تجربة اتحاد الامارات واحدة من اهم التجارب الوحدوية في التأريخ العربي المعاصر. وتتمثل اهمية هذه التجربة في قدرة الاتحاد على الاستمرار ومقاومة الزمن , وتجاوز الازمات, وتحقيق انجازات مذهلة. وامكن لمؤسسي الاتحاد ان يسيروا أمور اتحادهم في تناغم مثير للاعجاب وملفت للنظر. فما السر وراء ذلك؟ كيف أمكن لقادة اتحاد الامارات ان يحققوا ذلك وهم عرب, والعرب اكثر ميلا للشقاق, واكثر استعدادا للتمزق والخلاف... والعرب فوق كل ذلك هم احفاد داحس والغبراء. اتحاد الامارات نموذج عربي مختلف نشأ طوعاً من خلال حوار بناء وصادق وواع, وهاهو بعد مايزيد على ربع قرن من الزمن يواصل مسيرته دون ان ينفض سماره, او ينزع السيف من جرابه. لم ينشغل حكامه ــ كعادة المتخلفين ـ بالدسائس والمؤامرات والمكائد والخلافات وتنازع الاختصاصات, ولم يسع احد منهم الى الاستحواذ والهيمنة والتفرد... وانما انشغلوا جميعا بمعركة البناء, وتنافسوا على الانجاز فحققوا وانجزوا وصنعوا المعجزة على رمال الصحراء. ذهبهم الاسود لم يتحول الى نقمة عليهم وعلى جيرانهم كما كان الحال مع غيرهم, وانما كان نعمة حولها حكام الامارات وابناء الاتحاد الى مدارس وجامعات تزخر بالعلماء والمتعلمين من الرجال والنساء وحولوها الى مدن شامخة وحدائق غناء والى اقتصاد نام ومزدهر لم يجعل البترول مرتكزه وانما طور من مصادره الى حد اصبحت فيه مصادر الدخل غير النفطية تشكل 60% من الناتج المحلي لاتحاد الامارات. ولم يغلق الاتحاد بابه ويتنكر لاخوانه واشقائه وقد أفاض الله عليه من نعمه ففاض بر الاتحاد واهله على اشقائهم واخوانهم, ولم يبخلوا يوما بعون لشقيق, او مساعدة لمسلم.. كما لم يبخلوا بنصيحة لاخ ولا بجهد لخلق روح الوحدة والتضامن بين ابناء الامة. سر الاتحاد السؤال الذي يظل يطرح نفسه: ما السر في استمرار الاتحاد بطوعيته وقوته, وانجازه, وبالسلاسة واليسر في تسيير اموره؟ هل يأتي ذلك من دقة الأسس التي اتفق عليها مؤسسو الاتحاد؟ هل يعود الفضل في ذلك الى الشكل الاتحادي الذي تراضى عليه مؤسسو الاتحاد؟ لا شك ان الأسس وشكل النظام المتفق عليه قد ساعدا على استمرار مسيرة الاتحاد, كما ساهما في تحقيق انجازاته. لكن ونحن نستعرض تجربة الوحدة السورية المصرية نجد انها قامت طواعية وبالحاح سوري وحماس لا نظير له. وكذلك الوحدة اليمنية التي تحققت طواعية وبعد حوار طويل... ولكن انتهت الوحدة السورية المصرية الى الانفصال في بداية الطريق, وانتهت الوحدة اليمنية بعد سنوات ثلاث الى امتشاق السيف وانتصار فريق على فريق. كل ذلك لم يحدث مع اتحاد الامارات ولم نسمع يوما عن ازمة كبيرة عكرت صفو هذا الاتحاد... قد يفسره البعض بحجم الامارات سكانا ومساحة, لكن نزاعات البشر لا ترتبط بعدد السكان ولا بمساحة الارض, فقد ينشأ النزاع داخل اسرة واحدة تعيش في بيت واحد أو مناطق متعددة... وقد فسر البعض نجاح تجربة اتحاد الامارات بدقة الأسس التي تم الاتفاق عليها... وكم من اسس تم الاتفاق عليها وتم تجاوزها وانتهاكها, وكم من دساتير وقوانين نصدرها ثم نحولها الى حبر على ورق حين تكون النفوس امارة بالسوء. العامل الاساسي ــ في رأيي ــ في قوة اتحاد الامارات والذي صان وحدته, وحافظ على طواعيته, وحقق التئام شمل ابنائه, ومكنه من تحقيق انجازاته هو العامل القيمي والاخلاقي لمن اقاموا الاتحاد وعلى رأسهم شيخ الامة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. حب بحب ووفاء بوفاء لقد تقمص صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ منذ اللحظة الاولى ــ روح الابوة الصادقة نحو كل ابناء اتحاد الامارات حكاما ومحكومين, وانطلق في تعامله معهم من قيم هي اجمل ماتختزنه امتنا من قيم... قيم الشهامة, والكرم, والتسامح, والثقة بالنفس, ورغبة الاب في مشاهدة نجاح اولاده في اعمالهم, وسعادتهم في حياتهم. لم يسع زايد يوما للهيمنة, ولم يفكر يوماً بالمكيدة, ولم يحلم بالاطاحة بشركائه في الاتحاد, ولم يبخل بجهد او مال. روح الابوة لدى الشيخ زايد عكست نفسها على قادة الاتحاد الآخرين فاتسم مسلكهم بروح البنوة البرة الطيعة المحبة. لقد بادل ابناء الاتحاد زايد محبة بمحبة, ووفاء بوفاء, ووجدوا جميعا في الخيمة الاتحادية الامان والبيت الاسري السعيد المفعم بالود والحنان. وهذا هو ما أفتقدته ــ للأسف ــ كل الاشكال الوحدوية التي قامت في عالمنا العربي المعاصر فانتهت اما الى انحلال الوحدة او الى انتهاء طابعها الطوعي والحواري. تجربة الاتحاد الوحدوية لا شك انها تجربة رائدة بفضل قيم مؤسسيها والرعاية الابوية لقائدها ورائدها. ولكي يحافظ الجيل الجديد على اتحاده ومسيرته الرائعة لابد له وان ينطلق من نفس قيم الجيل المؤسس, مع اعمال ما تتطلبه الظروف المتغيرة من تطوير للقواعد والأسس التي تستجيب للمتغيرات وتتلاءم مع الانتقال من روح الابوة الى شراكة الاشقاء, ومن عمق الاخوة الى عدالة التعامل, ومن الطموح المحدود باطار الاتحاد الى الطموح في صنع مستقبل افضل في ظل اتحاد اكبر واشمل ينسجم مع عالم لا مكانة فيه للكيانات الصغيرة, مستهدين بالتجربة الاتحادية الرائدة... اتحاد الامارات العربية. ونحن في اليمن نكن ودا حقيقيا لشيخ الامة زايد بن سلطان, ولكل اشقائنا واحبائنا في اتحاد الامارات, متمنين لهم المزيد من التطور والتقدم والسعادة. استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء