قطاع المياه في الشرق الأوسط عموما ومنطقة الخليج خاصة أهم القطاعات المرشحة لجذب المزيد من الاستثمارات ورؤوس الأموال إليه خلال السنوات العشر المقبلة وهو ما يعبر عنه تهافت الشركات العالمية العاملة في مجال الإدارة والتشغيل وصناعة محطات المعالجة والتكرير على المنطقة بحثا عن العقود التي تزيد قمتها على 25 مليار دولار بحلول عام 2010. وتأخذ عقود المياه في الشرق الأوسط صيغا متنوعة وذلك وفقا للظروف الخاصة بكل دولة على حدة, ففي منطقة الخليج على سبيل المثال تتركز العقود بصفة رئيسية في مجال تحلية المياه إلى جانب التوسع في تنمية مصادر المياه الجوفية والتوسع في إقامة السدود لتخزين مياه الأمطار إضافة إلى مشاريع تكرير المياه المهدرة للاستفادة منها في قطاع الري. ويقدر خبراء البنك الدولي تكلفة مشروعات التحلية المقررة من دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الخمس المقبلة بقيمة تتجاوز الـ 5 مليارات دولار وذلك دون أن يشمل هذا الرقم الكلفة المقدرة لإقامة المزيد من لإقامة المزيد من السدود حيث ترتكز في منطقة الخليج العربي نحو 60% من طاقة تحلية المياه في العالم, ومالا يمكن إنكاره هو أن المصدر مكلف للغاية, فقد نجحت عدة دول في إنشاء مشاريع للتحلية إلا أن التكنولوجيا المستخدمة للتحلية فيها باهظة التكاليف فضلا عن الطاقة المكثفة المستخدمة فيها, فعلى سبيل المثال نجد أن سلطنة عمان تنفق نحو 532 مليون دولار في مشاريع التحلية, كما وقعت البحرين عقدا بقمة 171 مليون دولار أمريكي لتنفيذ مشاريع الطاقة وتحلية المياه, ونفس القول ينطبق على دولة الإمارات العربية المتحدة التي أنفقت نحو 300 مليون دولار لإنشاء مشاريع لتحلية المياه من اجل تلبية احتياجاتها المستقبلية التي تقدر بنحو 600 مليون جالون بحلول عام 2015. وإذا كانت تحلية المياه تحتل المرتبة الأولى في جذب الاستثمارات إلى قطاع المياه فان شبكات المياه تحتل هي الأخرى مرتبة مهمة حيث تمثل شبكات المياه في منطقة الخليج العربي قطاعا جاذبا للاستثمارات خصوصا في ظل التقارير التي تقدر نسبة الهدر في هذه الشبكات بأكثر من 25% وأحيانا 50% في بعض الدول وهو ما يعني أن أية خطوة طموحة وجادة لتحسين مصادر المياه في المنطقة لابد أن تأخذ في الاعتبار ضرورة تجديد الشبكات والحد من ضياع نسب ضخمة من المصادر المالية المتوافرة. كما تم توجيه جزء من الاستثمارات في قطاع المياه إلى تحسين مستوى وفرة المياه خلال المرحلة المقبلة من خلال التخلي عن الطرق التقليدية للري الزراعي لاستبدالها بالأنظمة المتطورة التي بدأ اعتمادها بصورة محددة في بعض دول المنطقة مما يحقق وفرا يزيد على 50% من حجم الطلب الحالي لأغراض الري خصوصا ري الأشجار المثمرة والزراعات المحلية. وبنظرة على أوضاع المياه في منطقة الخليج العربي نجد أنها تواجه أزمة بالفعل وأنها لابد أن تتخذ العديد من الخطوات العاجلة لمواجهة هذه الأزمة وليس أدل على ذلك مما قاله (اريك جانكل) مدير مركز الشرق الأوسط لتحلية المياه في سلطنة عمان (انه ليس هناك منطقة في العالم اكثر حاجة للاعتماد على مصادر مياه متعددة مثل منطقة الشرق الأوسط) . كما تقدر الدراسات التي أعلنها المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (اكسادا) أن إجمالي الموارد المتجددة المتاحة في المنطقة العربية يقدر بنحو 265 مليار متر مكعب سنويا منها نحو 39 مليارا من المياه الجوفية, فإذا كان عدد سكان الدول العربية يقدر بنحو 5.375 مليون نسمة, فنستنتج من ذلك أن معدل نصيب الفرد من هذه الموارد يقدر بنحو 994 مترا مكعبا سنويا, أحيانا علمنا أن المعدل المطلوب للاستقرار المائي وفقا لما أورده البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة كحد أدنى مقبول لنصيب الفرد من الموارد المائية هو 1000 متر مكعب للفرد سنويا تتضح خطورة الموقف والتي ستتزايد حدتها في ضوء التزايد المطرد لعدد سكان المنطقة العربية الأمر الذي سيؤدي إلى تناقص هذا المعدل إلى 465 مترا مكعبا فقط سنة 2025. ووفقا للمؤشرات المائية العالمية فان الوضع يوصف الفقر المائي الخطير الذي يعوق النمو الاقتصادي والاجتماعي إذا قل نصيب الفرد عن 500 متر مكعب سنويا, وفي ظل هذا الوضع يمكن القول أن وضع المياه في المنطقة العربية يعتبر الأسوأ في العالم مقارنة ببقية التكتلات السكانية الكبيرة حيث يبلغ معدل نصيب الفرد من المياه في افريقيا 5500 متر مكعب سنويا وفي آسيا 3520 مترا مكعبا وفي العالم كمتوسط حوالي 7180 مترا مكعبا سنويا. وهناك العديد من الأسباب التي دفعت بمنطقة الخليج لتدخل منطقة (الخطر المائي المتوقع) ويمكن النظر إلى هذه الأسباب من عدة زوايا مختلفة أولها محدودية الموارد المائية بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة والتي تجل جزءا كبيرا من أراضيه ضمن الأقاليم المناخية الجافة وشبه الجافة, والتي تقل فيها الأمطار وتمتد فيها اكبر رقعة صحراوية من العالم وتتميز بارتفاع معدل الفاقد من الأمطار عن طريق التبخر على مدار العام مما يقلل الاستفادة من المياه الفاقدة ويؤثر سلبا على المياه الجوفية.. الأمر الثاني تصاعد الهدر المائي سواء بالنسبة لشبكات التوزيع التي تهدر ما بين 60.40% من كمية المياه أو بسبب إسراف المواطن العربي في استهلاك المياه, إذ يتصاعد الطلب الفردي على مياه الشرب ويبلغ أقصاه في الكويت (592 لترا يوميا) تليها قطر (496 لترا يوميا) ثم السعودية (400 لتر يوميا) فالعراق (346 لترا يوميا) بينما يبلغ أدناه في سلطنة عمان (67 لترا يوميا). والسبب الثالث والذي لا يقل أهمية عن السببين السابقين تدني كفاءة القطاع الزراعي الذي يستهلك نحو 88% من استخدامات المياه وتبلغ نسبة الفاقد من المياه في الزراعة المروية أثناء النقل والتوزيع في الحقول نحو 80 مليار متر مكعب سنويا أي ما يعادل نسبة 50% ويرجع ذلك أساسا إلى أن أسلوب الري السائد في معظم الدول العربية هو الري السطحي الذي يشمل 90% من الأراضي المروية في الوطن العربي ويتسم هذا النظام بضعف كفاءته التي تتدنى إلى 50%. ويرصد الباحثون عدة بدائل للتغلب على فجوة الموارد المائية في المنطقة, منها الاهتمام بالعمل على تنفيذ وتمويل عدة مشروعات مائية مهمة مثل أنابيب السلام التركي الذي تحاول تركيا من خلاله توصيل مياه نهري سيحون وحيحون إلى سوريا والأردن وفلسطين والسعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات وإسرائيل ( على الرغم من أن هناك اعتراضات عربية عارمة على هذا المشروع لمرور الخطوط أهمية القنوات بالأراضي الإسرائيلية) وتبلغ تكلفة المشروع الإجمالية نحو 19 مليار دولار. ويشير بعض الباحثين إلى انه من المفيد للسعودية خلال الفترة المقبلة أن تعتني بإقامة مجموعة من السدود مثل سد بيشة, خاصة أن إنشاء مثل هذه السدود من الممكن أن يقلل من التكلفة الباهظة لمياه التحلية, فجبال السروات الممتدة على الساحل الغربي للمملكة من الشمال إلى الجنوب تعتبر منطقة مهيأة لبناء السدود, فكثير من الأودية يجري من شرق المملكة إلى غربها ويمكن هنا حجب مياه الأمطار والاستفادة منها, كما يجب دراسة كيفية الاحتفاظ بكمية المياه المهدرة التي تذهب إلى مياه البحرين دون الاستفادة منها, فبدلا من تصريفها في مياه البحر يتم تخزينها من مصادرها إلى حين الحاجة إليها.. وذلك فضلا عن ترشيد استهلاك الموارد المائية المقامة لتحقيق أعلى كفاءة من المياه المستخدمة خصوصا في قطاع الزراعة الذي يستأثر بنحو 83% من إجمالي الموارد المائية السطحية, إذ من الضروري تطوير السياسات المائية لترشيد استخدامات المياه لتقليل الفاقد منها بشتى الوسائل الممكنة وزيادة كفاءة استخدامها وصولا إلى الاستغلال الأمثل للموارد المائية وقد يكون ذلك من خلال استخدام التقنيات الحديثة للري مثل الري بالتنقيط والري بالرش الذي تتراوح كفاءة استخدامه ما بين 75 إلى 85% وتستخدمه السعودية بنسبة 64% من مجموع مساحتها المروية. والى جانب البدائل السابقة يلقي البعض بالأهمية على إضافة موارد مائية جديدة كالتوسع في استخدام المياه الجوفية مياه التحلية وهو موضوع ذو اهمية كبيرة للمنطقة الخليجية بصفة عامة, فقد تطور تطورا مهما لجهة استخدام مياه البحر, فثلاث دول خليجية احتلت ثلاثة مراكز من المراكز الخمسة الأولى عالميا في مجال تحلية المياه وهي السعودية الأولى بنسبة 8.28% والكويت الثانية بنسبة 20% والإمارات العربية المتحدة في المرتبة الرابعة بنسبة 10%. القاهرة ــ احمد صفي الدين