استضاف اتحاد الكتاب والادباء المصريين الليلة قبل الماضية الدكتور اسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري حسني مبارك في أمسية فكرية سياسية أدارها الاذاعي اللامع حمدي الكنيسي , وتناولت القضايا الساخنة المطروحة بداية من مستقبل وامكانيات نجاح عملية التسوية السلمية للصراع العربي الاسرائيلي الى كيفية التفاعل والتعاطي مع العولمة الاقتصادية والثقافية. في بداية اللقاء أكد الباز انه لا يوجد خوف على مصر من أي غزو ثقافي خاصة في ظل موجة العولمة, لأن التراث والتنوع الثقافي قوي ومتعمق وأصيل, معتبرا ان الثقافة هي جزء من أحد أبرز مظاهر الثروة البشرية في مصر. وحول العولمة قال انها تعنى بازالة الحواجز من العالم دول وقارات وثقافات, وقال: ان العولمة كان أول ظهورها في المجال الاقتصادي في شركات ضخمة كنا نسميها في الماضي الشركات متعددة الجنسيات, وأصبحت هذه الشركات ذات نفوذ جبار وسطوة وخطورة بسبب طاقتها الانتاجية والتوزيعية الضخمة وكذلك وجودها الاعلامي الطاغي, فشركة ميتسوبيشي اليابانية مثلا وصل انتاجها في العام الماضي الى 669 مليار دولار, وهذا يزيد من الدخل القومي لعشرين دولة على الأقل من دول العالم الثالث. وقال الباز: ان العالم يتجه شيئا فشيئا نحو العولمة خاصة بعد سيادة النظام الاقتصادي الحر وانتصاره, وتوجه معظم الدول اليه بعد انهيار البديل الاشتراكي ومنظماته الاقتصادية, ولم يعد من المنظومة الاشتراكية سوى ثلاث دول هي الصين وكوريا وكوبا, وانه كان داخل هذه الدول أشكال من الاقتصاد الحر, فالصين بها 56 منطقة صناعية تجارية حرة, وأصبح يقال عنها انها دولة ذات نظامين, نظام موجود في الصين مثلا ونظام موجود في هونج كونج, ولهذا فإنه شيئا فشيئا سيحدث تزاوج بين نظامين من الاقتصاد في هذه الدول وهذا ما يتطابق مع ما يطرحه الرئيس الامريكي كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني بلير حول ما يسمى بالطريق الثالث الذي يمكن للدولة ان تقوم فيه بدور أكبر في معالجة التضخم وترشيد السوق والسياسات النقدية مثل رفع أو تخفيض سعر الفائدة. تحت وصاية الناتو ويعتقد الباز ان تدخل الدولة ضروري لحماية النظام الرأسمالي نفسه, كما ان النظام الاشتراكي كان من مزاياه التركيز على أهمية العدالة الاجتماعية, كما ان الحركة الاشتراكية أسهمت في تحرير كثير من الشعوب وأسرعت بنهاية الاستعمار, ويؤكد على النقطة الاساسية في حديثه قائلا: العالم يسير في طريق النظام الواحد سياسيا واقتصاديا وهذا واضح في ظاهرة سيطرة بعض الدول على النظام العالمي ونشر القيم والاساليب والسياسات الخاصة بها, ومعنى ذلك ان العالم يتحول الى نظام جديد تتحكم فيه الدول الأقوى مثل الناتو في مصيره, وهذا ما حدث في التدخل العسكري لحلف الناتو في البلقان دون اللجوء للأمم المتحدة. والسؤال المهم الآن اذا كان هناك عولمة سياسية وعسكرية واقتصادية, فهل يا ترى يمكن ان تكون هناك عولمة ثقافية بمعنى ان تسوده ثقافة واحدة؟! ويجيب د. الباز: البعض يقول ان هذا ممكن وفي سبيله للحدوث وإن كان يحتاج الى وقت أكبر وفي هذا قدمت نظريتان أولهما نظرية التحديث ورغبة الانسان في تحديث ثقافته دائما وفقا للنماذج الثقافية الناجحة والبراقة مثل النموذج الغربي الذي يقوم على النظام الليبرالي والاقتصادي غير الموجه, وهذه الثقافة تغذيها اجهزة اعلام قوية جدا على مستوى العالم وتسعى الدول الأخرى في العالم الى محاكاتها, وهذا ربما يؤدي الى ازدهار الثقافة الغربية التي يطلقون عليها الثقافة الاغريقية الرومانية احيانا او الثقافة اليهودية المسيحية. الحداثة دون تبعية للغرب ويؤكد د. الباز على ان الثقافة السائدة ستكون النظام السائد الذي تغلب على كافة الانظمة الاخرى نحو الاقوى .. ورغم ذلك فان هناك من الدول التي تم فيها التحديث دون تغريب ومع الحفاظ على ثقافاتها المحلية مثل اليابان وكوريا. اما النظرية الثانية في العولمة فهي كما يطلقون عليها في الغرب نظرية الـ Cocalization نسبة الى انتشار مشروب الكوكاكولا على مستوى اصبح كأنه المشروب العالمي وسار على طريق الكوكاكولا كثير من السلع الاخرى مثل سلع الفاست فود, وهي فكرة تتعلق باسلوب الحياة الامريكي .. فالجينز الامريكي انتشر ايضا على مستوى العالم وهذا النمط الغربي يعتقد البعض انه سينتشر ثقافيا ويسود على مستوى العالم سواء في الموسيقى او الاغاني او السينما وهذا مايبدو انه حدث في الاغاني الشبابية التي تقلد الغرب في ايقاعها السريع. ويرى د. الباز ان نمط الحياة الغربي ربما ينتشر لكنه لا يؤثر على الثقافة المحلية بسهولة فالثقافة اساسها اللغة وهي التي تفرق بين جنسية واخرى وتحدد طرق التفكير والدين وكان الكثيرون يظنون ان الدين سوف ينسحب امام العلم لكن الحاصل هو العكس بل اصبح الدين في كثير من الدول جدارا للتصدي للهيمنة ونجد ان الاصولية بدأت في النمو على مستوى العالم حتى في امريكا, وهذه الظاهرة تعبر عن خشية على الدين ودفاعا عنه. ويطرح الباز عنصرا آخر للثقافة وهو التاريخ ويقول فأنا كمصري تاريخي لا يشبه الامريكي, فامريكا عمرها لا يزيد على 400 سنة ولم تتحرر وتستقل الا منذ مائتي عام وكان المكتشفون الاوائل لها في عام 1620 يظنون انهم هبطوا على اراض صينية اي انهم كانوا يجهلون الارض التي هبطوا عليها, ولهذا فان رصيدنا الثقافي كمصريين يختلف تماما. ويرفض الباز حذف الحقبة الفرعونية من تاريخ مصر باعتبارها وثنية, فهي من اكثر الفترات ازدهارا في تاريخ مصر وذات ثقافة متميزة جدا, وقد تنبهوا لفكرة البعث بعد الموت قبل نزول الرسالات السماوية. الدين حائط الدفاع ضد الغزو ويؤكد د. الباز في حديثه على خطورة وقوة المعتقد الديني وتأثيره على ثقافة الشعوب مهما تعرضت تلك الشعوب للغزو الثقافي ففي احدى زياراته للهند رأى عددا من الخدم المطيعين جدا والمهذبين الذين لا يرفعون رؤوسهم وينفذون ما يؤمرون به, وكانوا لدى دبلوماسي مصري .. وكانت المفاجأة في احدى المرات انهم رفضوا امرا لذلك الدبلوماسي وهو قتل احد الابراص الذي تسلل الى المنزل لاعتقادهم انه يمكن ان يكون روح والد احدهم الذي توفي منذ ايام وقد تعرض الدبلوماسي لخطر الموت بسبب محاولته قتل البرص! ويصل الباز الى ان الثقافة هي اهم مظاهر القوة والثروة في مصر, فهي العنصر الذي يميزنا عن غيرنا ولذلك فان من الصعب ان يحدث لمصر غزو ثقافي وان حدث في مواقع لا تذكر فانه لايمكن ان يمحوا آثار الثقافة المصرية لان الحضارة المصرية لايمكن ان تمحوها اي ثقافة اخرى ولا يمكن ان تتعرض للاندثار , وليس معنى ذلك ان نكف عن تدعيم بنائنا الثقافي حتى لا تتهاوى مؤسساتنا الثقافية امام الغزو الاعلامي والثقافي الهائل. واشار الباز الى المهاجرين لاسرائيل وبقاء كل قومية متمسكة بتقاليدها وثقافتها سواء كانوا من الروس او العراق او المغرب. كما اشار الى المصريين في صعيد مصر وكيف انهم لايزالون يحتفظون بتراثهم وحتى ملامحهم الفرعونية وكأنهم لم يتغيروا منذ ايام مينا. وحول وضعية التسوية في ظل حكومة ايهود باراك قال الباز ان باراك ونتانياهو غير متطابقين, وان كل منهما يمثل المصالح الاسرائيلية, فنتانياهو كان يستند الى احزاب متطرفة لا ترضى عن التفريط في الارض, اما المجموعة الحالية المتمثلة في الاحزاب داخل الائتلاف الحاكم فهي تختلف او افضل من سابقتها بالنسبة للعرب, واستشهد الباز في ذلك بعدد مقاعدها في الكنيست, حيث تراجع حزب الليكود من 31 مقعدا الى 19 مقعدا, وقال: ان حزب شاس الديني المتطرف افضل الاحزاب الدينية فهو يضم كثيرا من اليهود العرب, وعبر احد زعمائهم عن فكرة جديدة وهي ان دم الانسان اغلى من الارض, وقال الباز: ان هناك حزب ميريتس الذي يرى ضرورة اقامة دولة فلسطينية فورا وبالتالي فان الوضع الآن افضل نسبيا بالنسبة للعرب وهناك احتمال تعيين اثنين من العرب كنواب للوزراء وربما يتم تعيين وزير منهم.