طرحت شخصيات أردنية رفيعة المستوى, مشروعاً, لانشاء وحدة لمكافحة الفساد في الأردن, تكون داخل القصر الملكي في عمان, وترتبط بالعاهل الأردني الملك عبد الله مباشرة . وفيما لا تزال هذه الفكرة قيد الدراسة والتداول على نطاق ضيق ورفيع المستوى في عمان, فان القصر الملكي يتلقى بين وقت وآخر رسائل ومعلومات ووثائق من أردنيين حول قضايا فساد مالي في مؤسسات الدولة الأردنية, وغالبا ما تحال هذه الوثائق الى الجهات الرسمية للنظر فيها. غير ان التفكير بانشاء دائرة أم وحدة لمكافحة الفساد ضمن دوائر القصر الملكي يهدف الى حماية الأردنيين وتحصينهم عند تقديم هذه المعلومات, وأبعاد شبح ملاحقة الفاسدين لهم أو تهديدهم أو الضغط عليهم بأي وسيلة وأسلوب. وكانت حكومة عبد الكريم الكباريتي قد أنشأت عام 96 دائرة لمكافحة الفساد تتبع دائرة المخابرات العامة في الأردن, وهي تقوم بجمع المعلومات والقاء القبض على أي ممارسي فساد, وقد قامت خلال الأعوام 96/97/98 بتوفير مبلغ مائة مليون دولار على خزينة الدولة الأردنية من جراء افشال عمليات فساد, وكشف البعض الآخر. بيد ان التوجه لانشاء وحدة لمكافحة الفساد في القصر الملكي في عمان يعود الى رغبة الملك الشخصية بالتعامل مباشرة مع هذا الموضوع الحساس, الا ان آلية واضحة لم تطرح بعد, فيما يرى قانونيون ان الآلية المفترضة هي تحويل ملفات الفساد التي تصل القصر الملكي, الى القضاء مباشرة أو الدوائر المختصة في التحقيق حول الملابسات والدوافع. ويمتلك أردنيون عديدون معلومات ووثائق تم الوصول اليها عبر وظائفهم أو بوسائل شتى الا انهم يترددون في ارسالها للجنة الحريات العامة في مجلس النواب او أي اطراف أخرى خوفا من تأثيرات ذلك عليهم وعدم قدرتهم على محاربة الحيتان مباشرة وأمام هذا الثمن الصعب, تبقى خزينة هؤلاء عامرة بالمعلومات حتى اشعار آخر. وكان مجلس النواب الأردني الحادي عشر 89 ــ 93 قد أنشأ لجنة مؤقتة لمكافحة الفساد, تعاملت مع قضايا عديدة, واستغلت ذات اللجنة لتصفية الحسابات مع سياسيين كبار, وفشلت اللجنة لاحقا في تحويل أي مسؤول أردني الى القضاء في حين ان مجلس النواب الأردني الثالث عشر 97 ــ 2000 لم يتمكن حتى الآن من ايجاد لجنة لمكافحة الفساد, وخرج النائب الأردني نايف مولا قبل يومين ليعلن عزمه وأحد عشر نائباً تأسيس لجنة دائمة لمكافحة الفساد, وقد أحيلت مذكرة في هذا الصدد الى رئيس مجلس النواب للنظر فيها. ويحظى موضوع الفساد في الأردن بمبالغة عز نظيرها إذ تشهد الصالونات السياسية والشعبية اتهامات بالجملة لسياسيين واقتصاديين وتكوين بعضهم لثروات تصل إلى مئات ملايين الدولارات انتفاعا من المشاريع والعطاءات, غير ان الوثائق تغيب في مثل هذه الحالات, ويتبقى السند القصصي الذي يشير إلى ان الوزير السابق الفلاني, مثلا, بلغت رواتبه على مدى عشر سنوات مئة ألف دولار في حين ان ثروته اليوم تتجاوز العشرين مليون دولار, ويختم هؤلاء مجالسهم بالقول.. من أين له هذا؟ كانت حكومة عبدالرؤوف الروابدة الحالية في الأردن قد أكدت عزمها في مناسبات عدة على محاربة الفساد وأصدرت قرارات تجبر الشركات الأجنبية الكشف عن أي أشخاص أو هيئات تتلقى هدايا أو رشاوى أو استشارات في محاولة من الحكومة لضغط قيمة العطاءات المالية, التي امتازت دوما بانتفاخ موازناتها دليلا على وجود عمولات. ويبدو العاهل الأردني الملك عبدالله, أمام حل وحيد يتعلق بكشف السياسيين عن حجم أموالهم المودعة سرا في المصارف الاجنبية, واجبارهم على اعادة هذه الأموال إلى الأردن, والكشف عن مصادر تشكيلها, ويقدر النائب الاردني نايف مولا لـ (البيان) حجم ثروة الاردنيين المودعة سرا في مصارف اجنبية دون تشغيل وتحصل على الفوائد وحسب, بسبعة مليارات دولار, ويطلب مولا, اما ان تعاد هذه الأموال إلى الاردن أو ان يدفع أصحابها ضريبة عليها قد تؤدي إلى رفد الخزينة الاردنية بمئة مليون دولار سنويا, في ظل مصاعب اقتصادية يعاني منها الاردن على كافة الأصعدة, وعلى حد وصف مراقب, فان الملك اذا (لم يبطش برؤوس كبيرة) فان الاقتصاد الاردني سيواجه مصاعب جمة خلال الاعوام المقبلة, خصوصا, ان العام الجاري شهد ارتفاعا في حجم القروض والاستدانة بالاضافة إلى جدولة الديون. ويذكر في هذا الصدد ان القانون الأمريكي يفرض على المواطن الأمريكي دفع ضريبة عن أمواله المودعة في الخارج, وعلى تلك الاموال التي يجنيها من أعماله الوظيفية أو التجارية, كما ان المصارف السويسرية تلتزم بالقانون الامريكي, وتبليغ السلطات الامريكية عن أموال الامريكيين وحجمها. وعقد مؤخرا مؤتمر في كندا تحت عنوان (العولمة ومكافحة الفساد) شاركت فيه ثلاثون دولة, تم عبره التباحث في تدفق الاموال القذرة, والفساد ودفع العمولات لتمرير المشاريع والعطاءات, وكان من المثير ان يكشف خبراء ان هناك دولا كألمانيا وفرنسا تعفي المبالغ المدفوعة من شركاتها كعمولات أو رشوات لتمرير مشاريع في الشرق الأوسط, من دفع الضريبة. وهو تشجيع مباشر على الفساد في دول العالم الثالث. غير ان عمان, لها حكايتها الخاصة بها في هذا الاطار, اذ ان أمام الملك الاردني مهمة صعبة لجعل اقتصاد بلاده يتجاوز أصعب اختباراته, بعد أن ثبت بالوجه الشرعي انتفاء امكانية الحصول على منح مالية لدعم بلاده, باستثناء الولايات المتحدة, ولعل فتح ملفات الفساد في الاردن يحتاج إلى قرار سياسي بالدرجة الأولى, وسر القرار يكمن في عدم مراعاة صورة أي فاسد سياسيا وعائليا واقتصاديا, والدخول إلى هذا الملف بأثر رجعي قد يقيم الدنيا ويقعدها في الاردن لاعتبارات عديدة, الا ان القصر الملكي اذا أعلنها مبادرة استراتيجية في هذا الصدد فسيجد الملك دعما منقطع النظير من شعبه. عمان ــ ماهر أبو طير