يثير اتحاد الامارات العربية الدهشة بين الدول العربية, والغيرة بين دول الاتحاد الاوروبي لنجاحه في وقت يعد قياسيا في لم الشمل وتجميع الكلمة والهدف للامارات السبع , لتسير داخل منظومة سياسية فيدرالية متناغمة, يكمل كل من فيها الآخر دون تنافر او صراع. وما كان لهذه المنظومة الفريدة ان تتم دون وجود مؤسس وراع لها, يتسم بصفات فريدة نجح في تذويب الخلافات والفوارق, وصهر الآمال في المستقبل في بوتقة واحدة, هدفها بناء الانسان الاماراتي ورقيه, والتعايش في سلام وامان داخلي, وفي علاقات تتسم بالسلام وحسن الجوار مع الدول المحيطة به, وعلاقات تتسم بالتوازن مع دول العالم الخارجي, ولقد نجح صاحب السمو الشيخ زايد بما حباه الله من حكمة سياسية وخبرة وحنكة في تسيير القافلة بكل مافيها, دون ان توقف تلك المسيرة اية تعرجات, وهو الامر الذي تثور حوله تساؤلات الغرب عن اسرار تلك القدرة السياسية الفريدة. وللتعرف على تفسيرات الغرب لنجاح سياسة الشيخ زايد كان لـ (المف) هذا الحوار مع ميخائيل بيكر الخبير في شؤون الخليج العربي بمعهد ابحاث الشرق الاوسط بامستردام Middle East Research Associates Mera . * ما الذي تتميز به سياسة الامارات العربية المتحدة في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ زايد عن غيرها من بلدان العالم, خاصة التي تتشابه مع الطبيعة السياسية للامارات؟ ــ لعل أهم ما يميز الامارات العربية المتحدة عن بقية دول الخليج سواء كانت كبيرة أم صغيرة هو التوازن السياسي الذي تتمتع به, ذلك الذي تمكن رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ زايد من خلال شخصيته المتوازنة الحكيمة في غرس جذوره, وان نسيج الدولة الفيدرالي لا يعتبر فريدا من نوعه فقط في المنطقة العربية, بل هو فريد من نوعه في العالم, فكما تعلم اننا في اوروبا من اجل ان نصل للاتحاد الأوروبي قطعنا شوطا يناهز نصف القرن, وحتى الآن لا تزال توجد خلافات جوهرية بين دول الاتحاد تطل بين حين وآخر برأسها لتهدد مسيرة الاتحاد الى الامام, والذي يوجد فيه الآن 15 رئيس حكومة وملكا وزعيما فما بالك والشيخ زايد بمفرده منذ البداية قد لعب دور المحرك لتوحيد الامارات في كيان واحد, وحتى الآن يقوم بدور الأب الروحي؟ وقد استطاع الشيخ زايد توزيع الأدوار لكل امارة, وضمن لها ليس فقط بأسلوب الاقناع المشهود له, بل تعدى ذلك لتوصيل القناعات الى المسؤولين بالامارات في ان يقوم كل منهم بدوره عن رضا, فنجد مثلاً ان امارة أبوظبي لها دور اقتصادي يتسم بقوة الدفع في حين ان دبي اصبحت ملتقى ومركزا للتجارة, ليس فقط لشقيقاتها من الامارات الأخرى, بل للعالم الخارجي, وأصبحت بمثابة بوابة التجارة الى آسيا, ويحضرني هنا التأكيد على ان تواضع الشيخ زايد وكون مشاعر الأبوة والاخوة هي جزء من شخصيته لهي سمات تجعل اي طرف يقتنع ويستمع للشيخ زايد, والسر هنا ان ما يميز الشيخ زايد عن غيره من معظم حكام العالم اجمع انه ليس له مطلب أو مطامع شخصية, لكن له مطامح عامة من اجل الامارات, يرعى فيها مصلحة الدولة من مركزية ينطلق منها للأمن الوقائي السياسي وعلاقة الامارات بالدول الكبرى في الخليج العربي, والدول العربية في افريقيا, وكذلك منطقة المغرب العربي. حكمة العطاء * في تصوركم ما هي أسرار تأثير شخصية صاحب السمو الشيخ زايد في منهج السياسة بالامارات؟ ــ أرى ان أسرار هذه الشخصية تكمن في المقام الأول في ان حكمة صاحب السمو الشيخ زايد في العطاء تواكبها دائما مصلحة في المستقبل ولا تغفل الحاضر, اضافة لقدرته في عدم تجاهل جذور الماضي التي ينقى منها دائما الشوائب, لذلك فليس بغريب ــ وهو ما لا يقف عنده كثير من دول العالم ــ ان صاحب السمو الشيخ زايد وسيط من النوع الذي يتسم بالنقاء, ويتمكن من المساعدة على حل المشاكل بين الاطراف المتنازعة, وفي الوقت نفسه يشعر كل من يجلس اليه دائما ان هذا الآخر هو صاحب القرار, بجانب ملكة الصبر والاتزان لديه, فهو لا يؤيد تفجر المواقف, ولنا على سبيل المثال أسوة في تعامله مع ملف الجزر الثلاث, فلم يحدث أبدا ان وصلت الامارات الى حد الصدام مع جارتها الكبرى ايران, وبهذا بقيت الامارات العربية المتحدة على مر هذه العقود محل تقدير وثقة واحترام حتى من الدول التي توجد بينها وبين الامارات خلافات ما. * بماذا اتسم دور الامارات العربية في اقامة وترسيخ التعاون الخليجي؟ ــ الحقيقة اننا نجد ان الامارات العربية لها دور متميز في تنشيط وتوسيع العلاقات في منطقة الخليج العربي بهدوء وخطوات محسوبة, اضافة لتكثيف التعاون الاقتصادي, والذي ترعى فيه دولة الامارات دائما ان المصالح لا يمكن ان تكون من جانب واحد من حساب الجانب الآخر, ولا يمكن ترجيح كفة ضد اخرى. ويجب ان نعترف ان سياسة صاحب السمو الشيخ زايد الداخلية لها انعكاساتها على دول الخليج العربي من حيث الأمن والسلام والاستقرار, فلو لم يكن صاحب السمو الشيخ زايد على قدر عال من الفطنة وتنفيذ حكم الشورى بالفعل اعتمادا على ما تتضمنه كلمة الشورى من معان, ما تمكن من جعل النظام السياسي للامارات العربية المتحدة نظاما مستقرا, فأذكر ان الامارات تتبع الشريعة الاسلامية دون استعداء أي طرف سواء كان داخليا أو خارجيا, وسواء كان فردا أو دولة أو منظمة, وفي اتباعها للشريعة الاسلامية لا نلمح سمات التطرف. أخطر الملفات * الى أي مدى نجحت سياسة الامارات في تدعيم وبناء الانسان بها؟ ــ ملف بناء الانسان يعتبر من أصعب وأخطر الملفات في المعمورة الآن, ولقد وجدنا في الامارات العربية المتحدة منذ نهاية السبعينات ان تدفق البترول والثراء الذي عم البلاد قد استخدم استخداما سليما في قنوات شرعية, وتميز تطويع هذا الثراء عن غيره من حالات الثراء التي ظهرت على بلدان اخرى بتوجيهه الى بناء الانسان الاماراتي والرقي به في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والصحية والثقافية. فقد توسعت رقعة التعليم, وتم الاهتمام بتعليم المرأة التي وصلت للجامعة, وتوجهت في خطى متوازنة لم تجهض علاقة الرجل بالمرأة ولم تغلب جنسا على آخر, وشعور المواطن الاماراتي بالانعكاسات الايجابية التي حظي بها كنتيجة لثراء بلاده كانت بمثابة الضمان الذي يجعل المواطن في الامارات العربية المتحدة امامه ضوء ونتيجة مسقبلية لبلاده, اذن فلماذا لا يكون هناك استقرار متميز في الامارات وقد عني رئيسها ببناء الانسان وتطويره. * وكيف ترى مساهمة الامارات العربية في دعم السلام وتقديم المساعدات الدولية؟ ــ من المدهش ان سياسة الامارات قد اعطت قوة دفع لعملية السلام وبصورة قوية وساهمت بالمال في الوقت الذي حافظت على علاقات تأخ قوية ومتينة, علاقتها العربية خاصة التضامن العربي, وصاحب السمو الشيخ زايد هو اول زعيم عربي يدعو للمصالحة العربية بعد حرب الخليج, ويدعو للوقوف العربي صفا واحدا لحل قضية السلام, ورغم ذلك نجح في الا يثير غضب اي طرف. وطالما تطرقت إلى ملف الدعم المالي, فلعلكم في المنطقة العربية على معرفة بالأيادي البيضاء لصاحب السمو الشيخ زايد التي امتدت للدول العربية في مشروعات موجهة لتنمية الانسان العربي في كافة المجالات, من مشروعات تنموية واسكان ورعاية صحية وتعليمية .. الخ, وهناك صندوق ابوظبي للانماء الاقتصادي العربي الذي يرعى العديد من المشروعات داخل البلدان العربية ويقوم بتمويلها بما في ذلك المشروعات الاستثمارية والزراعية والسياحية, ولم تقتصر مساعدات الشيخ زايد على المنطقة العربية فحسب, بل تجاوزت حدود المنطقة إلى المجتمع الدولي, وكان ابلغ دليل هو تلك المخيمات التي اقامتها الامارات العربية المتحدة للاجئين في كوسوفو, والتي شهدت لها الامم المتحدة انها كانت ارقى مخيمات دولية قدمت كافة المساعدات الانسانية والطبية للاجئين المنكوبين. ومثل هذه الاعمال تتحدث عن نفسها وقد لا اجد كلمات اعبر بها لوصف مسيرة الامارات العربية المتحدة تحت قيادة صاحب السمو الشيخ زايد, الذي يحيطه رجالات دولة, احسن اختيارهم, واحسنوا الاستماع اليه والاستفادة بخبرته المتميزة, فتسير قافلة الامارات العربية متوازنة مستقرة لا تهددها متغيرات أو امواج مهما كانت عاتية. اجرى الحوار: سعيد السبكي