ولدت عام 1916 بمنطقة الدرب الأحمر بمحافظة القاهرة, ولم أذهب الى شربين الا عام 1939 بهدف زراعة ورعاية أرض يملكها والدي فيها . جاء ارتباطي بشربين عبر أوروبا, ويعود ذلك الى حكاية وقعت لي في صيف عام 1935.. ففي صيف هذا العام حصلت على شهادة (البكالوريا) من مدرسة القبة بالقاهرة.. وقبل الامتحانات اعلنت صحيفة الاهرام عن رحلة لأوروبا تبدأ من الاسكندرية وتجوب عددا من المدن الاوروبية ثم تعود الى بيروت والاسكندرية مرة أخرى لمدة شهر وبتكلفة قدرها 60 جنيها.. وطلبت من والدي الاشتراك فيها فوعدني شرط النجاح في البكالوريا.. وخلال الرحلة لم تبهرني مدن الغرب التي زرتها مثل نابولي وروما والبندقية وفينيسيا, وفيينا وبودابست وبوخارست واسطنبول وغيرها.. فالقاهرة آنذاك لم تكن تقل جمالا ونظافة وروعة عن هذه المدن, حتى دار الاوبرا كانت موجودة في القاهرة, ولاتقل عن مثيلاتها في أي دولة في العالم. الذي بهرني حقيقة هو ريف أوروبا.. كان في نفس مستوى معيشة المدن, ويمتاز بالجمال, عكس الريف المصري الذي كان يعيش حياة البؤس قبل ثورة يوليو.. كانت شربين نموذجا واضحا على ذلك, ففي فصل الشتاء.. وعندما تتساقط الامطار كانت تتحول الى بركة من الوحل والطين الى درجة جعلت قاضي محكمتها يصفها بأنها (شرُُُ ُ) بَيْن) . لما عدت من رحلتي الأوروبية قلت في نفسي اذا كنت اطالب بإصلاح اجتماعي فهذا يتطلب أن أكون وسط الفلاحين وبالفعل عقب انتهائي من الدراسة بالجامعة عام 1939 ذهبت للإقامة بشربين وسألني والدي الذي كان ناظراً للخاصة الملكية وأول مدير لبنك التسليف الزراعي ماهي الكلية التي ستلتحق بها ورشح لي أما الهندسة أو مدرسة التجارة العليا. لكن قلت له: سأدخل كلية الزراعة ففرح بذلك لأنه أخيرا وجد واحداً من ابنائه الأربعة سيرعى أرضه, فكان يمتلك قطعة أرض قريبة من القاهرة وأخرى بكفر الشيخ بجانب ارض شربين, وطبعا لم أخبر والدي بالسبب الحقيقي وراء إختياري لهذه الكلية وهو رغبتي ان اكون وسط الفلاحين. الاصلاح الاجتماعي وبمجرد حصولي علي بكالوريوس الزراعة من جامعة القاهرة ذهبت الى (شربين) .. وبدأت نشاطي مع مجموعة من شباب المدينة حيث اسسنا جمعية باسم (الاصلاح الاجتماعي) تقدم خدمات وانشطة تعود بالنفع على الأهالي وبدأنا عملنا بالمدرسة الابتدائية الوحيدة التي كانت موجودة بالمدينة آنذاك, وكانت عبارة عن الدور الثاني في مبنى ملك لاحدى الاسر ومكون من ثلاثة أدوار الاول يستخدم كمخازن والثالث سكن لهذه الاسرة والأوسط هو المدرسة التي تتبع الجمعية الخيرية الاسلامية وليس الحكومة. واستطعنا الحصول على الدور الأول والثالث للمدرسة كما حصلنا على قطعة أرض مجاورة وأدخلنا المبنى فيها وحولناها إلى فناء وبنينا سوراً وأصبحت المدرسة الابتدائية تابعة للحكومة. وهكذا تواصل نشاطنا مع الأهالي في مثل هذه المجالات الخدمية التي عادت عليهم بالنفع والخير الكثير. ومن هنا ارتبطت بالناس في هذه المنطقة وطُرح أمر ترشيحي لمجلس النواب وأصر الاهالي على ضرورة ترشيح نفسي وهذا ما تم فعلا في انتخابات عام 1949 وأذكر انني تقدمت للترشيح في الانتخابات السابقة وتقريبا كانت عام 45 ولكن رُفضت أوراقي لأنني لم أكن أكملت سن الترشيح آنذاك وهو 30 عاماً ورشحت نفسي في انتخابات 49 تحت لافتة حزب مصر الاشتراكي وهو إمتداد لحركة مصر الفتاة التي أسسها الراحل أحمد حسين. انضممت قبل هذا الى حركة مصر الفتاة عام 30 عقب دخولي الجامعة وفي هذا العام حدثت واقعة كوبري عباس والتي شاركت فيها وكنت قاب قوسين أو أدنى من الموت برصاص الإنجليز. لكن في اليوم السابق على مظاهرات كوبري عباس صرح مستر (هور) وزير خارجية انجلترا في ذلك الوقت بأن دستور عام 1930 أصلح لمصر من دستور 1923 وهذا التصريح أشعل المظاهرات في هذا اليوم 13 نوفمبر عام 1935 وفي اليوم التالي مباشرة كانت واقعة كوبري عباس. على (كوبري) عباس في يوم 13 نوفمبر خرجنا في مظاهرات للتنديد بتصريحات (هور) ومعنا طلاب مدرسة السعيدية واتجهنا الى ميدان عابدين فأطلق علينا الجنود الانجليز رصاص (فشنك) لتفريقنا كما انهالوا علينا بالعصي والهوات ونالني الكثير منها فذهبت الى طبيب العائلة الدكتور محمد عبدالحميد والذي كان مديرا لمستشفى الملك فعالجني ونصحني بالبقاء في المنزل للراحة عدة ايام. ولم انفذ كلامه ففي اليوم التالي خرجت مظاهرات حاشدة من جامعة القاهرة وطلاب السعيدية واتجهت الى كوبري عباس وحدثت المذبحة المعروفة حيث تم فتح الكوبري وقتل زميلي بكلية الزراعة عبدالمجيد موسى برصاص الانجليز وكذلك زميلنا عبدالحكم الجراحي واصيب عدد كبير من الطلبة. وفي هذا اليوم عبرت الكوبري وفي انتظار قدوم بقية الطلبة وجلست على سور (فيلا) في نهاية الكوبري أقيم بدلا منها عمارة يقطن فيها الآن مجدي حسين رئىس تحرير الشعب وكان في يدي (سيخ) حديد.. فنزلت وضربت جندي انجليزي على رأسه فرآني زميله فأطلق علي رصاصة اخترقت فخذي الأيمن وخرجت, لم أتمالك نفسي ووقعت بجانب عبدالمجيد مرسي الذي كان ينزف بغزارة من فمه من تأثير اطلاق النار عليه.. ولولا وقوعي بجواره والدماء التي تنزف منه والانشغال به لكان هذا الجندي أجهز علي برصاصات أخرى. وقد حملنا الطلاب على عربة كارو ومعي عبدالمجيد الى مستشفى قصر العيني حيث تم تطهير جرحى وتضميد جراحي وخرجت الى منزلي وهذا جعل لي وضعاً مختلفاً بين طلاب الحركة الوطنية وفي الجامعة. اذن رحلة أوروبا ومشاهداتي فيها وانضمامي لمصر الفتاة ونشاطي بين الطلاب شكل وجداني وتفكيري وتوجهاتي فذهبت الى شربين وأخذت اعمل وسط أهلها لذلك أصروا على ترشيحي ولما كان سني لايسمح فكر البعض في ان اغير تاريخ ميلادي وكانت قد حدثت حالات سابقة منها فؤاد سراج الدين حيث ثبت انه في احدى دورات مجلس النواب غير تاريخ ميلاده حتى يمكنه الترشيح.. ولكني عدلت عن ذلك حتى برلمان عام 1949 وقدمت أوراقي الى المديرية في طنطا وكتبت انني مرشح عن حزب مصر الاشتراكي لكن مدير المديرية رفض اخذ الاوراق قائلا لي: نحن في ملكية.. فكيف تكتب (اشتراكي) .. يا أخي اكتب مستقل أو أي حاجة أخرى الا كلمة (اشتراكي) . وامام اصراري اتصل بالقاهرة وكانت وزارة حسين باشا سري هي التي ستجري الانتخابات وكان الدكتور محمد هاشم وهو استاذ بكلية الحقوق وزيرا للداخلية, واطلع مدير الغربية المسؤولين على اصراري للترشيح تحت اسم حزب مصر الاشتراكي والاكتبت في الصحف عما يحدث لي قالوا له: اتركه يفعل ويكتب مايشاء فهو لن ينجح. ودائرة شربين في ذلك الوقت كانت مستقلة انتخابيا لكنها ادارياً تتبع مدينة طنطا وكانت واسعة جدا تمتد من قرية (السنانية) امام رأس البر بدمياط وتشمل طلخا وحتى بلقاس وكان مرشحها يأتي احيانا من طنطا مثل الدكتور العجيزي أو من احدى القرى الصغيرة بالدائرة ولذلك أصر اهالي شربين في هذه الانتخابات ان يكون المرشح من دائرتهم وليس من خارجها وان يكون من شربين نفسها وليس من القرى الصغيرة التابعة لها. خمسة آلاف ... للترشيح وحدث أن المرشح المنافس لي وهو مرشح الوفد ويدعى علي أبو الفتوح, وهو من عائلة كبيرة وله ثقله ودفع للوفد (5) آلاف جنيه حتى يتم ترشيحه وكان اي شخص يريد الترشيح تحت اسم الوفد يدفع مثل هذا المبلغ الضخم جداً في ذلك الوقت. وكان علي ابو الفتوح من (بلقاس) وهنا ثار أهالي شربين وأصروا على خوض المعركة معي للنهاية.. فقلت لهم ان والدي رغم انه كان عضوا بمجلس الشيوخ لكن بالتعيين ولم يدخل اي انتخابات وكذلك اقاربي وعائلتي فلاتتوقعون ان يقف احد منهم بجانبي فقالوا: نحن معك حتى النهاية. قام الأهالي يجمع (150) جنيهاً تأمين دخولي الانتخابات من جيوبهم وكذلك كافة نفقات الدعاية.. وقامت جمعية الاصلاح الاجتماعي بخطوة مهمة جدا علي مدار العامين السابقين على الانتخابات ودون ان يشعر أحد, فأضافت الى كشوف الناخبين كل ابناء شربين الذين أصبح لهم حق التصويت سواء المقيمين فيها أو خارجها وبذلك ارتفع عدد اصواتها من 1800 صوت الى 7800 صوت اي بزيادة 6000 صوت وهذا كان سببا في فوزي في الانتخابات اما حسابات المنافسين خاصة مرشح الوفد ان شربين فيها 1800 صوت فقط وانني مهما فعلت لن انجح لذلك كانت النتيجة مفاجأة مذهلة للجميع, وكنت النائب الوحيد الذي يمثل حزب مصر الاشتراكي بمجلس النواب. وكان لي نشاط بارز في خلال السنوات القليلة التي قضاها هذا المجلس قبل توقفه اثناء حريق القاهرة في يناير 1952 واول مشروع قانون قدمته باسم حزب مصر الاشتراكي كان قانون الاصلاح الزراعي ورفضه المجلس الذي يسيطر على اغلبيته حزب الوفد. وكان عدد نواب المعارضة قليل في هذا المجلس ودائما يجلسون بجوار بعضهم في يسار المجلس.. والقانون كان ينظم عملية ملكية الارض ومساحتها لدى الأفراد والعائلات ولكن رئيس المجلس عبدالسلام فهمي رأى أنه لا توجد مشاكل بالنسبة للملكية الزراعية ولاداعي لهذا القانون وتم رفضه. وبعد سنوات قليلة جدا تقوم الثورة وتبدأ بهذا المشروع ويتم تحديد الملكية الزراعية واخذت الثورة بنفس المذكرة التفسيرية التي أرفقتها بالمشروع.