كانت رئاسة (لجنة القدس) من أشهر معالم دور الملك الحسن الثاني في القضية الفلسطينية, وكانت مساهمته في التمهيد للتسوية المصرية ــ الاسرائيلية أواخر السبعينات من أبرز مظاهر مداخلاته في معمعة الصراع الصهيوني العربي. ولكن من الغبن تماما أن يجري تلخيص دور الملك الراحل ومن خلفه السياسة المغربية في هذا الاطار في الملمحين المذكورين لمجرد الاستسهال أو لانهما كانا الأكثر رواجا في الأدبيات ذات الصلة. فالسياسة المغربية التي أصل لها الملك محمد الخامس, وتابعها الحسن الثاني, تكاد تتفرد برؤى فكرية وخطوات حركية خاصة ازاء الصهيونية واليهودية وفلسطين والقدس, والعلاقات الاسرائيلية العربية. ومن هذه الرؤى ما يتصل بطبيعة المواطنة في اسرائيل ذاتها. وإذا كانت هذه السياسة قد عرفت خلال العقدين الأخيرين بالسعي لاقرار تسوية سلمية عربية اسرائيلية, الا انها أيضا تداخلت على الصعيد العسكري. فمن النقاط المهجورة نسبيا في أدبيات الصراع, تلك المساهمة المتميزة للقوات المغربية على جبهة حرب 1973 السورية. ولعل السؤال الذي يلح على الذهن في هذا المقام: ما الذي أدى إلى تغلغل المغرب الاستثنائي في عهد ملكيها الراحلين بخاصة على خط القضية الفلسطينية والصراع عموما, على بعد الشقة بينها وبين دائرة الصراع المباشرة في المشرق العربي؟ واجتهادا, قد يعزى ذلك إلى: * الجالية اليهودية الكبيرة نسبيا في المغرب أولا, ثم في المغرب واسرائيل تاليا.. وهذا محدد ثابت في المراحل السابقة, وتقديرنا انه سيحتفظ بأهميته لاحقا في عهد الملك محمد السادس. * استشعار الأسرة الملكية في المغرب بانتمائها للسلالة النبوية الشريفة, ما يعني ضرورة العناية بمستقبل قضية محشوة بالأبعاد الدينية الاسلامية. ــ يتصل بالمحدد السابق ويعززه, الاهتمامات الذاتية للملك الحسن الثاني. فقد كان صاحب مقاربات فكرية عامة, وهو من أوائل الحكام العرب الذين أولوا عناية استثنائية بالشؤون الثقافية. وأسس في هذا السياق (أكاديمية المملكة المغربية) تحت رعايته واشرافه الشخصي (وهي محفل انشغل بالبحث في الصراعات الدولية, أسبابها والحلول الممكنة لها, فضلا عن التطورات في النظام الدولي وآفاق التقدم التكنولوجي وتداعياته..). * العلاقات المميزة التي بناها الحسن الثاني مع القوى الدولية, الغربية بخاصة. والواضح ان هذه القوى المعنية بمسار الصراع من بدايته إلى منتهاه, أدركت خصائص الدور الذي يمكن أن يضطلع به ملك المغرب, وسعت إلى وضعه في واجهة الأحداث مستجيبة بذلك لنوازعه الشخصية من ناحية, ولموقع المغرب الموضوعي من ناحية أخرى. مكانة مرموقة في هذه المحددات, معطوفة جميعها على مكانة المغرب الطبيعية في النظام العربي, المهموم منذ ولادته بالصراع مع الصهيونية واسرائيل, تكمن الاجابة عن السؤال المطروح أعلاه. والحق ان الملك الحسن يدخل في زمرة الحكام القلائل على الصعيدين العربي الاقليمي والدولي, الذين لاقت سياساتهم ارتياحا من كافة الأطراف المنغمسة بشكل مباشر أو غير مباشر في القضية الفلسطينية. ولعله بهذه السمة, ينافس ملك الأردن الراحل حسين. بيد ان هذه السمة ذاتها تدعو في نظر البعض إلى الالتباس والحذر الشديد عند تقييم الدور الذي نهض به الراحلان تجاه القضية في العقود الأربعة الماضية. إننا إذا تحرينا تطور السياسة المغربية الفلسطينية لأكثر من أربعين عاما, وقعنا على مبررات المواقف الايجابية لاطراف الصراع في قلب فلسطين ومن حولها تجاه الملك الراحل ووالده محمد الخامس على حد سواء. موجز هذه المبررات, ان كل طرف من هؤلاء ــ على ما بين بعضهم من عداوة ــ يشعر بأنه مدين للرباط بموقف أو سياسة ما في لحظة أو مرحلة من المراحل. 1 ــ فالجانب اليهودي, يتذكر (أحيانا) الحماية التي أسبغها الملك محمد الخامس على اليهود المغاربة وغير المغاربة الذين لجأوا لحوزته إبان العهد النازي. وكانت حجة محمد الخامس في ذلك الحين ان يهود المغرب هم مواطنون عرب أما غيرهم فانهم مستأمنون في أرضه, وحين اعتدى البعض على حارات يهودية مغربية في حمأة حرب ,1948 تصدت السلطات لتلك الحوادث بأمر مباشر منه, وقدم القائمون بها للمحاكمة التي أعدمت اثنين منهم في يونيو 1948. ولعل اليهود يتذكرون استمرارية السياسة المغربية تجاههم في الداخل والخارج طوال عهد الحسن الثاني تلك السياسة التي قدمت مثلا نموذجيا في التسامح الحضاري العربي الاسلامي معهم, وضمنت لهم عيشا رغدا مقارنة حتى بالمغاربة المسلمين على المستويات الاقتصادية والتعليمية والسياسية, الأمر الذي أبقى على أكثر من نصف مليون منهم هناك الآن بعيدا عن هوس الهجرة الاستيطانية الى فلسطين, الذي أثارته الصهيونية الاستعمارية. ويلاحظ في هذا الصدد ان الدستور المغربي ما زال يضمن حق المواطنة للفئة المغربية اليهودية التي أغرتها فكرة الاستيطان في فلسطين, الأمر الذي سمح بعلاقة اتصال وود بين هؤلاء المهاجرين (أكثر من نصف مليون الآن) وبين البلاط المغربي. وفي خطوة لافتة أعلن رئيس مجلس النواب المغربي في يناير ,1999 ان بلاده لن تسقط الجنسية عن اليهود المغاربة الذين هاجروا الى اسرائيل, واعتبر ــ وهذا مهم جداً ــ ان المغرب لا يمانع في عودة هؤلاء من اسرائيل إذا ما رغبوا في ذلك. 2ــ والجانب الفلسطيني كان موصول الخطوط مع الملك الحسن, الذي عاصر إعادة تكوين الحقيقة السياسية الفلسطينية غداة النكبة منذ منتصف الستينات, ونحسب انه ما من قرار فلسطيني فارق منذ ذلك الوقت الا وكان للحسن فيه رأي وربما يد وقد أشرنا الى ان رئاسة الحسن للجنة القدس كانت معلما واحدا فقط من سياسته الفلسطينية وتغلغله الأشمل وتقاطعه مع السياسة الفلسطينية. ولابد ان منظمة التحرير الفلسطينية تستدعي بامتنان موقف الحسن الحاسم الى جانب اعتمادها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وقضيته, في مؤتمر قمة الرباط الشهير لعام ,1974 وكان الأردن قد عارض ذلك الاتجاه لأسباب وجدها الملك حسين وجيهة, تتعلق بقدرة الأردن كدولة ذات سيادة وعلائق دولية أرحب ومعنية بالقرار ,242 على استعادة الأرض المحتلة عام 1967 لاسيما الضفة والقدس. لكن الملك الحسن أصر في المؤتمر على عدم إرجاء قرار الاعتراف بالمنظمة, نزولا عند (المسؤولية القومية للمغرب والعرب) وقد أشار محمد حسنين هيكل في تأريخه للواقعة الى ان الحسن كاد يغادر القمة محتجاً, رغم انه كان مضيفها, الى ان اعتمد ذلك القرار. لقد ظل ذلك الموقف حيا في ذاكرة قيادة المنظمة, ولم تحاول هذه القيادة حرق مراكبها مع الحسن حتى في الأوقات القليلة التي أبدت فيها امتعاضا من بعض مداخلاته .. كدوره في ترتيب اللقاءات التمهيدية لرحلة الرئيس الراحل أنور السادات الى القدس عام 1977 وبدوره كان الحسن حريصا على الظهور بمن لا يطلب (أي سلام) مع اسرائيل. وكان حازما قبيل رحيله في نبذ سياسات رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق نتانياهو اذ رفض لقاءه كما رفض لقاء خلفه باراك, معتبرا ان الأفعال أصدق أنباء من الأقوال. تفهم عربي 3 ــ كذلك فان لدى القوى الغربية, وعلى رأسها الولايات المتحدة ما يحملها على الرضى من سياسات الملك الحسن تجاه الصراع في (الشرق الأوسط) فقد كان بالنسبة لها من المناهضين للنفوذ السوفييتي المضاد. وفي حقيقة الأمر, تفهم الغرب تماما الدوافع التي جعلت من الحسن وسيطا عتيدا لتحقيق التسوية السلمية العربية الاسرائيلية, وتم استغلال تلك الدوافع جيدا, بحيث أصبح المغرب محطة أساسية في عملية التسوية, ويلجأ لملكه وقت الأزمات لتسيير الأمور وتخطي العقبات على الجانب العربي بخاصة. وبالنسبة لهذه الأطراف, فقد رحل الملك الحسن في توقيت غير مناسب, باعتبار انهم جميعا يوشكون على افتتاح الفصل الذي يعتبرونه ختاميا على صعيد الصراع الصهيوني العربي وقضيته المركزية فلسطين, وفي هذا الاطار كانت الحاجة ماسة لدور الملك, ومهما يكن من أمر مرافقة سلفه محمد السادس له واطلاعه على سرائر القضية خلال السنوات القلائل الأخيرة, فمن الصعب اعتبار ذلك كافيا لملء الفراغ الذي تركه الحسن. هناك حقا ثوابت تفعل فعلها في تحديد السياسات, ولكن يظل للشخوص لاسيما ان حظيت بلمسة رمزية, كما هو حال الملك الراحل, تأثير على هذه السياسات وقد عاصر الحسن قضية فلسطين منذ كانت غضة طرية العود, فيما يتناولها الملك الابن وهي في طور الاستواء وتوشك ان تبلغ نهاية ما, لايمكن توصيف ملامحها بسهولة, وان تقيد الابن بثوابت سياسة الأب والجد, فقد يحفظ لنفسه وبلاده مكانة محورية في مسار القضية. وتقديرنا أنه يأتي في طليعة هذه الثوابت, الموقف من اليهود العرب, المغاربة بالذات داخل المغرب والكيان الصهيوني, والعلاقة الحميمة مع الغرب, والبعد الاسلامي في سياسة الأسرة العلوية الحاكمة بالمغرب, وتطلع السياسة الفلسطينية لدور الرباط. * كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة