رغم أن الرجل كان قد بلغ السبعين من عمره وكانت قد رشحت أنباء عديدة عن متاعبه الصحية في السنوات الأخيرة, ورغم صعوبة الحياة لأربعة عقود متوالية في مركز السلطة ببلد صعب كالمغرب .. إلا أن غياب الملك الحسن الثاني كان مفاجأة للأقربين والأبعدين, وجاء رحيله في وقت حرج تبدو فيه المملكة المغربية وقد قطعت أنصاف طرق في مسارات عديدة صاعدة وتحتاج لجهد كبير لبلوغ غاياتها, فضلاً عن أنها تعاني أيضاً من مشكلات مزمنة مازالت تنتظر حلولاً جذرية ليست هينة. والناظر بعمق الى مسيرة المغرب المعاصرة يستطيع أن يدرك كم بذل الحسن الثاني من جهود لتدعيم ملكه, وكم اتخذ من اجراءات مألوفة أو غير متوقعة للنجاة بنفسه وبالمغرب من مطبات خطرة, وكم كانت أحلامه كبيرة في مسيرة غنية أصاب فيها وأخطأ وترك في كل الأحوال بصمات عميقة في تاريخ المغرب المعاصر والوطن العربي. ولاشك ان التوقف عند أبرز المنعطفات التي واجهها الملك الحسن الثاني خلال حكمه الطويل قد تكون مفيدة, ليس فقط لتسليط الضوء على الرجل ومكانته, وإنما لمحاولة استكشاف طبيعة المشكلات التي واجهتها المملكة المغربية ومازالت تواجهها, ومن أجل قراءة صفحة في المستقبل وتوقع أساليب تعامل الملك محمد السادس مع التحديات الراهنة والآتية. مخاض صعب مازالت ذاكرة أجيال حية في الوطن العربي تتذكر الملك محمد الخامس وقراره الاستراتيجي بالالتحام بالحركة الوطنية المغربية المتأججة والمطالبة بالاستقلال عن فرنسا في أواسط الخمسينات من القرن الحالي, حيث أدى هذا الموقف الى تحويل محمد الخامس في الضمير العربي الى أحد الرموز البارزة في الذاكرة الوطنية والقومية التي اندلعت براكينها خلال الخمسينات والستينات مصممة على التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال والتنمية والعدالة والوحدة العربية. كانت ثورة 23 يوليو عام 1952 قد أعادت الحيوية الى كل الشعب العربي, وانعكست في شمال أفريقيا دماً جديداً مضافاً الى الحركات المطالبة بتحرير ووحدة المغرب العربي الكبير, وسرعان ما تمت ترجمة ذلك كله الى ثورة مسلحة في نوفمبر 1954 على أرض الجزائر, وتصاعد سريع لفاعلية سياسية لم تخل من عمل عسكري في بقية مواقع المغرب العربي الكبير. وحين استشعرت فرنسا خطورة أن تلتهب كل منطقة المغرب العربي تحت أقدامها, سارعت الى تطويق الثورة الشاملة وتجزئتها عن طريق التسليم باستقلال كل من المملكة المغربية وتونس, مع تركيز كل العنف والقسوة لتحطيم وإجهاض ثورة الجزائر, وبالتالي وأد مشروع التحرر والوحدة المغربية, مع السعي الى انهاء قاعدة الثورة العربية الناشئة في القاهرة من خلال العدوان الثلاثي الشهير عام 1956. هكذا حصلت المملكة المغربية على استقلالها في عام 1956 بعد مظاهرات عارمة كادت تتحول الى حرب مدن ضد الاستعمار الفرنسي, وعاد الملك محمد الخامس مع أسرته من المنفى محاطاً بإجماع شعبي, وبينما انشغل الملك ببناء الدولة المستقلة انشغلت الأحزاب في المغرب بالهدف نفسه وبتوفير الظهير الداعم للثورة الجزائرية. وفي عام 1961 توفي محمد الخامس وخلفه الملك الحسن الثاني شاباً يافعاً في مطلع الثلاثينات, وكان عليه أن يواجه حرارة الثورة الجزائرية المجاورة وانعكاساتها على الداخل المغربي, والمطالب الشعبية والحزبية المتصاعدة تحت تأثير الفكر الاجتماعي الذي انتشر في كل الوطن العربي, فضلاً عن التعامل مع المعادلة الصعبة التي نجح محمد الخامس في السير على حبالها المشدودة, والقائمة على المواءمة بين الصداقة مع الغرب وبين الانتماء الى شرق متأجج بإرادة الاستقلال والتصدي للاستعمار والطموح الى التحرر والعدل والوحدة العربية. ورغم ما كان قد تعلمه الملك الحسن الثاني من أبيه, إلا أن صغر سنه وتجربته وصعوبة التعامل مع الأمواج المتلاطمة في المنطقة دفعته الى اختبارات صعبة ومتتالية. خبرات الممارسة حصلت الجزائر على استقلالها عام ,1962 وبدل أن يؤدي ذلك الى تنشيط دعوات التكامل والتنمية والعمل لبلورة وحدة المغرب العربي نشأت جملة تناقضات عنيفة متعددة الأسباب في المنطقة, وبدا كأن المملكة المغربية قد انحازت الى المعسكر الغربي بينما اتجهت الجزائر شرقاً, ليضاف بذلك عامل جديد الى تناقضات بين البلدين ناشئة عن تكافؤ القوى وطموح الزعامة, حيث يتقارب عدد السكان من جهة, ويرى المغرب أنه الأحق بالقيادة لشرعيته التاريخية, بينما تنازعه الجزائر الدور بالشرعية الثورية. هكذا انفجرت الحرب بين البلدين عام ,1963 والتي عرفت بأنها (حرب الرمال) لأن السبب الظاهري للنزاع كان الخلاف على منطقة جرداء خالية في صحراء قاحلة, وبسبب الدعم الذي حصلت عليه الجزائر من حركة التحرر العربي ازداد اتجاه المغرب غرباً, ثم سرعان ما انتقل الصراع الى داخل المغرب نفسه في مظاهرات عنيفة بين عامي 1963 ــ 1965 قادها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية في مدن المغرب وعلى رأسها الدار البيضاء. نجح الملك الحسن الثاني في تجاوز المحنتين, وتمت مواجهة قوى المعارضة الداخلية بالحنكة والشدة, ثم بالطريقة نفسها تم التعامل مع مدبري محاولتين انقلابيتين في عامي 1971 ــ 1972, وبذلك أحكم الملك قبضته على السلطة. لكن الحسن الثاني في المقابل عمل في الستينات على وضع دستور ليبرالي هادفا الى تنشيط الحياة السياسية, بطريقة يحافظ فيها على مركزية دور الملك في النظام المغربي مع السعي الى تنشيط التنمية والمساعدات الممكنة غربيا وعربيا, وتدريجيا بدأت حكمة السنين تدفعه الى مزيد من الاقتداء بمنهج والده الراحل. هكذا عمل على تنشيط حيوية الانتماء المغربي العربي الاسلامي, مما بدا واضحا في مشاركة قوات مغربية بحرب اكتوبر 1973 وفي محاولات الانخراط بقوة متزايدة في قضية التضامن العربي, وذلك مع المحافظة على علاقات قوية مع الغرب تجلت في الخيارات السياسية والاقتصادية وبالدور المتزايد بالتسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني. واستكمل هذا التوجه بالسعي الى استعادة تماسك الجبهة الوطنية من خلال الحشد وراء قضية اجماع مغربي, تجلت في المسيرة الخضراء الى الصحراء عام 1975 وفي الاصرار على تحرير وتوحيد اجزاء الوطن المغربي... هذا بالاضافة الى تطوير تدريجي للحياة السياسية انتهى الى مصالحة وطنية شاملة واطلاق المعتقلين وتنشيط الحياة الديمقراطية والخوض في تجربة (التناوب) من خلال تشكيل الحكومة الاخيرة برئاسة اليوسفي. واذا كانت هذه المسارات قد ساهمت باستقرار المغرب الا انها لم تصل بعد الي غاياتها, كما ان الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية تشكل ضغطا مهما على الاصلاحات السياسية والخيارات الخارجية. تحديات... وإمكانيات تجمع التقارير والتحليلات الآتية من المغرب على ان الملك الحسن نجح بتجهيز ابنه محمد السادس لخلافته, ومن ناحية الامكانيات الذاتية يبدو ذلك واضحا, فمن ناحية هناك مستوى رفيع ومتوازن من التحصيل العلمي المتقدم في الجامعات المغربية والفرنسية, ومن ناحية ثانية فالمستوى الثقافي والخطابي بارز ومستكمل بلغات اساسية تتيح له فرصة المتابعة ففضلا عن لغته الوطنية والقومية (العربية) فإنه يتقن الانجليزية التي هي لغة واشنطن والنظام العالمي, بالاضافة الى الفرنسية وما تعنيه من علاقات ومصالح مهمة, ومعها الاسبانية حيث ترتبط اسبانيا بالمغرب بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مهمة وتتقاطعان في قضية الصحراء وسبته ومليلية. اما من ناحية بنية النظام, فقد بدا متماسكا ومتوازنا, وقد تقبل عملية انتقال السلطة بسلاسة وسهولة, مما يبعث الطمأنينة الي ان الملك الجديد لن يضطر الى مواجهة معارك تثبيت دوره, كما فعل والده خلال الفترة الممتدة من عام 1961 الى عام 1972, لكن ذلك لا ينفي الحاجة الى تطوير النظام وضبط تفاعلاته المفتوحة على الاحتمالات. كذلك فإن ملف العلاقات المغربية الجزائرية وملف الاتحاد المغاربي تحركا خلال الاشهر الاخيرة ضمن اتجاهات ايجابية مبشرة, لكن ذلك لا يعني بالتأكيد الاطمئنان الى النتائج, رغم كل التصريحات الايجابية التي اطلقها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وقادة المغرب نفسه ودول المغرب العربي الكبير... فالتجارب السابقة تستدعي الحيطة وتؤكد الحاجة لجهود كبيرة بلورة مسار ايجابي للعلاقات الجزائرية المغربية, كمقدمة لا غنى عنها لاستقرار البلدين والاقلاع ببناء المغرب الكبير, وسيمر ذلك بالتأكيد بمحطة حل قضية الصحراء من جهة وضرورة عدم اغفال مصالح وتطلعات وتأثيرات بقية الدول المغاربية. ويبقى ان من اهم ما سيواجه الملك محمد السادس من تحديات هو تلك المصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي هي اقرب الى المعضلة, بما تخلفه من بطالة وتراجع في مستوى المعيشة وحاجة الى تنمية قادرة على امتصاص قوة العمل, خاصة من المتعلمين والمؤهلين. اخيرا ... ترى هل من سبيل لابداع فكر جديد قادر على تثبيت انجازات المغرب وفتح آفاق جديدة لابداعات تنموية وسياسية قادرة على انتاج حلول جذرية للمعضلات الصعبة؟ اذا كان الحل الديمقراطي الذي دخلت المغرب بوابته وتحتاج الى دفع عجلته باتجاه تفعيل طاقات المجتمع... قادرا على الاجابة على نصف السؤال, فإن النصف الثاني من الاجابة يرتبط بالتطورات في الشمال الافريقي والوطن العربي, وسبل التفاعل مع خطط (الحلف الاطلسي) والنظام الدولي. مع كل التمنيات للمغرب بالاستقرار والازدهار, والانطلاق من لحظة الحزن الى ميادين التقدم والعطاء.