغرب بأن النفط بات معطى اساسيا في ساحة المواجهة وعاملا سوف يحسب له الف حساب في المعادلة الاستراتيجية الدولية... واثبت الشيخ زايد بأنه دائما صاحب المبادرة الاولى, فقد تعامل مع البريطانيين والامريكيين معاملة الند للند, وكان اول من قطع النفط في الحرب ولم يتأخر في اي وقت عن تلبية نداء الاخوة... ووقف نموذجاً لدول الخليج العربي التي قدمت وبذلت واعطت لدعم اشقائها في دول المواجهة. وحينما زادت الاسئلة حول حجم الدعم الذي امر بصرفه في حساب المجهود الحربي السوري والمصري, رفض الافصاح عن اية ارقام معتبرا ان ما اقدم عليه واجب لا مجال للتباهي به... وبكل نكران الذات طرح اسئلة معاكسة... هل ننسى انه لولا الدعم العربي ولولا المعارك التي خاضها الاشقاء العرب ضد الاستعمار لما استقلت دول الخليج؟ وانه لولا حرب رمضان والوقفة الباسلة لمصر وسورية لما ارتفعت دخول النفط؟ ولولا الخبرات العربية لما استطعنا ان نحقق هذا البناء الحضاري؟ ومنذ عام 1969 اكد الشيخ زايد على ان نقطة واحدة لن تمر في خط الانابيب الذي اقترحت اسرائيل مدة بين ميناء إيلات في خليج العقبة وميناء اشدود على البحر المتوسط, وحذر من ان العالم العربي والاسلامي لن يسمح بمرور النفط العربي عبر اراضي اسرائيل وان من يحيد عن هذا الموقف سوف يجد نفسه وحيدا بعيدا عن العروبة والاسلام. وكان قبل حرب اكتوبر ابدى استعداده لقطع النفط عن الولايات المتحدة واية دولة اخرى تؤيد العدوان الاسرائيلي, اذا قررت الدول العربية استخدام النفط, وبادر الى وقف التصدير الى الولايات المتحدة عندما شرعت باعادة تسليح اسرائيل معلنا ان العرب احرار في بيع نفطهم بالطريقة التي تلائمهم وانه لا يمكن لاي دولة في العالم ان تملي على البلدان العربية الطريقة التي تتصرف بها بثرواتها, فاسرائيل عدو معتد ولابد من مواجهته بكل الاسلحة للدفاع عن الاراضي العربية وتحريرها... وبما ان العرب ليسوا من تجار السلاح كما هو حال الدول الغربية التي تغدق كل اشكال الدعم لربيبتها في المنطقة في انحياز واضح ومكشوف (افلا يجب علينا ان نستعمل ما في يدنا من سلاح لمواجهة المخاطر؟) . مدير تحرير جريد(البعث)السورية