اذا كان الحدث الأبرز الذي شهدته ساحة الصراع في أفغانستان صيف العام الماضي 1998 هو سقوط مزار شريف معقل عبدالرشيد دوستم زعيم العرقية الأوزبكية وأحد أقطاب المعارضة لحكومة حركة طالبان فإن ما تشهده ساحة الصراع هذه الأيام قد ينبىء بمفاجئة جديدة لا تقل عن مثيلتها السابقة, وهذه المرة سقوط أحمد شاه مسعود زعيم تحالف المعارضة الشمالية ورمز العرقية الطاجيكية في أفغانستان. ولكن هل يتحقق ذلك الحلم (الطالباني) بسهولة؟ وهل تستطيع الحركة ان تحكم سيطرتها على ما تبقى من أراضي أفغانستان, الذي لا يتعدى 10% من الأرض لتبسط سيطرتها؟ وما الذي يحمله المستقبل؟ يمثل أحمد شاه مسعود ذلك الزعيم الطاجيكي قليل الحديث الرمز المتبقي للعرقية الطاجيكية بعد خلع الرئيس برهان الدين رباني, وهو قائد عسكري ذكي وحازم, ذاعت شهرته إبان الغزو الروسي لأفغانستان وأطلق عليه أسد بانشير, أكسبته رمال التحالفات المتحركة في أفغانستان قبل جلاء الروس وحتى خلع رباني قدرة يحسد عليها جعلته يربط مصيره الشخصي وهو وزير الدفاع السابق في حكومة رباني بمصير أبناء عرقيته, ومن ثم فإن موقفه من الصراع موقف مصيري (نكون أو لا نكون) . يدرك مسعود ان سقوطه بين يدي طالبان يعني النهاية لذلك استعصت المناطق التي يسيطر عليها حتى الآن أمام حماس مقاتلي طالبان, ويعود السبب في ذلك الى الحماية الطبيعية للمناطق التي يتحصنون بها والتي تختلف في طبيعتها الجغرافية الجبلية المرتفعة عن المناطق الاخرى جنوب وشرق أفغانستان, وهي المناطق التي جاء منها مقاتلو حركة طالبان, الذين لا يستطيعون خوض القتال فيها الا صيفا مع ذوبان الجليد, أما العمليات العسكرية شتاء فلا تتعدى قصف صاروخي متقطع. ويبدو ان سلاح الاستمالة وإحداث الانشقاقات في صفوف الخصم الذي نجحت طالبان في استخدامه مع كومندانات الزعيم الأوزبكي عبدالرشيد دوستم قد فشل في تكراره مع المحيطين بأحمد شاه مسعود. هذا الأمر دفع تجربة طالبان الى خوض هذه المعارك المحمومة هذا الصيف أملا في حسم المسألة بالسلاح بعد اخفاق وجهود الاستمالة في حسمه. سقوط باجرام يعني فقدان أكبر قاعدة جوية بناها الروس في أفغانستان, وحرمان مسعود من احدى محطات الامدادات علاوة على تدني الروح المعنوية في صفوف قواته. ويبدو ان تقدم طالبان العسكري اصبح على ابواب بانشير باحتلال جبل السراج المدخل الوحيد للوادي عبر سلسلة جبال الهندكوش ومنطقة قلهار التي لا تبعد 10 كم عن بانشير معقل مسعود. والوادي الذي يلوذ به مسعود غالبا في ساعات الخطر اصبح مكشوفا امام طالبان وأية معركة أو تلاحم بشري على ابوابها يعني مذبحة جديدة فطالبان تجد نفسها مدفوعة بالرغبة في احكام سيطرتها على كامل التراب الأفغاني ومسعود وقواته يجدون في الامر قضية مصير, فكل البدائل أسوأ من الاخرى ومن المستبعد ان يهرب مسعود الى طاجيكستان المجاورة التي تفتح مطاراتها امام المساعدات اللوجستية التي تتلقاها المعارضة من ايران. وما تشهده الساعة الأفغانية حاليا سيدفع بدول الجوار ذات العلاقة الى تقديم اقصى ما تستطيع من دعم ومساندة لخيول السباق غير المتساوية في لعبة البوزكش الأفغانية التقليدية ــ حيث يتبارى الفرسان وهم فوق صهوات الجياد على اختطاف ذبيحة ــ لم تنته بعد. كتب مجدي مصطفى