رحل الملك الحسن الثاني وبقي الارث الذي خلفه لنجله الملك محمد السادس, كبيرا ومليئا بالملفات على المستويين الداخلي والخارجي, ففي الداخل ارث سياسي بدأه الملك الراحل ببدء خطوات جديدة على طريق الديمقراطية والتبادلية السياسية في الحكم مع المعارضة كسابقة فريدة لنظام سياسي في دولة افريقية, بجانب قضية الصحراء الغربية التي أرقت المغرب طويلا ومن المنتظر أن يتم حسمها في استفتاء العام المقبل ,2000 وارث اجتماعي محصلته نسبة عالية من الأمية والفقر والبطالة, وعلى المستوى الخارجي دور المغرب في تحقيق حلم الاتحاد المغاربي, وتحسين علاقات الجوار مع الجزائر والمرور بها من عنق الأزمة, ودورها في عملية السلام بالشرق الأوسط, ولقد حقق الملك الحسن نجاحات كبيرة في الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع اليهود المغاربة بجانب احتوائه للاصوليين الاسلاميين, وهي معادلة صعبة تمكن من تحقيقها بحنكة عالية لم تتوافر لغيره من الزعماء العرب والمسلمين, والملك الجديد لا توجد أمامه خيارات أخرى إلا أن يسعى لتحقيق هذا التوازن أيضا حفاظا على أمن واستقرار البلاد. حول سياسة الملك الراحل والتوقعات المستقبلية لسياسة خلفه حاور (الملف) الدكتور فرانك هيندركس اخصائي الشؤون المغربية والمراقب السياسي للمغرب العربي في معهد السياسة الدولية في لاهاي, وفيما يلي نص الحوار: كيف تقيم المرحلة التي تربع فيها الملك الراحل على العرش؟ ــ تمكن الملك حسن الثاني من الجلوس على كرسي العرش قرابة الاربعين عاما, وخلال هذه الفترة نجح في ان يحتفظ بشخصية شاملة لها جانبان يبدوان متناقضين, لكنهما في الواقع متكاملين, فكان تارة يتعامل مع شعبه في شكل الراعي الطيب الكريم الذي يمنح كل ما لديه لشعبه, وأخرى الحاكم القوي الذي لا يتهون في أية صغيرة أو كبيرة, واعلم عن قرب من منطلق رصدي للسياسة المغربية ان الملك الحسن لم يكن يخفي مشاكل الحكم أو البلد, فقد كان يؤمن دائما ان المشاكل وجدت لأن تحل ويجب مواجهتها شريطة أن يكون وضع الحاكم قويا, حتى انه اعترف في كتاب له أصدره عام 93 حول حكمه ان نصف القرارات التي أصدرها في حياته كانت خطأ, وانه يعمل على اصلاحها, إذ قال حرفيا (لدي الجرأة لرؤية أخطائي والعمل على اصلاحها) . وفي التاسع من هذا الشهر احتفلت المغرب بعيد ميلاده السبعين, وكانت اجازة رسمية للمواطنين الذين خرجوا للاحتفال بهذه المناسبة, واستثمر الملك الحسن هذه المناسبة لاعلان ان الدولة خصصت من موازنتها 600 مليون دولار لعلاج جزء من مشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب, فالغالبية العظمى من الشعب في سن الشباب ويعانون من مشاكل اجتماعية, نظرا لاقبال الغالبية العظمى منهم على الدراسة ولكن بدون أمل في الحصول على عمل, ولا يمر أسبوع بدون وجود مظاهرات أمام البرلمان يقودها خريجو المدارس والجامعات بسبب فشلهم في الحصول على عمل. فنسبة البطالة تزيد عن 19%, والسماح بهذه المظاهرات كانت مؤشرا لانفراجة الديمقراطية والحرية بالمقارنة بالماضي, حيث كانت الشرطة تمارس القبض الفوري على المتظاهرين بأوامر عليا, فقد بدأ الملك الحسن في حذر ترسيخ نظام ديمقراطي لكن القدر لم يمهله لتطبيق هذا النظام وجني ثماره, والأمل الآن معقود على نجله الملك محمد السادس لاكمال ما بدأه والده الراحل. فليس فقط المناخ السياسي الذي تغير مؤخرا في المغرب, بل شملت المتغيرات الملك نفسه, فقد تأكد منذ بداية هذا العقد انه لابد من اجراء عمليات تحديث وتطوير للمغرب, وكذلك اجراء تنمية اجتماعية واقتصادية, كما أصبحت لديه أحاسيس قوية بأن تجميع كل مراكز السلطة في يده من خلال الاحزاب التي تدين له بالولاء لا يمكن استمرارها مع المتغيرات العصرية لان ضررها أصبح أكثر من نفعها, خاصة مع بدأ انتشار مؤشرات للفساد والرشوة بين الصفوة التي تحتل مراكز القوى والسلطة, ورأى الملك الحسن انه ليس من المناسب لتطهير هذا الفساد عمل مذبحة سياسية ونفي المتورطين للصحراء مثلما حدث في السبعينات, فهذا الاسلوب لم يعد يتلائم مع معطيات العصر السياسية في بلده, ورأى ان محاربة هذه المشاكل إنما يأتي من خلال اشراك الاشتراكيين المعارضين في الحكومة, ورغم ذلك لم يتنازل في نفس الوقت عن قوته السياسية وتسييره للأمور في البلاد, وعلى الرغم ان الملك كان قد بدأ في اشراك المعارضة السياسية في الحكم, الا ان توجيه الانتقادات للملك ظل من المحرمات, وكانت كل خيوط اللعبة السياسية في يديه. سياسة التوازنات وبعد انتخابات عام 97 تحقق له ما يريد, فجاء للسلطة المعارضة السابق له عبدالرحمن يوسفي كرئيس للوزراء, وفي نفس الوقت احتفظ الملك بأهم مناصب الوزراء للأشخاص الذين يدينون له بالولاء خاصة وزير الداخلية الذي يتمتع بالقوة ارديس البصري, وهو معروف بأنه رجل المهام الصعبة لحل أية مشكلة قد تنشأ داخل أية مصلحة حكومية أو مؤسسة أو هيئة أو حتى وزارة أخرى, ولا يقوم بهذه المهمة الوزراء المغبون. وقد أثبتت الـ 38 سنة التي تربع فيها الملك الحسن على العرش انه يجيد لعبة السياسة والقوة, وخلال هذه الفترة كان يخرج من كل أزمة تمر بها بلده داخليا, وكانت أكبر مقامرة سياسية قام بها عام 75 والتي وحد خلالها كل الفصائل السياسية المغربية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها لتأييده في سياسته مع الصحراء الغربية, فقد نجح في تحويل القضية الى مسألة قومية, على الرغم من ان هذه المسيرة الخضراء ادت الى نشوب حرب شعبية مع حركة البوليساريو, ومع جارته الجزائر, وقد نجح الملك بهذه الطريقة في توجيه الجيش للحرب ضد البوليساريو, وان يجمع صفوف الشعب للتضامن في جبهة واحدة في هذه القضية, والسؤال: هل ينجح ابنه محمد السادس الذي تولى العرش في اجادة لعبة السياسة والقوة والتوازن ...؟ المؤكد ان الملك الجديد يحظى بشعبية كبيرة فهو ينخرط مع المواطنين لملامسة حياتهم الطبيعية, والمقربون منه يؤكدون نزوعه الشديد للديمقراطية. ولقد كان الملك الحسن يتمتع بملكة السيطرة ويتمتع بخبرة شديدة في منع قيام التكتلات ضده, وهو أكبر زعيم عربي بقي في الحكم لأكثر من ثلاثة عقود, وهو أول زعيم شكل نظام الأحزاب المختلفة في بلده, لكنه حافظ دائما على بقاء ثلثي أعضاء البرلمان تحت رقابته وسيطرته, كما احتفظ لنفسه بحق تغيير القوانين والتشريعات, وعلى الرغم من ذلك كانت المغرب أكثر الدول استقرارا في افريقيا وتحررا اجتماعيا. بوادر الانفراجة المغربية في العلاقة مع الجزائر هل يمكن تعليق الآمال عليها واستمرارها على يد الملك محمد السادس؟ ــ وجود الرئيس الجزائري بوتفليقة في جنازة الملك الحسن يعد اشارة ايجابية سياسية واضحة في رغبة الجزائر في انهاء الأزمة التي طالت مع الغرب بخصوص موقفها من مشكلة الصحراء الغربية, خاصة وان هذه الزيارة التي جاءت ضرورية بفعل تقديم واجب العزاء رافقت وجود اشارتين سابقتين, فقد سبق ان هنأ الملك الحسن الرئيس بوتفليقة بنجاحه في الانتخابات الرئاسية ورد عليه الرئيس الجزائري برسالة اتسمت بلهجة ودية, واكبت في ذات الوقت بعض المعطيات الجديدة على الساحة لإعادة الروح لاتحاد المغرب العربي, وهي الأمانة التي تركها الملك الحسن في عنق نجله, وعلى الملك الجديد ان يبذل كل مساعيه السياسية لتحقيق هذا الحلم مكانة متميزة ما هو الدور الذي لعبه الملك الحسن في عملية السلام, وهل هناك توقعات لامتداد هذا الدور في عهد الملك محمد السادس؟ ــ موت الملك الحسن يعتبر سقوط لأحد أعمدة كبار مهندسي السلام في الشرق الأوسط, الاسرائيليون اليهود الذين من أصل مغربي اصابتهم صاعقة من موت الملك الحسن, لأنهم من قلوبهم بقوا مغاربة, والملك الحسن الثاني كان صديقا لليهود, وهو الزعيم المسلم الوحيد الذي كان يعرف كيف يتعامل معهم ويحتفظ بعلاقات طيبة, ووزير الخارجية الاسرائيلي الحالي ليفي هو مغربي يهودي, وتجدر الاشارة الى ان المستشار الاقتصادي للملك الحسن اندريه ازولاي هو يهودي, وليس بغريب ان يعترف شيمون بيريز احد مؤسسي عملية السلام انه قد بدأ الاتصالات مع الملك الحسن وزيارته للرباط قبل أن يجلس مع عرفات والفلسطينيين الى طاولة المفاوضات, وذلك في الوقت الذي كانت فيه العلاقات متوترة بين اسرائيل والعرب وكان أي جسر للعلاقة مع دولة عربية نوعا من المحرمات, واي اسرائيلي يقيم علاقة مع العرب تعتبره اسرائيل خيانة عظمى. وكان يدرك أهمية العلاقة الاستراتيجية بين اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية, ولعب هذا الادراك دورا عندما نظم الملك لقاء بين موشي ديان وزير الدفاع الاسرائيلي الأسبق وعدد من نواب الرئيس المصري الراحل أنور السادات بمباركة أمريكية, وهو الطريق الذي أوصل مصر الى اتفاقية السلام عام ,1979 ومن هذا يتضح الدور الكبير الذي لعبه الملك الحسن في عملية السلام مع اسرائيل سواء فيما يتعلق بمصر أو بفلسطين. والملك محمد السادس الذي يعتبر اصغر قائد في المنطقة العربية الآن أكد وهو في قلب احزانه اثناء تلقيه واجب العزاء من كلينتون ومبارك وعرفات انه سيسير على نهج والده ومسيرته في جهود السلام, ولكن تبقى هذه التأكيدات في مراحلها الأولى, فلم تتضح بعد سياسة الملك الجديد, وان كان من المتوقع ان يسير على نهج والده, فاحتفاظه بذات العلاقات الجيدة مع اليهود يمثل نقطة توازن وامن داخلي لبلاده التي يمثل داخل مجتمعها نسبة غير قليلة من اليهود. واذا كان الملك محمد السادس سيحفاظ على علاقته باليهود, فهذا لن يمثل أية مشكلة للمغرب, لكن السؤال الأهم في السياسة المغربية الداخلية هو علاقته بالأصوليين الاسلاميين, وهل سيتبع سياسة والده في هذا الاطار أم لا؟ كيف تفسر ذلك وما هي توقعاتك بشأنه في المستقبل؟ ــ لقد نجح الملك الحسن الثاني في منطقة شمال افريقيا تطويق الأصولية والتعامل معها بحكمة ادت الى عدم حدوث انفجار في بلاده, وذلك على عكس مصر والجزائر, ويعود ذلك الي انه كان لديه علم ومعرفة واسعة بالدين الاسلامي اضافة الى ان المغاربة بالفعل بمن فيهم معظم عناصر المعارضة كانوا ينظرون له كأمير للمؤمنين ومن نسل النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -, وكان يردد من وقت لآخر عبارته الشهيرة (أنا أكبر الأصوليين المسلمين في المغرب) وقد نجح بذلك في قطع خط الرجعة على بروز تيار أصولي اسلامي يعارضه, وقد حرص في حياته على استمرار اللقاءات الدينية التي كانت تتسم بمناخ روحي عالٍ, وكانت هذه اللقاءات بمثابة حوارات مستمرة وقائمة تجسد ما قد تطالب به أية حركة اسلامية. أما الملك محمد السادس فهو لصغر سنه, وطبيته وميوله الليبرالية لا تتوافر له تماما المؤهلات والمكانة التي كانت لدى والده, وقد يفقده هذا العنصر الاحتفاظ بعلاقة التوازن والهيمنة على الأصوليين, ولكن قد يكمن الحل في التفاف رجال الدين من الشيوخ حوله والذين كانوا يلتفون حول والده في لقاءاته الدينية فبقاؤه مستندا على دعمهم هو الحصن الوحيد بالنسبة له لبقاء علاقته بالاسلاميين في ذات التوازن والجودة التي حققها والده. حوار : سعيد السبكي