حين تحدث نايف حواتمة في احدى الاجتماعات الفلسطينية عن شكره ابو عمار, بحماس شديد, على ارساء مصطلح (العرفاتية) فهو مثل كل قادة العالم يريد ان يكون لفترة حكمه تعريفاً سياسياً ــ ايديولوجياً يرتبط باسمه على غرار (الماوية) و(الغورباتشوفية) وغيرها . وأي بحث موضوعي في فترة الثلاثين عاماً التي وقف فيها عرفات على قمة منظمة التحرير ثم قمة السلطة والمنظمة, سيجد سمات رئيسية لهذه الحقبة, تختلف عن فترة (الشقيري) القصيرة نسبياً والتي استمرت اقل من خمس سنوات (1964-1969) كان يصارع فيها لارساء دعائم منظمة التحرير وتخليصها من تبعات عديدة, وتعميق تحالفها مع الحكم الناصري في ذلك الزمان, وتختلف عن فترة الحاج (امين الحسيني) حيث تداخل الصراع مع الانجليز في الصراع مع الحركة الصهيونية وتداخل العامل الوطني مع العامل القومي ثم الدولي في مرحلة الحرب العالمية الثانية. السمة الرئيسية للحقبة (العرفاتية) او احدى السمات الرئيسية الكبرى لها هي ارساء دعائم (الوطنية) الفلسطينية والتمايز عن (البعد القومي) بمعنى رفع الوصاية العربية الرسمية. حركة فتح التي قادها عرفات في الاساس تعبير عن هذا (الجنوح الوطني) ولقيت تعاطفاً شعبياً واسعاً منذ البدايات لان جموع الفلسطينيين التي تحمل الجيوش العربية مسؤولية هزيمة ,1948 تريد ان يكون لها هويتها الوطنية ودورها الوطني المتميز في تحرير ارضها, وقادة حركة فتح اغلبهم عيونهم على الحياة وترسخت في ذاكرتهم وهم فتيان مأساة نهاية الثورة الفلسطينية لعام 1936 وهي التي قادت اطول اضراب في التاريخ المعاصر استمر ستة شهور, فقد انتهت تلك الثورة, التي تؤكد كل الوثائق المنشورة انها كانت على ابواب احداث تغيير جذري في سياسة الانتداب البريطاني (والكتاب الابيض لعام 1939) ثمرة متأخرة لمنع تجدد الثورة بعد ان خبا نارها, انتهت تلك الثورة بقرار عربي ونداء عربي اعتماداً على وعود (الصديقة) بريطانيا حسب نص ذلك البيان المشؤوم لوقف الثورة وذلك ما تحقق. كان ابو اياد يردد على الدوام حين نلومه بسبب التطرف في (النظرة الوطنية) التي تصل حدود التضاد مع (النظرة القومية) في بعض الحالات بالقول ان مأساة نهاية ثورة 1936 ما زالت متوقدة في ذاكرته وسمعت من ابو مازن والآخرين تحليلاً مشابهاً. الحقبة الوطنية (التي قادها عرفات وحركة فتح منذ) البدايات جاءت منسجمة مع عصر (الثورات الوطنية) وخاصة ثورة الجزائر التي شقت طريقا وطنياً ولقيت الدعم من كل العرب وانتصرت انتصاراً ساحقاً وقد كرر ابو عمار في عشرات الاحاديث امام المجالس الوطنية الاولى الاشادة بالنموذج الجزائري, وامام اكتساح الاتجاه الوطني لمشاعر الجمهور الفلسطيني في كل مكان, فقد وجدت الاحزاب القومية التي كانت ترفض (التمايز القطري) وتعتبره خطراً على وحدة الموقف القومي, وجدت نفسها مضطرة لمسايرة الوضع الشعبي وانشأت ما عرف في حينه (باقليم فلسطين) في حركة القوميين العرب, والتنظيم القطري الفلسطيني في اطار حزب البعث الاشتراكي وحدث ذلك وسط معارضة حادة من بعض العناصر (فوق القومية) اذا صح التعبير لكن تلك الاحزاب القومية لم تكن لتتجه نحو هذا المنحى (الوطني) الجديد الذي قادته فتح اتجاها معزولاً ولا يلقى التأييد الواسع من عموم الجمهور الفلسطيني. في تلك المرحلة التاريخية, اقامت تلك الاحزاب تنظيمات قطرية حتى لا ينفض الناس من حولها وقد اخذوا يذهبون بأعداد كبيرة الى رحاب (التنظيمات الوطنية الخالصة) . استلم عرفات قيادة منظمة التحرير ليجد في ميثاقها تداخلا واسعاً بين (الوطني) و(القومي) في العديد من البنود وكان اول تغيير في عهده تغيير عنوان الميثاق من الميثاق القومي الى الميثاق الوطني عنواناً كبيراً للمرحلة الجديدة, وامام صعوبة احداث تغييرات في بنود الميثاق بما يتطلبه ذلك من اجراءات قانونية ودعوة خاصة لاجتماع خاص للمجلس الوطني الذي يصعب جمعه, وضرورة حصول اي تغيير على اغلبية ثلثي مجموع الاعضاء (وليس ثلثي الحاضرين) فقط, فقد اتجهت (القيادة) وعناصرها الرئيسية بوجه خاص, كما يبدو, لابقاء الميثاق قائماً كما هو واعتماد قرارات المجالس الوطنية وبرامجها السياسية هادياً للعمل الوطني والسياسي في كل مرحلة. وحين قال ابو عمار اواخر الثمانينات بأن الميثاق الوطني قد تقادم واصبح (كادوك) حسب التعبير الفرنسي فقد كان ذلك نتيجة طبيعية لوضعه على الرف سنوات طويلة دون اي تفعيل, واحلال برامج المجالس الوطنية محله في التطبيق العملي, وكانت برامج يغلب عليها (العنصر الوطني) و(المهمات الوطنية) مع اشارات يقتضيها الوضع للعنصر القومي. احداث ايلول 1970 في الاردن (وسأتحدث عنها في حلقة قادمة) وعن مسؤولية اندلاعها, عمقت الشعور الوطني واعطت دفعة قوية (لدخول الحقبة الوطنية) , والانكار الاسرائيلي المتواصل لوجود شعب فلسطيني حين صرخت جولدا مائير: الفلسطينيون.. اين هم؟ دفعت مجدداً لابراز الهوية الوطنية في كل مكان من العالم وكان ذلك, بالضرورة ــ وايا ما تكون النوايا ــ على حساب البعد القومي وسارت الامور متدرجة في هذا (الامعان الوطني) اذا صح التعبير حتى اندلاع حرب اكتوبر 1973 وبدء الحديث عن مؤتمر جنيف وهل يحضره الفلسطينيون ام ماذا؟ ثم بدء الحديث عن التسوية السياسية وكانت تلك كلها عوامل ادت لصدور قرار القمة العربية في الرباط عام 1974 باعتماد منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب العربي الفلسطيني, دون الانتقاص من الحقوق المكتسبة للفلسطينيين في الاقطار العربية. حدثني نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام في آخر لقاء لي معه في منزله بمدينة بلودان عن تفاصيل الجلسة التي اقر فيها وزراء الخارجية العرب التوصية التي رفعوها للقمة العربية حول تمثيل المنظمة الاوحد للشعب الفلسطيني وكيف كان له شخصياً دور رئيسي في تلك التوصية, ولكنه استدرك ليقول: كنا عاطفيين ومتحمسين, بما يعني شيئاً من المراجعة لذلك القرار, ولكنني اعتقد ان الحماس العربي لتحميل المنظمة مسؤولية القرار الوطني هي التي دفعت, في تلك المرحلة, نحو ذلك التوجه, حدثت محاولات ارتداد عن ذلك القرار بعد ذلك, ولكنها محاولات لم تلبث ان تراجعت وتوقفت وتم اقفال الملف. اعود بالذاكرة للوراء وبعد قرن من ذلك القرار ومن دخول (الحقبة الوطنية) مرحلة جديدة منذ ذلك التاريخ لاتساءل كما يتساءل كثيرون: هل كان قرار الرباط الذي اصبح مضمونه سمة عرفات, قرارا صائبا: هل كان العرب أو المرحلة التي قادها بعضهم يريدون فعلا أن يتخلصوا من مسؤولياتهم القومية ويضعوا العبء على أصحاب البيت الفلسطيني ويقبلوا ما يقبل به الفلسطينيون وهو الشعار السائد في المجال العربي الرسمي منذ ذلك التاريخ. لو تصورنا كافتراض نظري, أن ذلك القرار لم يصدر إطلاقا, وبقيت المسؤولية قومية مع شيء من مشاركة منظمة التحرير, هل كان الوضع سيكون أفضل, وهل كانت النتائج على الأرض ستكون مختلفة. من الصعب الحسم في إجابات قاطعة على افتراضات نظرية, ولكن الأمر سينحسم تماما ولا يعود مجال نقاش نظري إذا وصلت التطورات لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة فعلية, في حدود فعلية السيادات القطرية العربية وفي حدود السيادات المنقوصة في عالم (العولمة) الجديدة. سيكون قرار الرباط لعام 1974 وسيكون الاتجاه الوطني والقرار الوطني المستقل أهم إنجازات الشعب الفلسطيني في هذا القرن وأهم إنجازات (الحقبة العرفاتية) إذا صح التعبير إذا وصلت النهايات لاستقلال وطني ناجز, وإذا حصل العكس وهو احتمال ضئيل حسب معطيات الحاضر فإن قيادات جديدة لابد أن تنهض من صفوف الشعب المعطاء الذي قدم لحوم أبنائه طعوما للدبابات في محاولة استثنائية لينتصر الدم على السيف, لتقوم بمراجعة شاملة ولتتبنى سياسات جديدة لا أستطيع التكهن بطبيعتها منذ الآن فهي رهن المستقبل. الشعوب الحية, والشعب الفلسطيني الذي لم يهدأ في نضاله منذ قرن كامل, هو أحد هذه الشعوب الحية إن لم يكن في مقدمتها, تقوم بمراجعة حتى (البديهيات) وتقوم بهزها ومساءلتها بعنف من أجل تمهيد الطريق نحو أفق جديد. قراءتي الخاصة أنه لو بقيت القضية الوطنية في الحضن القومي فإنها ستبقى مصونة من كل حل, إذ لن يندفع أي حاكم عربي لقبول حلول قد تبدو منقوصة للقضية الفلسطينية. كان رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عبدالسلام المجالي يقول لي على الدوام بعد أن قاد الوفد الأردني الفلسطيني لمفاوضات مدريد (وقد كنت يومها في مدريد): اطمئنوا لن نفاوض نيابة عنكم, لأننا لو أعدنا 98% من الضفة والقطاع وضاع 2% سنكون في نظركم خونة, لكنكم إذا استطعتم استعادة أقل من ذلك بتفاوض مباشر سيكون ذلك إنجازا وطنيا. وقد سمعت نفس المنطق بنفسي من احد الحكام العرب وبالتالي كان أمد معاناة الشعب الفلسطيني سيطول, ففي كل يوم يتأخر فيه حل القضية الوطنية, يزداد التهويد وتتناقص الأرض وتترسخ الحقائق الاسرائيلية, ونحن الفلسطينيين لا نملك ترف انتظار حتمية التاريخ وأرضنا تتهود امام عيوننا وامام ابصارنا في كل يوم. لو كان الاحتلال عسكريا لانتظرنا ألف عام, لكن الامر ليس كذلك على الإطلاق. كما ان الاستعداد العربي لشن حرب ضد اسرائيل لم يوقفه قرار الرباط لانه, بعد خروج مصر بثقلها العسكري والاستراتيجي من حلبة الصراع, انحسر الخيار القتالي بمعنى قتال الجيوش لكسر عظام الهيكل الثالث: الدولة العبرية فوق ارضنا. (الحقبة الوطنية) اتت في الزمان المباشر حيث ازدهرت الاقليميات العربية وبات واضحا ان (الدولة الوطنية العربية) ما زالت تحتاج لاستكمال بناءاتها وستدوم طويلا جدا قبل ان تدخل مرحلة الدولة القومية الموحدة اذا قدر لنا ان ندخلها. قالمرحلة التي نعيش منذ عقود هي مرحلة (الدولة الوطنية العربية) التي تناضل لاستكمال معالم البناء, بل ان الدكتور محمد جابر الانصاري في مؤلفاته الاخيرة يذهب ابعد من ذلك للقول ان المرحلة التي نعيش في العالم العربي مازالت بعيدة عن مرحلة الدولة الوطنية, انها مرحلة (الاقطاع المؤجل) بالمعنى الإنمائي في رأيه. لقد تميزت حقبة ربع القرن الماضي, بالحرص الشديد على استقلال القرار الوطني المستقل, وكان عرفات هو حامل سيف ذلك القرار لحمايته من التدخلات وبشكل مبالغ فيه في حالات عديدة. كانت لدى هذا القائد حساسية غير عادية من احتمالات مصادرة القرار المستقل ومن احتمالات ظهور قيادات بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادته وقد تعامل مع الاحتمال الذي لا يتجاوز 1% باعتباره خطرا داهما مستعجلا لا يجوز الاستهانة به. وكان لهذه الحماية الصلبة للقرار المستقل والمحاربة العنيدة للخيارات والبدائل التي يسعى لها الآخرون, عربا وغير عرب, ايجابيات وكان لها سلبيات او آثار جانبية سلبية, كما للدواء النافع آثار جانبية تمثلت اساسا في ان رأت الكثير من القوى العربية ان القضية لم تعد قضيتها طالما ان اصحابها قرروا ان يأخذوا امرها بأيديهم دون سواهم. لقد حاولت قيادة المنظمة ان تتفادى تلك الآثار الجانبية بإنشاء الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية ثم الجبهة العربية المشاركة ولكنها محاولات لم تثمر كثيرا في زمن ما يسميه البعض ازدهار الاقليميات العربية وما اسميه (مرحلة الدولة الوطنية) او الدولة القطرية ان شئت حيث تفرض الاولويات الوطنية نفسها بقوة على كل حزب سياسي والا فقد جمهوره. في كل مؤتمرات العالم من اقصاه الى أقصاه كان هم الرئيس عرفات استصدار قرار واضح بان المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني, وكانت الدنيا تقوم ولا تقعد اذا ظهر بيان لمؤتمر دولي لم تظهر فيه كلمة (الوحيد) في الامم المتحدة. وحين دخلت منظمة التحرير عضوا مراقبا في الجمعية العامة كأول وآخر حركة وطنية في عالمنا المعاصر تحظى بذلك الحق, تحدث القرار عن المنظمة: الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ولم تظهر كلمة (الوحيد) وهذا امر طبيعي. ناقش أبو عمار في الامر ولكنه تراجع حين اوضح له السياسيون والقانونيون استحالة ورود تلك الكلمة في بيانات وقرارات المؤسسة الدولية. وفي زيارة له لليابان في الثمانينات تحدث رئيس الوزراء الياباني عن ان بلاده ترى في المنظمة ممثلا رئيسيا للشعب العربي الفلسطيني, سأله ابو عمار, وكاد الامر يظهر على شاشات التلفاز: اين الممثل الثانوي لاحضره لكم الليلة؟ وكان ابو عمار, وتلك ميزة رئيسية لفترة قيادته تحتاج لدراسة اكثر تفصيلا, حاسما في هذا الموضوع حتى فى الاروقة الفلسطينية, حين تأسست الجبهة الوطنية في داخل الضفة الغربية, مطالع السبعينات, جاء في بيان التأسيس وبشكل غير مقصود كما اعتقد ان الجبهة الوطنية هي الذراع السياسي لمنظمة التحرير داخل الوطن, رأيت ابا عمار في دمشق غاضبا الى ابعد الحدود وشن عليهم حملة قاسية في اول اجتماع: ماذا تقصدون بالذراع؟ قال عرفات, هل تقصدون انكم ذراع في الداخل ونحن ذراع في الخارج والذراعان متساويان, انتم جزء من منظمة التحرير ولا شيء آخر, وشطبوا حكاية (الذراع) التي اعتقد ابو عمار ان البعض يستهدفها لايجاد وضع مواز في الداخل لمنظمة التحرير في الخارج, وحين حاولت نقاشه في تلك الواقعة بعد ذلك بسنوات رأيته مازال متمسكا بموقفه الساخن وكأن الحادثة قد وقعت بالامس القريب. وكان حاسما في الامر مع الاصدقاء ايضا, حين غادر طرابلس بعد ذهابه لها في سفينة بضاعة تجارية من قبرص, ذهب الى موسكو مطلع عام 1983 والتقى الرئيس السوفييتي اندروبوف, قال اندروبوف: معلوماتنا ان الناس في الضفة الغربية يريدون قيادات محلية منهم وانكم لاتحظون بالشعبية الكافية هناك, ربما كانت معلومات اندروبوف من الاحزاب الشيوعية بالطبع, فقد عرفات صبره وقال للرئيس: هذه معلوماتك يا رفيق وانت اهم رئيس للمخابرات (كي.جي.بي) في تاريخ الاتحاد السوفييتي الحديث وانتقلت لرئاسة الدولة من رئاسة المخابرات, هذه معلومات فاشلة ومصادرها مشبوهة, تردد المترجم في ان ينقل هذا الرد القاسي فقال اندروبوف: ماذا قلت يا رفيق معلوماتنا فاشلة ومصادرها مشبوهة. انتبه ابو عمار لحراجة الامر وهو القادر على التقاط هذه الامور بنباهة غير عادية وصحح العبارة: قلت معلوماتكم ناقصة وغير دقيقة ولابد ان تعيدوا النظر فيها ونحن مستعدون لمساعدتكم في ذلك. كنت في موسكو بعد ذلك بأيام وروى لي هذه الحكاية الصديق ايجور بيلاييف الذي كان مقربا جدا من اندروبوف ومن قادة الكرملين وكان مبعوثهم غير المعلن لعواصم العرب وللساحة الفلسطينية, واذكر انني قلت لبيلاييف: لاتلعبوا مع عرفات في هذا الموضوع الحساس جدا, لقد ازدادت شعبيته بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان صيف 1982 وازدادت شعبيته بعد ان ذهب لطرابلس, رغم انه ذهب دون قرار من القيادة كما قال لي, حين شاهده الفلسطينيون يغادر بيروت ثم طرابلس مرتين في اقل من عام, نحو المنافي البعيدة يحمل همومهم وقضيتهم ويقبض على الجمر والزناد معا. وحين اندلعت الانتفاضة الوطنية المجيدة, رأى البعض فيها حركة شعبية عفوية لا علاقة لقيادة المنظمة بها, وربما امل الكثيرين ان تترسخ قيادة الانتفاضة بديلا عن قيادة المنظمة في المدى البعيد, وكان للكثير من القادة العرب ومن الاحزاب والشخصيات العربية ملاحظات سلبية على المنظمة ومصروفاتها المالية وما اشيع عن فساد ملاحظات وتبذير, بدأت حركة لعدد من القادة القوميين البعيدين عن السلطة في بلدانهم لانشاء صندوق عربي لدعم الانتفاضة يشق الطريق نحو تعامل مباشر دون اقنية المنظمة المالية التي لايثقون بها حسب رأيهم وكان الفريق سوار الذهب وجاسم القطامي وعدد من الاثرياء العرب متحمسين للفكرة وتقدموا بها لامين عام الجامعة العربية المرحوم محمود رياض لاعطائها صفة الشرعية القومية, حضرت الحوار بين ابو عمار ومحمود رياض في فندق (الديبلوماسي) في العاصمة التونسية حول هذا الامر وكان عرفات حاسما جدا في رفض الفكرة مالم يكن في اللجنة العليا لهذا المشروع اثنان من اعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير (وليس عضوا واحدا) وما لم يطلع شخصيا على كل النشاطات وتوقفت الفكرة ثم اندثرت بعد ذلك. واذكر حادثة امير الكويت الشيخ جابر الاحمد الذي قرر ان يدفع رواتب الشرطة الذين استقالوا بطلب من قيادة الانتفاضة وان يدفع عبر قنوات دولية وقنوات غير مرئية حتى لايظهر في الصورة رفض ابو عمار الفكرة بغضب شديد ورأى فيها مساسا بالسيادة, وكاد يصدر بيانا علنيا لولا ان تداركنا الامر في اللحظات الاخيرة, وربما كان موقف ابو عمار من احتلال الكويت في بعض جوانبه يعود لشكوكه حول تلك الحادثة وغيرها من حوادث مماثلة. وحين انشأ عدد من رجال الاعمال الفلسطينيين مؤسسة (التعاون) عام 1983 وبعد ان دخلت منظمة التحرير مرحلة الضعف المؤقت بالتوزع في المنافي البعيدة, تشكك ابو عمار باحتمالات تطور هذه المؤسسة لاداء دور سياسي, وحين قدمت نصف مليون دولار لمخيمات لبنان عام 1988 من خلال جبهة الانقاذ والقوى المعارضة هدد ابو عمار باصدار بيان علني ضد المؤسسة وذهبت اليه في تونس لاغادر منها الى جنيف حيث اجتماعات الهيئة العامة للتعاون في فندق الكونتننتال لاطفاء الحريق واذكر انني قلت للرئيس: هل تعتقد ان شومان والصباغ والقطان والمصري يفكرون, مجرد تفكير, في لعب دور سياسي منافس للمنظمة في هذه الظروف الصعبة, قال لي: كل شيء جائز, وفي بعض الحالات فقد يقع الانسان ضحية تخطيط الآخرين دون ان يدري. وآخر الاحداث واهمها في هذا المجال هو التكتيك الذي اتقنه ابو عمار لاجبار الحكومة الاسرائيلية على التفاوض مع منظمة التحرير, حين اوحى للوفد المفاوض في واشنطن بالتشدد واظهره عاجزا عن اي قرار مهما كان محدودا, ثم اوحى للقناة السرية في اوسلو بانه سيكون اكثر اعتدالا وهكذا شبكت السنارة! كيف قاد عرفات في العقود الثلاثة الماضية السياسات الداخلية بين الفصائل وفي الاطار الفلسطيني الداخلي, وكيف طور السياسات, وماذا كانت سياساته الحقيقية في المنعطفات. ذلك ما سنتحدث به في الحلقة المقبلة. كتب توفيق ابو بكر