بداية لابد من القول ان الامارات العربية المتحدة منذ ان نالت استقلالها وعت القيادات السياسية والاجتماعية وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حقيقة قد تكون غاية في الاهمية وهي العمل الجاد والدؤوب على ايجاد حالة من الوحدة البينية بين مجموعة الامارات, والتي كان الهدف منها تحشيد كل جهود ابناء الامارات العربية للاستحقاقات التي خلفها الاحتلال البريطاني بعد انسحابه منها والتي تمثلت بحملة من المعوقات على كل المستويات: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية والتقنية... الخ. ومن الجدير ذكره ان قادة الامارات سارعوا منذ البداية الى التأكيد على البعد العروبي الاخوي فيما بينهم رغم النكسات التي منيت بها بعض التجارب الوحدوية العربية التي سبقت تجربتهم العتيدة, ولم يقفوا على تخوم تلك التجارب ليندبوا حظوظ من سبقوهم وفشلوا باستمرارية تجربتهم بل انهم اعادوا الاعتبار للحقيقة الوحدوية من خلال تجربتهم الفتية في ذلك الزمن, ومن خلال اصرارهم الكبير وقناعتهم الراسخة بالوحدة كشرط رئيس لحماية الهوية العربية وترسيخ البعد القومي للاستقلال الناجز لهذا البلد. فقد تجاوز ابناء الامارات العربية عبر ممثليهم على المستوى السياسي والاجتماعي كل الصعوبات التي كانت قد اعترضت نهجهم الوحدوي الفتي, بعزيمة قد عزت عند الكثيرين من ابناء الامة, وبرغم التحديات التي اعترضت طريق بناء الاتحاد إلا ان هذا الاتحاد بهمة القيادة السياسية الجادة في انجاح هذه التجربة العربية الفريدة قد اثبت قدرة فائقة على الحفاظ على وحد الصف, واعطت الدليل تلو الدليل على صحة توجهاتها الوحدوية واداء دورها الطبيعي النابع من ارادة والتفاف ابناء الامارات حول هذا التوجه, وبات هذا الصرح الوحدوي يشكل صمام الامان في حياة شعب الامارات على كافة المستويات وفي ظل كل المتغيرات العربية والاقليمية والدولية. وعلى ما يبدو وهذه حقيقة واضحة لا لبس فيها, ان القيادة السياسية كانت منذ البداية جادة في الوصول الى اهدافها وغايتها السامية لبناء فاعلية اجتماعية واقتصادية ناجعة بفعل قدرتها وتصميمها على الانجاز والتراكم, ولعل ما وصلت له الامارات اليوم لهو دليل اكيد على صدق التوجهات التي املت تضافر الجهود على المستويين الرسمي والشعبي لبناء هذا الصرح الحضاري, وكل ذلك بسبب الاهداف الواضحة التي ارستها كنهج وممارسة ومطابقتها للممكن الارادي الواعي سعيا للوصول الى نتائج ايجابية ومرضية بعيدة عن اي شكل من اشكال القسر والاكراه, وبذلك حققت عبر السنوات الماضية التطابق بين الهدف والامكانيات وبهذا حددت مبدأ الواقعية السياسية كأحد الشروط الاساسية لنجاح هذه التجربة المثل, على المستوى العربي والاسلامي. ولا غرو اذا ما اعتبرنا ان هذا المبدأ الارادي الواعي هو الذي سمح بتغيير الواقع الذي كان مجزءا والانتقال الى مبدأ الاندماج الوطني بدولة اكبر حجما ووزنا وفعالية اقليمية, والذي ادت الى جملة من العمليات الاصلاحية السريعة, المتناغمة مع التوجه العام والتي ادت بدورها هي الاخرى لتعزيز التوجه التنموي ذي الفضل الاساسي في التغيير الهيكلي الذي ادى الى رفع مستوى العيش وفتح سبل الارتقاء, امام الطبقة الفقيرة ويسرت مرنة الانسياب والصعود بين فئات المجتمع الاماراتي وقاربت المنازل الاجتماعية بين المواطنين, وارساء حالة من الامن الوطني والاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي اساسه الامن الغذائي الذي تحقق بفعل سياسات تنموية رفعت من مستوى معيشة المواطن العربي في هذا البلد, حيث تشهد العديد من البلدان النامية انعكاسات سلبية للازمة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي في هذه الظروف الراهنة. وعلى هذه القاعدة فإن دولة الامارات العربية المتحدة قد اتسعت تجربتها بقدر عال من الخصوصية ليس بين دول مجلس التعاون الخليجي وحسب بل بين الدول العربية بشكل عام نتيجة حرص مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية الفاعلة والمؤثر والقادرة على اتخاذ القرار فيها على المحافظة على التجربة الاتحادية وهذا الحصر بحد ذاته قد خلق حالة كبيرة من الولاء للوطن ولعل هذا السلوك المميز والهادىء والجاد كان احد الاسباب الاساسية في عدم ظهور احزاب ومعارضات داخل الامارات العربية بعكس غالبية الدول العربية والاقليمية الاخرى وان السمة العامة المجتمعية تحظى بالتصالح فيما بين الفئات والطبقات والشرائح المكونة للمجتمع الاماراتي, وهذا كله يأتي بفضل تجسير الفجوة بين العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي والتي بدورها احدثت استراتيجية ثابتة تقوم على تجميع القوى والموارد الوطنية الاتحادية في ظل حالة من توفير المناخ السليم والضمانات التي تساعد على تحريك الموارد المادية الهادفة الى خدمة وتطوير الحياة العامة للمواطن الاماراتي, بما يتوافق مع التطور العام, ويؤمن حالة من مواكبة روح العصر والاستفادة من آخر ما توصل له العقل البشري على المستوى الكوني والامثلة اكثر من ان تحصى. وقد جاء هذا كله بفضل ضمان تطبيق مبدأ المساواة من خلال انتاج وتوزيع الخيرات الاقتصادية وتبادل المنافع فيما بين الجمهور الاتحادي بشكل عام, والذي شكل حالة من التوافق والتراضي بين الشعب والحكومة من خلال المجلس الوطني على تدعيم عملية المأسسة, ومن نافلة القول ان هذا التراضي بحد ذاته قد اكد على قبول مبدأ المساواة واقرار مبدأ المواطنة والتسليم بضرورية المساواة الاجتماعية والسياسية بين ابناء الامارات, كما يعبر هذا التراضي عن رقي حضاري ونضج سياسي وتفكير واقعي ويبرهن ايضا على حسن تقدير قيادات العمل السياسي وحسن التصرف وسمو روح المسؤولية المجتمعية لديها. وهنا لا يفوتني القول ان السلطة السياسية في الامارات العربية المتحدة منذ ان اختطت لنفسها هذا الطريق تجاوزت كل الاتهامات التي توجه الى نظم العالم الثالث بشكل عام, وخرجت عن طور النظام التسلطي أو التحكمي, وأصبحت خارجة عن منظور الغنيمة أو الفريسة, وانما أرست لها أسسا كما ينبغي ان تكون مهمة وطنية جليلة وفق خطة ونهج وسلوك قائم على العدل والمساواة, نتيجة لخبرات رئيس الدولة الطويلة المستندة الى المفاهيم والقيم الانسانية الجهرية. وهي في حقيقة الأمر شكلت في جانبها العملي التطبيقي على ارض الواقع ونهج الحكم وسياسته الثابتة ازاء الوطن والمواطن. وقد ساعد هذا السلوك العام على خلق الطبقة المتوسطة المؤثرة ايجابا داخل المجتمع والتي قلصت بشكل كبير وملحوظ من نسبة الفئات المهمشة, وتجاوزت هذه الفئات الاجتماعية خوفها وحيرتها من تلبية حاجاتها اليومية, قياسا بالبلدان العربية الاخرى, حتى ان هذا التوجه بشكل عام ساهم في التخفيف من وطأة الأزمات التي عاشتها وما زالت بعض البلدان العربية ذات الكثافة السكانية والموارد الشحيحة. ولا يخالطنا الشك ان هذه الانجازات الكبيرة التي تشهدها الامارات, جاءت نتيجة لعملية شاقة من البناء والتعب والجهد المضني والمكلف, ولعل المؤسسات التعليمية التي نشهدها اليوم هي خير دليل على الجهود المبذولة. هذه المؤسسات التي استحوذت على كل الشروط التربوية التعليمية والتقانية العصرية, بما تضمنته من مناهج, قد ساهمت بشكل كبير وفعال بعملية التنشئة العلمية والوطنية, وخلق جيل متعلم قادر على النهوض بالأعباء والصعوبات المستقبلية, والمتمثل بمواكبة التقانة المتسارعة والكبيرة جدا وبهدف القدرة على التصرف بالموارد وتجاوز حالة العجز في الاعتماد على الخبرات والمهارات الاجنبية. وقد اعتمدت سياسة تعليمية تربوية وضعت نصب أعينها وبشكل مثابر القضاء على الأمية ورفع المستوى التعليمي للمواطن الاماراتي, ضمن توجهات أساسها تحصين المواطن وتثقيف الناشئة لخلق جيل عروبي متفتح على العالم ومنخرط في حمل قضايا الأمة العربية, اضافة الى التطور المذهل في وسائل الاعلام الحكومية والأهالي ذي البعد الوطني والقومي العربي, و الذي بدوره قد أسهم في اذكاء الروح الوطنية المتفتحة في بعدها القومي ليس لأبناء الامارات العربية وحسب بل لمجموع أبناء الأمة العربية. ومن خلال اتباع هذه السياسة الحكيمة الرائدة, تجاوزت دولة الامارات واقعها الاقتصادي الذي كان منذ فترة يعتمد على القطاع أحادي الجانب, كدولة تعتمد فقط على الثروة الباطنية المتمثلة بالنفط أساسا, الى قطاعات انتاجية متنوعة المناهل والاتجاهات فطورت من القطاعات الانتاجية الاخرى مثل قطاع الصناعات الغذائية وقطاع الزراعة وتربية الثروة الحيوانية وتطويرها بالاعتماد على الأساليب المتطورة المتبعة في العالم المتحضر, والخدمات وتنمية الصناعة السياحية لتصبح احدى الدول الرائدة في هذا المجال ومحط أنظار الدول العربية الأخرى. ولتخرج من حالة الكساد التي تعاني منها الأسواق العالمية النفطية, بسبب حالة التنوع وفي قطاع الانتاج بشكل عام. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق