فيما تردد ان الحكومة تلقت عددا من برقيات الاحتجاج من مواطنين ومنظمات عاملة في مجال حقوق الانسان في الولايات المتحدة وكندا واستراليا وجنوب افريقا , اصدرت المحكمة الدستورية برئاسة جلال علي لطفي رئيس المحكمة وعضوية ستة قضاة آخرين, حكما بنقض أمر احالة تسعة عشر شخصا للمحاكمة امام محكمة ميدانية عسكرية لاتهامهم في الاشتراك في قضية التفجيرات التي شهدتها الخرطوم ليلة الثلاثين من يونيو العام الماضي. وقررت المحكمة احالة اوراق القضية لنائب رئيس هيئة الاركان بادارة القوات المسلحة لتقديم المتهمين امام المحكمة العسكرية العادية, ورفضت المحكمة الطلب المقدم من المتهمين لاطلاق سراحهم. بدأت محاكمة المتهمين في اكتوبر الماضي واستمرت حتى وصلت مرحلة الدفاع, اذ تقدمت هيئة الدفاع برئاسة أبيل الير بدعوى دستورية بسبب ان المدعين لا ينتمون الى القوات المسلحة بل مدنيين بما يعد انتهاكا للدستور الذي ينص على حق كل مواطن في محاكمة عادلة وناجزة. وفي تعليق لـ (البيان) قال علي محمود حسنين المحامي والقيادي البارز في الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض, ان المحاكم العسكرية ليست الجهة المختصة لمحاكمة مدنيين امامها, حتى ولو كانت التهم الموجهة اليهم تتعلق بالعنف. واشار الى سابقة قانونية وقال انه اقام دعوى عام 1974 ضد سلطة مايو لمحاكمتها الصول شرطة نصر عبدالرحمن امام محكمة عسكرية, وصدر حكم عام 1975 بالغاء المحكمة العسكرية ومحاكمة المتهم باعتباره مدنيا امام القضاء المدني العادي, وتلك سابقة صدرت من محكمة دستورية تابعة للسلطة القضائية. واضاف ان هذا الحكم كسابقة ملزم للكافة ورغم ذلك قامت السلطة الحالية بمحاكمة مدنيين امام محاكم عسكرية, وصدرت في مواجهتهم احكاما رادعة, حتى كانت القضية الحالية (اي قضية المتفجرات) التي كونت لها محكمة عسكرية. واضاف ان قرار المحكمة الدستورية لا يتماشى مع السابقة القضائية التي صدرت عام 1975 وذلك ان المحاكم العسكرية عندما انشئت كان الغرض منها محاكمة العسكريين في جرائم تتعلق بقانون القوات المسلحة, وقال ان وزير العدل والنائب العام الحالي قد برر تقديم هؤلاء المتهمين امام محكمة عسكرية بأن قضية التفجيرات كبيرة وخطيرة, وقد أخطأ في هذا خطأ بينا. اذ ان القضاء يهدف لتحقيق العدالة, والقضاء العادي يمكن ان يحقق العدالة بصرف النظر على فداحة الجرم المنسوب للمتهمين. وقال علي محمود حسنين لـ (البيان) ان الادعاء ان المحاكم العسكرية اقدر على محاكمة القضايا الكبيرة لا يقوم على اساس لان اعضاء المحاكم العسكرية ليست لهم الدراية القانونية ولا الخبرة القضائية كما ان انتماءهم للسلطة يثير قدرا من عدم الطمأنينة, وفوق ان هذا يقدح في قدرة القضاء العادي المتمرس قانونا, والخبير تطبيقا, وهذا يمكن ان يرقى الى مستوى اهانة القضاء. من جانبه قال مصطفى عبدالقادر المحامي لـ (البيان) ان هؤلاء المتهمين استمرت محاكمتهم امام محكمة الميدان العسكرية حتى مرحلة الدفاع, وحرم عدد كبير من المحامين للانضمام الى هيئات الدفاع بصورة (مزاجية) من المحكمة.. على حد قوله. واضاف ان المحاكم العسكرية الميدانية.. معروف انها قانونا هي المحاكم المختصة بمحاكمة العسكريين في اي عمل ميداني عسكري, والمتهمين في هذه القضية ليس لهم علاقة بأي عمل ميداني, وليسوا جزءا من القوات المسلحة فيما عدا متهمين اثنين واتهامهما لا علاقة له بالعمل الميداني. وقال انه كان يتوقع من المحكمة الدستورية ان تقرر بأن يقدم المتهمون امام القاضي الطبيعي وليس الاستثنائي, والمحاكم العسكرية التي اشارت اليها المحكمة الدستورية هي محكمة استثنائية وذلك يتعارض مع مبدأ دستوره الذي يقضي بأن ينال المواطن محاكمة عادلة وناجزة امام القاضي المختص. وذكر ان هذه السابقة الجديدة الصادرة من المحكمة الدستورية تتعارض مع حكم دستوري سابق (محاكمة ـ الصول نصر) وهي من الاحكام الشهيرة في تاريخ القضاء السوداني وبذلك اهدر مبدأ دستوري, لانه لا يجوز محاكمة مدنيين امام محاكم عسكرية. واشار الى ان المحاكم العسكرية على نوعين, محاكم ايجازية ومحاكم غير ايجازية, كما ان هنالك محاكم لها درجات استئنافية ومحاكم لا تقبل الاستئناف وانما تؤيد من السلطة الآمرة بالتشكيل وذلك خلل سيصيب المتهمين بضرر بليغ حيث سيحجب عنهم حقهم في الاستئنافات بمراحلها المختلفة, اضافة الى انه قد يصدر امر التشكيل بأن يجعل المحامي صديقا. واذا حدث ذلك فان ذلك اهدار اخر بحق بدستوري ذهبي وهو اهدار حق الدفاع واهدار حق المتهم في ان يختار المحامي الذي يمثله. اما المحامي فتحي خليل نقيب المحامين السودانيين فقد اشاد بقرار المحكمة الدستورية وقال لـ (البيان) ان القرار يأتي دعما للحريات والحقوق الاساسية للمواطنين وتفسيرا سليما لمواد الدستور المتعلقة بالحقوق الاساسية الواردة في الفصل الثاني من دستور السودان الدائم لعام 1998. واضاف ان القرار تعزيز للمناخ الجديد الذي بدأ يسود في السودان منذ صدور الدستور, كما ان وجود محكمة دستورية يلجأ اليها المواطنون في حالة انتهاك اي حق من الحقوق الدستورية يعتبر خطوة متقدمة لخلق دولة المؤسسات في السودان. وحول ما اذا كان نقيب المحامين قد تسلم برقيات احتجاج وان كان قرار المحكمة الدستورية استجابة لضغوط قال: ان البرقيات والخطابات لا تحقق حقوقا ولكن المحكمة الدستورية اعتمدت على المواد الواضحة في الدستور في هذا الشأن, ووصف هذه البرقيات بأنها مجرد ضغوط تمارسها بعض الجهات مشيرا الى ان هنالك دولا تقدم المدنيين امام المحاكم العسكرية وتصدر احكاما بالاعدام بالجملة وهذه المنظمات والجهات بعضها لا يحرك ساكنا. وعلى الصعيد نفسه اوضح ابيل ألير رئيس هيئة الدفاع عن المتهمين لـ (البيان) ان هيئة الدفاع تسلمت نسخة من قرار المحكمة الدستورية, وقال ان هيئة الدفاع بصدد التشاور, ثم بعد ذلك توضيح رأيها والذي في حينه سينقل للرأي العام. وكان قرار المحكمة الدستورية قد جاء بتوقيع سبعة قضاة يرأسهم جلال علي لطفي, واشار الى ان تسعة عشر شخصا قدموا للمحاكم امام محكمة ميدانية عسكرية للاجابة عن اربع تهم تندرج تحت نصوص القانون الجنائي لسنة 1991 في القضية التي اشتهرت بقضية متفجرات الخرطوم. وذكر ان المدعون طعنوا في دستورية المحاكم مستندين الى الحق الدستوري بسبب عدم انتمائهم للقوات المسلحة مما ينتهك المادة 32 من الدستور والتي تنص على حق كل منهم في محاكمة عادلة وناجزة. واشار الى ان النزاع يدور حول الاختصاص, فالدفاع رأى ان المتهمين وهم مدنيون لا يخضعون للمحاكمة امام محاكم عسكرية ميدانية, ويطلبون الغاء المحاكمة واطلاق سراح المتهمين, بينما يرى الاتهام ان المتهمين يخضعون للمحاكمة امام محكمة عسكرية بموجب المادة 4 (ي) من قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1406هـ وان ذلك يتفق مع ما ينص عليه الدستور. ومر القرار على ما نصت عليه المادة 122 (3) من الدستور والتي تشير الى انشاء المحاكم العسكرية وتشكيلاتها او اختصاصاتها او اجراءاتها. وعد الذين يقومون بجريمة ضد الدولة او جريمة متعلقة بالقوات النظامية والفتنة يخضعون لاحكام هذا القانون ولذا قرر القائد العام بموافقة وزير العدل خضوعهم لاحكام هذا القانون. وذكر انه لا جدال في ان المادة (32) من الدستور تعطي الحق في محاكمة ناجزة وعادلة, ومن بين شروط المحاكمة العادلة ان تكون محاكمة امام محكمة ذات اختصاص على اننا اذا نظرنا الى امر احالة المتهمين الى المحكمة الميدانية الصادر من نائب رئيس هيئة الاركان ادارة وجدناه لا يوافق هذا الوصف, فلا ينطبق على المتهمين التعريفان اللذان نقلناهما من المادة 3 من قانون قوات الشعب المسلحة, فالمتهمون لا يعملون في قوة او ملحقات قوة ليقال انهم في خدمة الميدان. وبذلك فانهم لا يخضعون للمحاكمة امام محكمة ميدان عسكرية, ولم يصدر قرار من القائد العام ولا من وزير العدل لمحاكمتهم امام محكمة ميدان عسكرية. وانما القرار الذي صدر من القائد العام ووافق عليه وزير العدل هو محاكمة المتهمين امام محكمة عسكرية. ولم يرد في هذا القرار كلمة ميدانية وانما وردت كلمة محكمة الميدان العسكرية في امر الاحالة الصادر من نائب رئيس هية الاركان ـ ادارة. وأورد القرار انه لا يمنع القانون محاكمة المدنيين امام المحاكم العسكرية ولكنه يشترط لمحاكمتهم في المادة 4 (ي) من قانون قوات الشعب المسلحة ان يكونوا من مرتكبي افعال ينطبق عليها وصف معين وهو يوافق التهم الموجهة للمتهمين الحاليين على ان يصدر القرار بمحاكمتهم من القائد العام بموافقة وزير العدل باعتبار انهم من الذين يخضعون لاحكام قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1406هـ. فاذا كانوا من الخاضعين لقانون قوات الشعب المسلحة فان محاكمتهم تخضع للاجراءات الصادرة بموجب هذا القانون. وهذا القانون يرسم الاجراءات للمحاكم الميدانية وتطبق هذه الاجراءات على الذين يرتكبون افعالا تشكل جرائم احكام خدمة الميدان ممن يعملون ضمن قوة او ملحقات قوة. ولا ينطبق هذا الوصف على المتهمين وهم مدنيون واذا تقرر احالتهم الى المحاكمة امام محكمة ميدانية فان هذه المحاكمة تكون امام جهة غير ذات اختصاص لسببين وهما: 1 ـ ان شروط الاحالة للمحاكمة امام محكمة عسكرية ميدانية لا تنطبق عليهم وفق تعريفي (خدمة الميدان) و(المحاكم العسكرية الميدانية) في المادة 3 من القانون. 2 ــ ان القائد العام لم يقرر محاكمة المتهمين امام محكمة ميدانية وبالتالي فان وزير العدل لم يصدر موافقة على محاكمة المتهمين امام محكمة ميدانية. وافاد ان القرار الصادر من القائد العام بموافقة وزير العدل جاء موافقا للقانون حيث كانت التهم الموجهة للمتهمين مما ينطبق عليها الوصف الوارد في المادة 4 (ي) من قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1406 فغدا المتهمون خاضعين لاحكام قانون الشعب المسلحة وقد قضى القرار بتقديم المتهمين للمحاكم امام محكمة عسكرية ولم يقض القرار بتقديمهم الى محكمة ميدانية.. الاحالة الصادر من نائب رئيس هيئة الاركان ادارة كان بتقديم المتهمين امام محكمة الميدان العسكرية الكبرى. وهذا الامر يتجاوز القانون فيما اسلفنا وعليه فان قرار احالة المتهمين الى المحاكمة امام محكمة ميدان عسكرية يكون مشوبا.. لعيب الخروج عن الاختصاص فللمتهمين الحق في محاكمة عادلة وهي المحاكمة التي تكون بين امور اخرى امام محكمة مختصة ولما احيل المتهمون الى محكمة غير مختصة فان ذلك يخل بنص المحاكمة العادلة الوارد في المادة 32 من الدستور وبناء على ذلك فان القرار قضى بنقض الامر الصادر باحالة المتهمين للمحاكمة امام محكمة الميدان العسكرية الكبرى. ويطالب المتهمون بالغاء المحاكمة واطلاق سراحهم على ان الذي قضى بنقضه هو امر الاحالة للمحاكمة امام محكمة الميدان العسكرية وهو الامر الصادر من نائب رئيس هيئة الاركان ادارة وهذا لا يمس القرار الصادر بموجب المادة 4 (ي) من قانون قوات الشعب المسلحة 1406 من القائد العام بموافقة وزير العدل لتقديم المتهمين للمحاكمة امام حكمة عسكرية حيث ان هذا القرار لا يخالف نص المادة 4 المذكورة ولا سند قانوني عندئذ للمطالبة باطلاق سراح المتهمين وعليه فقد ذكر القرار: 1 ـ ينقض امر احالة المتهمين للمحاكمة امام محكمة الميدان العسكرية. 2 ـ الغاء اجراءات المحاكم امام محكمة الميدان العسكرية. 3 ـ رفض الطلب المقدم من المتهمين لاطلاق سراحهم. 4 ـ احالة الاوراق لنائب رئيس هيئة الاركان ادارة لتقديم المتهمين للمحاكمة امام المحكمة العسكرية العادية طبقا لما نصت عليه المادة 73 من قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1406.