بوفاة الملك الحسن الثاني, يفقد المغرب, والعالم العربي والاسلامي, اقدم رئيس دولة امتد حكمه منذ سنة 1961, وأحد عمالقة هذا القرن, الذي استطاع ان يطبعه ببصماته, وبحضوره, وباشعاعه . لقد تمكن طيلة مدة حكمه من ارساء اعمدة دولة معاصرة, تكتسب استمراريتها من تقاليد الملكية ومن الانفتاح على حقائق النظام الدولي بكل انجازاته وتحدياته. وهو ما اهله لان يكتسب انخراط مكونات المجتمع في مشروعه الهادف الى دمقرطة المؤسسات السياسية, واقرار نوع من التنمية لمواجهة متطلبات كافة الشرائح الاجتماعية. وعلى المستوى الخارجي, فقد استقطب تعاطف المجتمع الدولي بفضل سياسته الواقعية المرتكزة على الحوار والتضامن وحل الخلافات بالطرق السلمية. لقد تميزت ولاية الملك الراحل على المستوى الداخلي, لاسيما في سنواته الاخيرة, بسلسلة من الاصلاحات السياسية التي تجلت بالاساس في اقرار دستور جديد, وهو الدستور الحالي الذي وافق عليه الشعب المغربي باستفتاء في 13 سبتمبر 1996. وهو الذي اكد انتماء المغرب الى ثقافة العصر القائمة على احترام حقوق الانسان, ارتكازا على المعاهدات الدولية المتعارف عليها في هذا الشأن, وكذلك ترسيخ مبدأ فصل السلطات من خلال احداث برلمان قائم على مجلسين وهما: مجلس النواب, ومجلس المستشارين, يتميزان بالرغم من اختلاف انظمة انتخابهما, بتوفرهما على نفس الاختصاصات. وهو الامر الذي يعطي للتجربة المغربية في هذا الشأن تميزاً واضحاً عن باقي الانظمة التي قامت على عدم التكافؤ بين المجلسين. علاوة على ذلك, فقد اقر المسؤولية السياسية المزدوجة للحكومة امام الملك وامام البرلمان. وفي الواقع, فان هذا الاصلاح الدستوري الذي وافق عليه الشعب المغربي بشبه اجماع, قد فتح الباب امام تسوية بعض الملفات, ولاسيما ما يتعلق منها بحقوق الانسان, من خلال توسيع فضاء الحرية, واعادة النظر في بعض المقتضيات التشريعية التي لم تكن توائم الثقافة السياسية الجديدة التي بدأت تنشر ظلالها على المجتمع برمته. وعلى ضوء الانتخابات التي جرت في نوفمبر 1997, والتي شهدت تقدم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية, اهم حزب معارض في البلاد, فقد اقدم العاهل الراحل على تعيين عبد الرحمن اليوسفي, الكاتب الاول للحزب, بتشكيل الحكومة التي سميت بحكومة التناوب. وقد اعتبرت هذه البادرة سابقة في العالم العربي, حيث لاول مرة تتم اتاحة الفرصة لاحزاب المعارضة لتشكيل حكومة تتولى تسيير شؤون البلاد. وقد استند هذا القرار الى رغبة الملك الراحل في اشراك كافة القوى السياسية في ممارسة الشأن العام. انطلاقا من ان الهدف الاساسي لكل حزب هو المساهمة في الحكم, وكذلك استنادا الى الثقافة التوافقية التي بدأت تسود بين السلطة واحزاب المعارضة, والتي أثمرت كافة الاصلاحات المشار اليها سابقا. مواجهة التحديات لم يقتصر هاجس الملك الراحل على الاصلاحات السياسية, بل ان ترسية الاستقرار في البلاد يبقى مرهونا بمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. ويكفي ان نشير الى ان الراحل الحسن الثاني, قد اعلن في خطابه, في 9 يوليو بمناسبة عيد الشباب, عن برنامج واسع لحل مشكلة البطالة التي تطال آلاف الخريجين من المعاهد والكليات والمؤسسات الجامعية. وقد اعتبر ذلك الخطاب بمثابة اعادة احياء الامل, لاسيما ان الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية, لم تعرف تحسنا كبيرا, بفعل عدة عوامل, من بينها ضغط المديونية, والجفاف, ومحدودية الامكانيات. وقد كان آخر مجال فتحه الملك الراحل, والذي يرتبط بالبطالة, هو اصلاح التعليم الذي لم يعد متلائما مع حاجيات السوق. وقد كان الراحل قد وعد باحاطة الشعب المغربي بقرارات مهمة على ضوء نتائج اعمال اللجنة المصغرة التي كلفت باعداد مقترحات, قد تشكل ارضية توافقية لميثاق التعليم. واذا كان الملك الراحل, قد استطاع بحكمه وتبصر, ان يفتح ورش الاصلاح, وان يركز الاستقرار داخليا, فانه تمكن بنفس القدر ان يبرز كزعيم دولي له سمعة جيدة. وكلمة مسموعة وآراء ثاقبة, بحكم خبرته الطويلة في الشؤون الدولية. فقد بدأ يتفاعل مع قضايا المحيط الدولي, وهو مازال لم يتجاوز الثلاث عشرة سنة, عندما اشركه والده المغفور له محمد الخامس في مؤتمر انفا بالدار البيضاء الذي حضره انذاك الرئيس الامريكي ايزنهاور, والجنرال دوغول. وبحكم طبيعة النظام السياسي المغربي, المتميز اساسا بقطبية الملك داخله, فان السياسة الخارجية المغربية, ولا سيما ما يتعلق بتحديد خياراتها الاساسية والاستراتيجية تبقى حكراً على الملك الذي يتسلح في هذا المجال بأسلحة دستورية وواقعية ذاتية: فالفصل التاسع عشر من الدستور يختزل المكانة المتميزة للملك في كافة المجالات, حيث يعتبره بمثابة (امير المؤمنين والممثل الاسمى للامة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها, وهو حامي الدين والساهر على احترام الدستور, وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة) ان هذا الفصل يخول للملك ادوارا مهمة لها انعكاسات جلية ليس فقط على استمرارية النظام الدستوري برمته, ولكن ايضا على الدولة ككيان. وبهذه الصفة, فان الملك يحتكر القرارات الحاسمة او الاستراتيجية, والتي تندرج ضمنها الوحدة الترابية, والتي شكلت الهاجس الرئيسي للعاهل الراحل منذ ان قاد عملية استرجاع الصحراء, بمساندة اجماع شعبي. ولم يمهله القدر ان يرى نتيجة الاستفتاء التي ستكرس قانونيا, وبشكل لا رجعة فيه, مغربية الصحراء. علاوة على هذه المركزية الدستورية, فان شخصية الملك الحسن الثاني قد ازدادت اشعاعا, بفعل تجربته السياسية الطويلة, التي بوأته حضورا واعيا ونشيطا وفاعلا, راكم خلاله تجربة واسعة وخبرة واسعة بالواقع الدولي في تعقيداته المختلفة, وادراك واقعي ومعتدل لميكانيزماته والقوى المتحكمة فيه. وقد اعتبر في كتابه (مذكرات ملك) انه منذ تسلمه للسلطة, فان القرارات المهمة التي اتخذها, والتي لا تشكل امتداداً لسياسة والده, تتعلق بالسياسة الخارجية, حيث بدأ ينهج سلوكا مستقلا عن بعض مواقف الدول العربية وبلدان الشرق الاوسط. ثلاث ركائز لقد ارتكزت السياسة الخارجية المغربية في عهده على ثلاث ركائز اساسية, وهي الواقعية والتضامن والحوار. فالواقعية في تراث الحسن الثاني تعبير عن تصور متفتح يدمج في ثناياه مجموعة من المعطيات تستقطب موقع وتراث ومصالح المغرب. ومن هذا المنطلق يمكن فهم مجموعة من القرارات التي اتخذها, سواء فيما يتعلق بالعلاقات مع اوروبا, حيث سعى الى ادماج المغرب ضمن هذا الفضاء اعتبارا للروابط الاقتصادية والانسانية التي تجمع بين الطرفين, او فيما يتعلق باتفاقية الاتحاد العربي الافريقي, التي كان قد ابرمها مع الجماهيرية الليبية في 13 اغسطس 1984, رغم معارضة الولايات المتحدة والغرب, والتي كانت تستهدف بالاساس تحييد ليبيا في صراع الصحراء, بعدما كانت تساند منشقي البوليساريو. وفي الحقيقة فان هذه الواقعية لا تعني مجرد الانتهازية السياسية. بل التأكيد على التضامن مع الاقطار العربية, انطلاقا من تنوع وعمق المشاعر العروبية المتجذرة في الوعي المغربي. وفي هذا الصدد, فقد احتضن المغرب مجموعة من مؤتمرات القمة صدرت عنها قرارات تاريخية, كما هو الامر بالنسبة لمؤتمر سنة 1974, الذي كرست فيه منظمة التحرير الفلسطينية, كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني, ومؤتمر فاس الذي انبثقت عنه خطة التسوية للصراع العربي الاسرائيلي, على اساس (الارض مقابل السلام) والاعتراف المتبادل بين العرب واسرائيل. واخيرا مؤتمر الدار البيضاء الذي افرز اللجنة الثلاثية التي توصلت الى اتفاقية الطائف التي وضعت حدا للحرب الاهلية في لبنان. وفي نفس السياق, ومن منطلق التضامن مع الاقطار العربية في حروبها مع اسرائيل, فقد شاركت القوات المسلحة المغربية, في حرب اكتوبر مع القوات السورية. وبموازاة مع هذا التضامن في مواجهة الخطر الاسرائيلي, فقد عبر المغرب عن تضامنه مع العراق في حربه مع ايران. كما ساند الشرعية الدولية, عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت. وقد كرس ذلك العلاقات المتميزة والخاصة التي ربطت المغفور له الحسن الثاني بقادة الدول الخليجية, ولاسيما السعودية, والامارات, حيث تعتبر العلاقات مع هذين القطرين العربيين قطب الرحى في السياسة العربية للمملكة المغربية. على صعيد اخر, فقد انطلقت سياسة الحوار التي باشرها الملك الراحل, من اعتبار مضمونه ان العرب لا يتصارعون مع شبح, وانما مع واقع اسمه اسرائيل. وتبعا للتقاليد المغربية المتجذرة التي جعلت اليهود والمغاربة يعيشون في وئام وتفاعل, لم يجد العاهل الراحل اية غضاضة في مد جسور التواصل بين الزعماء اليهود والعرب, من خلال التشجيع على لقاءات سرية بدأت في السبعينات, ثم ظهرت للعلن مع الزيارة التي قام بها الوزير الاسرائيلي آنذاك شمعون بيريز للمغرب في يوليو 1986. وبفعل هذه المبادرات, فقد استحق الملك الراحل ان يكون واسطة خير, لايجاد تسوية للصراع العربي الاسرائيلي على اساس ضمان الحقوق العربية, ولاسيما حق الشعب الفلسطيني في انشاء وطن له. التطلع للمستقبل ان حضور هذا الحشد من رؤساء الدول والحكومات, وفي مقدمتهم الرئيس الامريكي كلينتون, والفرنسي شيراك, والزعماء العرب والمسلمون, لا يشكل سوى احد عبارات الوفاء والتقدير لهذا الرجل, الذي طبع عصره, وسعى الى اقرار السلم. كلما كان ذلك متاحا له. واذا كان المغرب والعالم يودع هذا الزعيم الفذ, ويترحم عليه, فان الانظار متجهة الى خلفه الملك محمد بن الحسن, لاستشراف توجهاته, وتطلعاته لتخليد هذا التراث الذي تركه والده الراحل. لا ريب, ان الملك الجديد, وان كان بحكم حداثته يثير تساؤلات عند المتتبعين للشأن المغربي, حول اسلوب ادارته للحكم, فاننا نعتقد ان التراث الايجابي الذي تركه الملك الراحل, يشكل خير منار له في مزاولة السلطة. وهو علاوة على ذلك, يستفيد من ثقافته الواسعة, ومن شيوع الثقافة الديمقراطية, ومن الانفراج الذي تعرفه العلاقات الدولية. ان هذه المؤهلات ستساعده على مواجهة التحديات التي يواجهها المغرب, وفي مقدمتها مواصلة الجهود من اجل استكمال مسلسل الاستفتاء لتكريس مغربية الصحراء, وللانكباب على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وبالاساس البطالة. والتعليم والتنمية الاجتماعية من خلال تدعيم التوجهات التي تقودها الحكومة الحالية بقيادة الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي. وعلى المستوى الخارجي, فان اعادة تنشيط اتحاد المغرب العربي, وخاصة اعادة ربط جسور التواصل مع الجزائر, وكذلك تدعيم العلاقات المتنوعة, والتنازعية مع الاتحاد الاوروبي, ستشكل الاهتمامات الاولية للملك الجديد في المغرب. وفي اعتقادنا, عوامل الاستمرارية حاضرة بقوة, لكن هذا لا ينفي بحكم طبيعة الاشياء, ان الاسلوب قد يختلف, وقد يتمظهر من خلال ادماج طاقات جديدة في هذا المشروع. فرحم الله الملك الراحل الحسن الثاني, ووفق مسيرة خلفه ووارث سره الملك سيدي محمد بن الحسن للتصدي للتحديات المختلفة التي تواجهها المملكة المغربية في خضم عالم يموج بالتحولات والتطورات. استاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس ــ المغرب