بدأت وزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط المغربية في الاعداد لبرنامج وخطط عمل عاجلة للتنمية البشرية ومحاربة الفقر على أساس التوجهات التي تضمنها اول خطاب للعاهل المغربي الجديد الملك محمد السادس الذي ألقاه الجمعة الماضية, وعرض فيه لالتزامات الدولة المغربية على صعيد تكريس التضامن والتخفيف من أعباء الفقر واعطاء الاولوية للملفات الاجتماعية والاقتصادية باعتبار ان المشاكل الاساسية التي تعانيها البلاد ذات طابع اقتصادي واجتماعي. ويتوخى البرنامج الذي سينفذ بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الانمائي الخاص بالتنمية البشرية المستديمة ومكافحة الفقر, ادماج الجهود والضمانات الوطنية في هذا المجال, فيما تتمثل اهدافه الرئيسية في الوصول الى استراتيجية متكاملة للقضاء على الفوارق الاجتماعية, انطلاقا من تحديد نوعية الفقر ودرجته واسبابه العميقة في الاوساط القروية, والحاجيات الأولية للسكان الفقراء. واعلنت وزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط عن الشروع في تفعيل البرامج المدمجة للتنمية الجماعية ومكافحة الفقر في اربعة اقاليم, هي شيشاوة, الحوز, شفشاون, الصويرة التي تحظى بالاسبقية من اجل استخلاص نماذج العمل الملائم لتعميمها على اقاليم اخرى, اضافة الى دعم التعبئة الاجتماعية, ونظام التشارك بين الادارة والمجتمع المدني, وتوفير الارضية الملائمة لذلك, وكذلك مساندة (برنامج الاولويات الاجتماعية) الذي تنفذه عدد من الجمعيات المعنية وصيانة المكتسبات والمبادرات المحلية في هذا الاتجاه. واضافت ان البرنامج المقترح تمحور حول مقاربات جذرية موجهة ولا مركزية في آن واحد لمسألة التنمية ترتكز على تشخيص الوضعية للخروج بتصورات عملية وطموحة, يخضع تطبيقها لنظام اولويات العمل الحكومي, في ظل اطار يسمح بتنسيق المبادرات والمشاريع التنموية وضمان تنفيذها. وتتمثل خصوصيات هذا البرنامج في حصر الجهود والوسائل التعبوية على اوسع نطاق, خاصة في الجماعات (البلديات) القروية, حيث ستستفيد الاقاليم الاربعة المذكورة من مجموعة اربعة عشر إقليميا مستهدفا, وقد تم انتقاء هذه الاقاليم طبقا لمنهجية تصنيف تقوم على جملة من المعايير والمؤشرات الموضوعية, حيث كانت هذه الاقاليم الاربعة قد خضعت لدراسة ميدانية من اجل تحديد اسباب نوعية الفقر وظروف المعيشة (السكن على الخصوص), وحاجيات السكان الاساسية في الوسط القروي, بهدف توفير وتنفيذ عدد من الانشطة في هذا المجال يتم تمويلها بوسائل عملية او عن طريق المساندة والدعم الحكوميين, مع ايلاء اهمية خاصة لوضعية المرأة وادماجها في مسلسل التنمية, فضلا عن نشر الثقافة التعبوية, ومشاركة السكان في المتابعة والتنفيذ سواء بالنسبة للتخفيض الفعلي لنسبة الفقر, أو في مجال المحافظة على البيئة. وقد اسفرت عملية جمع المعلومات الميدانية وتحليلها عن وضع تصورات وخطط العمل الرامية الى تفعيل سياسة تطوير النمو الاقتصادي والعمل المنتج وأنواع الانشطة الجديدة المنمية للدخل وللقدرة الشرائية, اضافة الى تطوير بنيات عدد من القطاعات والمقاولات الصغيرة المولدة لفرص العمل, وذلك في اطار شراكة تشمل الفاعلين المعنيين (جماعات محلية, قطاعات وزارية, سلطات عمومية), طبقا لخطوات تضمن انجاز المشاريع والقيام ببعض الانشطة الخاصة بالمجموعات المستهدفة مثل النساء والشباب العاطل, بغية ادماجهم المستديم في مسلسل التنمية. واوضحت الوزارة انها ستعهد للجان خاصة في الاقاليم بمهام انجاز مختلف الانشطة المقررة والمتمحورة اساسا حول دعم امكانات الابتكار والتدبير ومتابعة المشاريع, وتكوين المؤطرين, ودعم الجمعيات غير الحكومية, لاسيما المتخصصة منها في تقديم القروض الصغرى لتوفير التمويل اللازم للانشطة المدرة للدخل, وتشجيع العمل المستقل وحيازة الارض والبنيات التحتية وغيرها من موارد الانتاج الموجهة لفائدة الفئات المحتاجة. ولهذا الغرض سيتم انجاز دراسات ميدانية في اقاليم الحسيمة, الحوز, ازيلال, شفشاون, شيشاوة, قلعة السراغنة, الصويرة, ورزازات, آسفي, سيدي قاسم, تارودانت, تازة وتزنيت لتحديد خاصيات نموها الديموجرافي. وتجدر الاشارة الى انه كان قد تم الشروع في عملية تحليل وتقويم مشروعي استراتيجية وخطة عمل وطنيتين تتضمان اهدافا محددة في مجال مكافحة الفقر في المغرب منذ مايو 1997, وذلك طبقا لخطة عمل قمة كوبنهاجن العالمية للتنمية الاجتماعية, حيث اكدت النتائج ان رهانات الاقتصاد المغربي الاساسية تكمن في قدرة النسيج الانتاجي على المنافسة داخل الاسواق المحلية والدولية ضمن منظومة اجتماعية تؤمن شروط الملائمة والتحمل, وتوفر آليات التلاحم والتضامن النشيط, اذ يعد التأهيل التنافسي للنظام الانتاجي, وامتصاص العجز الاجتماعي, وملاءمة النظام الضريبي, وجلب الاستثمارات الخارجية المباشرة من الأوراش الكبرى الناجمة عن انفتاح المجتمع والاقتصاد المغربي على رياح العولمة والجهوية, بمقتضى اتفاقيات مراكش التي أحدثت بموجبها (المنظمة العالمية للتجارة) واتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي, كمصدر للتنمية المستديمة. ووفقا لتلك النتائج, فان النمو المتواضع للاقتصاد المغربي على المدى الطويل (4%) ادى الى ارتفاع متزايد لمعدل بطالة السكان النشيطين, وتراجع مضمون التشغيل في النمو الاقتصادي منذ 1982 بمعدل 3.2% ورغم التطور الايجابي للحد الادنى للاجور المهنية بالمقارنة مع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة فانها لم تستفد من ثمار النمو بالشكل الذي استفاده رأس المال, فلم تتقلص فوارق مستوى العيش بين الفئات الاجتماعية الاكثر يسرا والأكثر فقرا, بل اتسعت الفجوة بين الفئات الاجتماعية في الوسطين الحضري والقروي. وشهد مستهل عقد الثمانينات اصلاحات اقتصادية مهمة توخت ارساء التوازنات الخارجية والداخلية ودعم النمو الاقتصادي عبر تنمية الصادرات. وقد مكنت الاصلاحات المطبقة في اطار برنامج التقويم الهيكلي, والمدعمة بمعاهدات اعادة جدولة الدين الخارجي, من تحديث وتبسيط النظام الضريبي, وازالة القيود التنظيمية عن القطاع المالي, وتحرير اغلب الاسعار وتحسين تدبير المقاولات العمومية, مما منح الدرهم المغربي قابلية التحويل بالنسبة للمعاملات الجارية اعتبارا من عام 1993. واستشرفت موجة الاصلاحات الهيكلية الثانية تأهيل الاقتصاد المغربي لاقامة منطقة للتبادل التجاري الحر بين المغرب والاتحاد الاوروبي في افق عام 2010. وتوجت عملية انعاش الاستثمار بميثاق الاستثمار عام 1996, وقانون 1997 الخاص بتشجيع تمويل المقاولات الصغرى, اضافة الى انشاء مناطق صناعية جديدة شمالي البلاد. وتمحور اصلاح القطاع المالي حول التعبئة المتزايدة للادخار الوطني, وتمويل المقاولات, وتمكين الخزينة العامة من الاستفادة من الادخار, وفي اثناء ذلك تم تحديث بورصة الدار البيضاء, واصلاح الصندوق المركزي للضمان والتحكم في عجز الميزانية العامة. كما تم توطيد الاصلاحات قانونيا من خلال قانون المحاكم التجارية, واعتماد القانون التجاري وقانون الشركات, الى جانب الانشغال بمشاريع قوانين المنافسة والعمل. وكان القطاع الخاص محركا أساسيا للنمو الاقتصادي والاسراع بتنفيذ برنامج الخصخصة, ودخول قطاعات التجهيزات الأساسية مجال المنافسة بعد تخلي الدولة عن الانشطة الانتاجية لفائدة القطاع, واقتصار دورها على انجاز التجهيزات الخدماتية الأساسية الضرورية للتنمية البشرية. نتائج مشجعة ورغم الظروف المناخية الصعبة الممثلة بالجفاف الذي ضرب البلاد خلال العقد الحالي, وصل معدل النمو الاقتصادي السنوي الى 4.3% خلال فترة 1983 ــ ,1996 وتقلص التضخم من 5.10% الى 3% عام ,1996 اضافة الى ارتفاع الاحتياطي من العملة الصعبة وتراجع عجز ميزان الاداءات. وسمحت سياسة الاستقرار الماكرواقتصادية بتخفيض مؤشر الديون الطويل المدى (أكثر من 20 سنة) من 118% عام 1985 الى 58% عام ,1996 مما يبرز جدوى الاصلاحات المطبقة اقتصاديا واجتماعيا. واستنادا الى تقارير رسمية, فقد اتسم الوضع الاجتماعي في المغرب بانخفاض الولادات والوفيات في ظل تفاوتات قوية بين الوسطين الحضري والقروي وبين الجنسين والفئات الاجتماعية, فقد بلغ معدل التكاثر الديموغرافي 06.2% بين 1982 و1994 مقابل 6.2% ما بين 1972 و,1982 في حين بلغ متوسط العمر المتوقع عند الميلاد 69 عاما في 1995. وساهم تمديد فترة العزوبة وبرامج تنظيم الأسرة في تدني مستويات الخصوبة, إذ بلغ الرقم القياسي التركيبي للخصوبة 28.3 أطفال لكل امرأة في 1994 (25.4 في الوسط الحضري), وساهمت الهجرة القروية بنسبة 41% في الحركة الداخلية للسكان, وطغت ظاهرة هجرة النساء داخليا نتيجة الطلب المتنامي لليد العاملة النسوية في الوسط الحضري, وايضا في اطار التجمع العائلي, وأغلب السكان النشيطين من الذكور (50% للرجال و13% للنساء) ضمن منظمة التشغيل المأجور. وتتمثل فئات السكان النشيطين الاقل عرضة للبطالة في الذين لا يتوفرون على شهادات, وحاملي الشهادات العليا, بينما يساهم أصحاب الشهادات الأخرى بنسبة 62% من البطالة الحضرية. والى جانب ذلك, شرع المغرب في تطبيق مسلسل للاصلاحات المؤسساتية والقانونية في ظل ثقافة الحوار والتشاور, تمثلت في تقوية مؤسسات السلطات التشريعية (مجلس النواب ومجلس المستشارين), واستحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي, والمجلس الاستشاري لحقوق الانسان, والمجلس الوطني للشباب والمستقبل, بروز أطراف اقتصادية واجتماعية جديدة مثل الجماعات المحلية, القطاع الخاص, المجتمع المدني, الحركة الجمعوية, المنظمات المهنية, فضلا عن تفويض الكفاءات والوسائل والصلاحيات للجماعات المحلية (البلدية), خاصة على الصعيد الجهوي ضمن مسلسل اللامركزية, وقد تجسد هذا التطور في اتساع الحريات العامة وترسيخ دولة القانون. وترى وزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط ان التطور لايزال بطيئا نسبيا على مستوى الاجراءات والسلوكيات مما يدعو الى مضاعفة جهود تحديد سير المؤسسات وتحسين أداء الافراد ضمانا لتنمية بشرية مستديمة. وأوضحت انه تم رصد 6.41% من الميزانية العامة لبرامج التنمية البشرية يحتمل نصيب التربية والتكوين والصدارة بنسبة 76% من اجمالي النفقات الاجتماعية من 7 الى 8% من الناتج الداخلي الاجمالي, وهكذا ارتفعت ميزانية التربية بوتيرة سريعة وصلت الى 15% بين 1981 و,1997 وتضاعفت نفقات الموظفين بــ 5.4% خلال الفترة نفسها, حيث استفاد قطاع التربية من 50% من الوظائف المستحدثة ضمن الوظيفة العمومية. وأشارت الى ان المخصصات المرصودة لبرنامج التأهيل المهني ناهزت 1042 مليون درهم (110 ملايين دولار أمريكي), يتحمل المشغلون نسبة 55% من تمويله, فيما تساهم الدولة بـ 25%, وتقدم الــ 15% الباقية على شكل هبات من التعاون الدولي. ويتميز جهاز (مكتب التكوين المهني وانعاش الشغل) بتعدد فروعه التخصصية (165 فرعا) واعداد المتدربين المتزايد (50 ألفا كل عام), واعتماد استراتيجية التكوين فيه على شراكة حقيقية مع الاوساط المهنية ترتكز على الطلب أكثر من العرض. وسجلت الوزارة تنامي الاختلالات القائمة بين عرض وطلب العلاج في نظام الصحة العمومية الاستشفائية التي وصلت ميزانيتها الى 3620 مليون درهم (380 مليون دولار) خلال العام الماضي, إذ لا تتجاوز 1% من الناتج الداخلي الاجمالي, كما أشارت الى ان نظام دعم أسعار المواد الاستهلاكية وأعمال التعاون الوطني المعمول به لم يضمن بعد تعويض المساعدة الخارجية, حيث تتمثل اعانة الدولة بـ1ـ 3200 مليون درهم (ميزانية 78/1998) أي حوالي 1% من الناتج الداخلي الاجمالي, الا ان الوزارة اعتبرت مستوى النفقات العمومية المخصصة للتنمية البشرية مقبولة جدا خاصة في ضوء سياسة ترشيدية للتحديد الأمثل للمستهدفين المحتاجين من فئات ومناطق. وعلى هذا الأساس, يعطي البرنامج المقترح للوزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط لمجالات التربية والصحة الاساسيتين والانعاش الوطني وتقويم التوزيع الجغرافي غير المتوازن خاصة وان 70% من السكان المحتاجين يتمركزون في الوسط القروي. ويرمي البرنامج الى تحسين الولوج ومعدلات الاستبقاء في اقسام دراسية ذات مستويات متعددة, ومحاربة الأمية بين الكبار, اضافة الى تزويد 31 الف قرية يقيم فيها 11 مليون شخص بالماء الصالح للشرب, واستصلاح 11.200 كيلومترا من الطرق القروية, وكهربة مليون ونصف مليون منزل لفائدة 9 ملايين نسمة, فضلا عن مواصلة تنفيذ برامج تنمية واستصلاح أقاليم الشمال التي كانت قد أعطيت الأولوية منذ 1996 عندما شنت السلطات المغربية أوسع حملة لمحاربة التهريب والاتجار بالمخدرات في تلك المنطقة. ورغم ان وزارة التنمية الاجتماعية والتضامن والعمل حددت نسبة الفقر في المغرب بين 13 و15% , الا ان أبحاثا منشورة بهذا الخصوص تدفع الرقم الى 47%, ومهما يكن من أمر فإن هذه الآفة كانت على الدوام عائقا بارزا وأساسيا يحول دون تحقيق التنمية الشاملة والعيش الكريم وتكريس السلم الاجتماعي في بلد يصل عدد سكانه الى حوالي 30 مليون نسمة. ويرى الخبراء المغاربة ان خطاب الملك محمد السادس يشكل مرجعية مؤسساتية لتفكيك بنيات الفقر في المغرب والقضاء على أسبابه ولو على مراحل, سيما وانه أعلن في خطاب العرش عن استحداث (مؤسسة محمد الخامس للتضامن) التي ستكون ضمانة كافية لينخرط المواطنون في الجهود المبذولة في هذا المجال, سواء على صعيد ترسيخ ثقافة التضامن أو على مستوى رصد المعطيات الخاصة بالظاهرة. الرباط ــ رضا الأعرجي