فاجأ الحسن الثاني وفجع المغاربة والعرب جميعا برحيله المباغت, وترك فراغا كبيرا ليس على مستوى المغرب فحسب, وإنما على المستوى العربي والعالمي بصفة عامة . فقد شهد له الجميع, الاصدقاء والخصوم على حد سواء, بالحنكة السياسية والقدرة على تجاوز اصعب المواقف والتحديات والحضور المتميز في أعقد الملفات والقضايا الدولية الشائكة. ويأتي رحيله في وقت بالغ الحساسية محليا واقليميا وعالميا, حيث يواجه المغرب استحقاقات وتحديات عديدة, اجتماعية واقتصادية وسياسية, بينما يدخل المغرب العربي والمنطقة العربية بشكل عام في مسارات جديدة مازالت نتائجها غير محسومة وغير مضمونة, في حين يشهد العالم بأسره تحولات بالغة الدقة والاهمية. وقد كان الحسن الثاني في كل ذلك لاعبا سياسيا فاعلا ومؤثرا, سواء بشكل علني مباشر أو خلف الكواليس ومن وراء الستار بما عرف عنه من علاقات واسعة وقدرة على جمع الاضداد في وقت واحد. لذلك يبدو رحيله في ظرف كهذا مثيرا للقلق, ومثار تكهنات بالنسبة للمستقبل. غير ان المتتبع لمسيرة المغرب السياسية والتاريخية على مدى عقود, بل قرون متصلة, سيجد أن المغرب قادر على تجاوز محنة غياب عاهله الراحل والتأقلم مع المتغيرات الراهنة والمنتظرة. خاصة وان الملك الراحل استلم الحكم بعد وفاة والده محمد الخامس في ظروف لاتقل حساسية ودقة عن الظروف الحالية. وهناك عاملان اساسيان, من بين عوامل عديدة أخرى, تؤكد ذلك وتدعو الى الاطمئنان اكثر. فالملك الشاب محمد السادس, قد أعد منذ نعومة اظافره لتحمل المسؤولية ومواجهة المواقف الصعبة, سواء بتأهيله العلمي المكثف, أو بإشراكه في الممارسة السياسية والتعامل مع الملفات الكبرى التي كان والده يمسك بمفاتيح الكثير منها ويحتفظ بأسرارها واتجاهاتها. اما العامل الثاني فهو استقرار مؤسسة الحكم في المغرب, وهو ما أظهره من جديد الانتقال السلس للسلطة وقيام محمد السادس بملء مكان والده على عرش المملكة, وحرصه على الالتقاء بمواطنيه امام القصر الملكي في أول يوم من تسلمه مقاليد السلطة. فالارث التاريخي العريق واستقرار المؤسسات الدستورية واسلوب الحكم, كلها تشكل ضمانة للاستقرار واستمرار النهج الذي ارسى قواعده محمد الخامس وبنى صرحه الحسن الثاني, ليكمل محمد السادس بناءه والحفاظ عليه, رغم صعوبة التحديات وضخامة المسؤولية.
