يؤمن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالوحدة والتضامن, ايمانا عميقا, بل ان تاريخ سموه يؤكد ان شغله الشاغل كان ولايزال ينصب على رأب الصدع في الصف العربي . قال صاحب السمو لدى استقباله لعدد من السفراء العرب بتاريخ 16 اكتوبر 1995: (ان روسيا واوروبا وامريكا دخلت في مواجهات وحروب ثم اصبح لديها تعاون وتآزر, فلماذا نحن العرب لا نكون مثلهم؟ لماذا لا نحاول ان نطوي صفحة الماضي, وان نتعاون مع بعضنا البعض من جديد. وصاحب السمو الشيخ زايد هو رجل افعال بقدر ما هو رجل اقوال, فهو يرحب دون اي تردد بكل مبادرة لاي عمل عربي مشترك. وكان انشاء صندوق ابوظبي للتنمية في عام 1971 ترجمة عملية لصدق الكلمة التي ينطق بها سموه في مجال توجيه الثروة لصالح الامة العربية والاسلامية, حيث يقدم الصندوق القروض والمساعدات للدول النامية الشقيقة والصديقة. وقد تفرد صاحب السمو الشيخ زايد على المستوى العربي, في الدعوة لانهاء معاناة الشعب العراقي الشقيق, شرط اعادة الحقوق لاصحابها, وبعد ان يقوم العراق بتطبيق قرارات مجلس الامن الدولي. وقال سموه في احد تصريحاته الشهيرة: (ان رفع الحصار عن الشعب العراقي قد اصبح يشكل ضرورة, ان رجلا واحدا قد اخطأ, ويدفع ثمن خطئه الآن اكثر من 18 مليون عراقي يتعرضون للمجاعة والحاجة... والعربي الذي يقبل بهذا تكون العروبة بريئة منه, وكذلك الانسانية) . ملسمات العروبة ومما لاشك فيه, ان ايمان صاحب السمو بالعروبة, والتضامن العربي اصبح من المسلمات, ودعواته للتسامح, واعادة الروح الى التضامن, يتطلب حل كل الخلافات العربية, وان هذا الحل لا يمكن ان يتم الامن خلال الطرق والعلاقات الاخوية. ويدعو صاحب السمو الشيخ زايد الى مصالحة عربية شاملة منذ عدة سنوات, وقد اعلن اثناء زيارته الى دمشق في منتصف شهر اغسطس 1995 باننا لا نتطلع الى مرحلة تتجاوز فيها الامة العربية آثار ازمة الخليج, بل لتضامن امضى سلاح لمواجهة الاخطار, ولا يتحقق الا بالاحترام والثقة المتبادلة) . واكد ان مسألة المصالحة العربية امر في غاية الاهمية لانه بدونها لا يمكن الوصول حتى الى الحد الادنى من التعاون, واذا ما استمر التمزق العربي فلن يربح احد, ولن يقف العالم الاسلامي الى جانب العرب, ولن يدعم قضاياهم. ان سمو الشيخ زايد يدرك ادراكاً عميقاً ما تجده الفرقة والشتات من ويلات على الامة العربية, لذا نراه يحمل لواء الدعوة الى المصالحة العربية دون كلل او ملل, بل هو مثابر ودؤوب الى درجة تبعث على الاعجاب. فهو يحث على تنقية الاجواء العربية والمصالحة العربية الشاملة, والعمل من اجل تحقيقها بهدف اعطاء دفعة قوية للموقف العربي تكفل الامن والاستقرار للامة العربية. ويرى سموه ان الاستمرار في حالة الشتات والفرقة خسارة كبيرة, وليس فيها خير وصالح الامة ويؤكد قائلاً: (نؤمن بان المصير العربي مصير واحد, ويجب ان نسعى لاقامة علاقات عربية سليمة تقوم على اساس الوضوح والثقة المتبادلة, والنوايا الطيبة, والصراحة التامة بين القادة العرب) . والسؤال: لماذا هذا الالحاح من صاحب السمو على التضامن العربي والمصالحة العربية الشاملة؟ ويأتي الجواب واضحا من سموه: (ان عودة التضامن العربي, وتوحيد صفوف العرب هام وضروري ليتمكن العرب من مواجهة التحديات التي تتكاثر من حولهم) . لذا نرى بان الهاجس الكبير لصاحب السمو الشيخ زايد هو تحقيق التضامن العربي والاسلامي. ولهذه الاسباب نرى ان السياسة الخارجية لدولة الامارات هي ترجمة أمينة لتطلعات سموه, فهي سياسة متوازنة ومنفتحة عربيا ودوليا, تنصر الحق لاسيما العربي وتدعم القضايا الانسانية العادلة. وتقوم على الرغبة في التعاون مع جميع دول العالم على اساس مبادىء حسن الجوار والاحترام المتبادل, وعدم التدخل في الشؤون الداخلية, وذلك انطلاقا من دستور الامارات, ومن واقع انتمائها العربي, وعضويتها في جامعة الدول العربية, ومن كونها عضو في هيئة الامم المتحدة. سياسة متوازنة وتنتهج دولة الامارات سياسة متوازنة وحكيمة تعكس الرؤية المستقبلية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد لمجريات الاحداث في عالم متغير, وتحرص على البعد عن المحاور, وبؤر الصراع لتساهم في (تطويعها وحلها) . ونهجت دولة الامارات منذ قيامها في الثاني من ديسمبر عام 1971 سياسة تقوم على الانفتاح في ثلاثة مجالات, اولها واكثرها رحابة المجال الخليجي والعربي, وثانيها المجال الاسلامي, وثالثها الانفتاح على العالم كله. ومن اولويات ومرتكزات السياسة الخارجية لدولة الامارات توطيد وترسيخ علاقات الاخوة والصداقة مع شقيقاتها من دول الخليج العربي. وفي هذا المجال تؤمن دولة الامارات بان مجلس التعاون هو الدعامة الاساسية لتأمين القوة الذاتية لدول المنطقة وهو (قوة وسند للامة العربية والاسلامية) . يقول سموه: (اننا ننظر الى مجلس التعاون على انه مكسب ثمين وكيان له وزنه في العالم, وانه زاد من رصيد الامة العربية, وان تعاوننا امر يدعو الى الفخر والاعتزاز وصولا الى الهدف المنشود, وهو خليج موحد قولا وفعلا) ... وانطلاقا من هذه الرؤية الواضحة, بدأ صاحب السمو بحسه وتوجهه الوحدوي تحركاً دبلوماسيا واسعا, بعد قيام اتحاد دولة الامارات العربية للتشاور مع اخوانه قادة دول الخليج العربية بهدف تقوية التآزر والتنسيق والتعاون بين دول المنطقة, حتى اثمرت هذه الاتصالات والجهود المخلصة عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية من ابوظبي عاصمة دولة الامارات في الخامس والعشرين من مايو عام 1981, ليعكس العلاقات الاخوية الوطيدة التي كانت قائمة اصلا بين شعوب ودول الخليج العربي, ويجسد واقع الذات الحضاري المشترك, ووحدة الهدف والمصير. ومن الطبيعي ان يأتي هدف تحقيق التضامن العربي في مقدمة مرتكزات السياسة الخارجية لدولة الامارات. فسمو الشيخ زايد يؤكد: (من الضروري ان يكون هناك ايمان بالموقف الواحد للامة العربية, وعلى القادة العرب ان يعملوا بيد واحدة وان يكونوا على قلب واحد, اذا كانوا يريدون التضامن والخير والعزة للامة العربية) ومع بدء انطلاق عملية السلام في الشرق الاوسط اكدت الامارات على الحق العربي الشامل القائم على قرارات الشرعية الدولية 242 - 338 - 425, ومبدأ الارض مقابل السلام. ان المبادرات الخيرة المتلاحقة لصاحب السمو الشيخ زايد, ودعواته المخلصة الى تحقيق التضامن العربي والاسلامي تشكل سمة بارزة من سمات نهج السياسة الخارجية للامارات, مما جعل سموه بحق رائدا قوميا في الدعوة الى التسامح والمصالحة العربية. ويؤكد سموه: (ان قوة العرب في تضامنهم, ويجب ان يتحقق هذا, لان المتغيرات في العالم متلاحقة. واذا لم يساعد العرب انفسهم, فلن يساعدهم احد في المجتمع الدولي. واكد سموه ايضا: (ان الامة العربية لن يكون لها وزن, ولا صوت مسموع بدون التكاتف والتآزر, وطرح الخلافات جانبا والتغاضي عن الخطأ, وذلك لاستعادة ما فقدته الامة العربية من مصالحها وعزتها. ويؤكد سمو الشيخ زايد ايضا وايضاً: (نحن في الامة العربية لا ينقصنا شيء... ينقصنا فقط الموقف الواحد, والترابط مع بعضنا بعضا, ومساندة الاشقاء, الصغير قبل الكبير, هذا هو العلاج للواقع المؤلم الراهن, نريد تعاونا, وعلاقات قائمة على الاخوة والنوايا الحسنة والمنطق المبني على التراحم والتسامح) . نموذج يحتذى وتجسد هذه المبادرات الخيرة لصاحب السمو رئيس الدولة ودعواته المتكررة الى التضامن العربي, يقينا راسخا بان الانقسام الذي تعاني منه الامة العربية ما هو الا مرض عابر لابد ان تشفى منه. وتساءل صاحب السمو في كلمته في الجلسة الافتتاحية لندوة (مستقبل الوطن العربي ودور الجامعة العربية) في 2 نوفمبر 1997: (كيف سنواجه عالم الغد ونحن مبعثرون تتهددنا الازمات والانقسامات والخلافات في نظام عالمي لا مكان فيه للكيانات الصغيرة مهما اوتيت من عوامل القوة والثروة؟) ... واكد سموه: (ان تفرقنا وانقسامنا مصدر قوة للخصم المعتدي والغاصب الذي لازال يعبث بمقدساتنا الاسلامية في ارض الاسراء والمعراج, ويدوس على كرامة ابنائنا في الارض المحتلة غير عابىء بالمواثيق والقرارات الدولية, متنصلاً مما التزم به تجاه عملية السلام في الشرق الاوسط, وممعنا في سياسة فرض الامر الواقع في الارض العربية المحتلة) . وما يمكن ان يقال اخيرا في هذه المناسبة ان تجربة دولة الامارات العربية المتحدة هي تجربة رائدة قائمة ومستمرة منذ عام 1971, وقد حمل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان منذ ان تبوأ مقاليد الحكم في امارة ابوظبي في 6 اغسطس 1966 على عاتقه النهوض بمسؤوليات بناء القواعد الصلبة التي ارتفع فوقها صرح الامارة اولا, والوطن الاكبر ثانيا, فسعى لتوفير الحياة الكريمة للمواطنين واعلاء شأن الامارات التي لعبت بعد عامين من ذلك التاريخ اهم الادوار في قيام دولة الامارات العربية المتحدة. كاتب وصحفي سوري