عمت الفرحة الشارع المغربي غداة توجيه الملك محمد السادس خطاب العرش, وتعهده مواصلة نهج والده الملك الراحل الحسن الثاني, وإعلانه العفو عن الاف السجناء, والتزامه تقوية الروابط بين المغرب ودول الاتحاد المغاربي, ودعم التضامن العربي . وتتفق أوساط المراقبين على نجاح العاهل المغربي الملك محمد السادس في ترسيخ الصورة التي انطبعت في اذهان المغاربة عن (امير الفقراء) عندما كان وليا للعهد وهو يقود حملات تقديم افطار للمعوزين في شهر رمضان, أو يتفقد ضحايا حوادث السير في المستشفيات, من موقعه الجديد, حينما فتح, في أول خطاب له الى الشعب, الملفات الاجتماعية بشفافية أثارت الانتباه. ورغم ادراك الجميع ان لا تغيير كبيرا سيطرأ على السياسة المغربية على الصعيدين الداخلي والخارجي, الا ان الترقب كان سيد الموقف خلال الايام التي سبقت خطاب الملك محمد السادس لمناسبة اعتلائه العرش, كونه سيشكل برنامج عمل المرحلة المقبلة, ذلك ان الاستمرار الذي يطبع سياق انتقال العرش في المغرب لا يخلو احيانا من مفاجآت, سيما وان الملك الراحل اكد على التمييز في الاختيارات بينه وبين نجله, واعلن ذلك بوضوح بقوله (أنا ليس هو, وهو ليس أنا) . وكان واضحا في الخطاب ان الخيار الديمقراطي داخليا والتعاطي مع ملف الصحراء في نطاق التزام خطة الامم المتحدة لاجراء الاستفتاء, ومواصلة جهود الانفتاح الاقليمي, لجهة تعزيز الاتحاد المغاربي, وتطوير الشراكة السياسية مع بلدان الاتحاد الاوروبي لم تستأثر بمقدار الاهتمام التي استأثرت به الملفات الداخلية في ضوء ما عرف عن الملك الشاب من رعاية لحملات مناهضة الفقر وتكريس التضامن, وكان متوقعا ان يكون انتقاله من مقر اقامته عندما كان وليا للعهد من شمال مدينة سلا, حيث توجد كثافة كبيرة من المعوزين والمعوقين والشباب العاطلين الذين يترقبون قدومه لتقديم الشكاوى وطلب المساعدة, الى القصر الملكي في الرباط, انتقالا في المنهج والاسلوب في التعاطي مع هذه الملفات التي كانت تحتل الحيز الكبير في برامج احزاب المعارضة السابقة قبل ان تتولى المسؤولية الحكومية منذ عام ونصف العام تقريبا. ويرى المراقبون ان مبادرات مهمة ستتم على صعيد تعزيز دور حكومة عبدالرحمن اليوسفي لجهة دعم تجربة التناوب السياسي أولا لتصبح تقليدا في انتقال السلطات وفق نتائج الانتخابات التشريعية, وكذلك لجهة تنفيذ برنامجها الاجتماعي الذي لم يجد بعد طريقه الحقيقي رغم مضي كل هذا الوقت على تشكيلها. واذا كان يبدو من السابق لأوانه توقع انجازات محددة في هذا المسار, لكن بالامكان القول ان الاشارات القوية التي اطلقها الملك محمد السادس في أول خطاب له والمستوحاة من تقويمه للاوضاع الداخلية ستعيد جدولة اعمال الحكومة المغربية, حيث ستعطي الاولوية للاصلاحات السياسية والملفات الاجتماعية وتأهيل الاقتصاد المغربي حتى يكون جاهزا في افق عام 2010 موعد البدء باتفاقية منطقة التجارة الحرة بين المغرب والاتحاد الاوروبي. لقد كان أول عمل قام به الملك الحسن الثاني ان اقام نظاما دستوريا قبل نهاية 1962, واستمر في هذا المسار ليرسي دعائم دولة عصرية ترسخت مكانتها على اساس الدور الشخصي للملك الراحل كفاعل كبير في ملف الشرق الاوسط وعامل تهدئة واستقرار في المنطقة مما جعله وجها مألوفا على الصعيد العالمي, حيث لم يفتر جهده في الدفع بالقضايا العربية وتنقية الاجواء والدفاع عن الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة, غير أن الدور المناط بالملك الجديد ليس هو الدور ذاته, ذلك ان امام الملك الشاب مهمة حماية الثوابت التي أرساها الملك الراحل لضمان استمرارية الدولة المغربية, وخياراتها الداخلية والخارجية قبل أي شيء آخر. وفي حال اعتبار الخطاب مرجعية لنهج سياسي, فدون شك أن الملك محمد السادس سيطبع السياسة المغربية بأسلوبه الخاص, على اعتبار أن الوضع الذي يرثه كان مغايرا لذلك الذي ورثه الملك الراحل, وعلى اعتبار نوعية المشاكل التي عليه مواجهتها وهي مشاكل عانقها منذ نشأته والى الحد الذي غابت معها تلك الصور التي كانت للملك الاب في اتقانه لعبة الجولف وركوب الخيل وبرمجة الكمبيوتر, فيما عرف عنه انه رجل هادىء الطباع, واسع الاطلاع من خلال دراسته الاكاديمية والمواقع التي شغلها بما في ذلك مسؤوليته في القوات المسلحة. وباختصار فان الملك الشاب قد أذن للجيل الشاب ان يبدأ خطوته الاولى من الآن في دولة المؤسسات. الرباط ــ رضا الاعرجي