أسواق الأحذية عديدة ومنتشرة في جميع محافظات مصر سواء أسواق مفتوحة أو على الأرصفة أو المحلات الراقية وأخرى شعبية.. والأسعار متفاوتة بصورة ملحوظة ما بين خمسة جنيهات وحتى خمسة آلاف ! المدابغ والورش الصغيرة والمصانع منتشرة بالقاهرة والإسكندرية على وجه الخصوص.. وفي القاهرة وحدها مئات من الورش اشهرها في منطقة المدابغ بمجرى العيون بمصر القديمة.. حيث اعتاد المصريون منذ مئات السنين على تجميع جلود وفراء الأضحية عقب كل عيد أضحى في هذه المنطقة سواء فراء خراف أو أبقار أو عجول لدبغها وإعادتها لأصحابها أو للتجارة فيها من خلال إنتاج بعض المصنوعات الجلدية المختلفة (مفروشات أرضية معلقات مقاعد ملابس أحذية.. الخ). وتطور الحال وأصبحت هذه المنطقة متخصصة في صناعة الأحذية على وجه التحديد وانتشرت حولها الورش الصغيرة والكبيرة وأيضا المصانع الصغيرة الخاصة التي تتعامل مع أرقى المحلات لتخصصها في إنتاج أحدث الموديلات.. بالإضافة إلى الورش اصبح في القاهرة سوق مفتوحة للأحذية اشهرها (سوق الفحامين) وهي منطقة عبارة عن شارع يقع خلف جامع الغوري وكان يسمى من قبل سوق (الخلعيين) وسبب تسميته يعود إلى أن الأمراء كانوا يخلعون ملابسهم وأحذيتهم المستعملة ويبيعونها في هذا السوق ويشتريها عامة الشعب حتى اشتهرت المنطقة بتجارة الملبوسات المستعملة للطبقة الوسطى والفقيرة.. أما اسم (الفحامين) فجاء خلال هذه الفترة القديمة لانتشار محلات تجارة الفحم والتي اختفت مع مرور الزمن. وساهم في إدخال تجارة وصناعة الأحذية في هذه المنطقة الطلبة المغاربة الذين كانوا يسكنون فيها أثناء دراستهم بالأزهر.. وتطور الحال بانتشار الورش والمصانع الصغيرة في تجارة وصناعة الأحذية الرخيصة. أما منطقة سوق (الرويعي) المشهور بتجارة مواد البناء والحدادة والبويات فهو أيضا دخل ضمن المناطق المشهورة بصناعة الأحذية حتى أن أصحاب الورش احتلوا جميع الأبنية والعمارات المحيطة بالسوق وحولوها إلى مصانع صغيرة للأحذية والمصنوعات الجلدية ساعدهم في ذلك تعاملهم في مجال الجلود المستوردة المصنعة التي تنتج أحذية رخيصة الثمن تباع على الأرصفة. الأمر يختلف في باب اللوق حيث يوجد العديد من الورش في مبنى كبير بسوق الخضروات والفاكهة تخصص في صناعة الأحذية ولكن الجلود الطبيعية مرتفعة الثمن والمخصصة للتصدير أيضا.. مثله مثل سوق الإبراهيمية والمنشية بالإسكندرية والتي تنتج وتتاجر في الأحذية والحقائب الجلدية الراقية الخمس نجوم.. وهناك بعض الورش بسوق الفحامين أيضا اشتهرت بصناعة الأحذية والجاكيت والحقائب الراقية المخصصة للتصدير والمحلات الكبيرة. سر الصنعة يؤكد الحاج (سكر) (مدبغجي) أن منطقة المدابغ ومجرى العيون متخصصة في دبغ الجلود التي يتم الحصول عليها من منطقة المدبح (السلخانة) التي تقع بمنطقة زينهم بمصر القديمة وهي منطقة متكاملة بخلاف تلقي جلود الأضحية.. ويشير إلى أن قرار وزير الصحة د. إسماعيل سلام بعدم تلقي الوزارة والإسعاف لجلود الأضحية كان قرارا صائبا حيث كان التجار يشترون هذه الجلود بأسعار زهيدة, وقد ساهم قرار الوزير بخفض سعر المنتج. ويضيف العم سكر بان عملية الدباغة تتم على مراحل فبعد الحصول على الفراء الخاص بالخراف أو الجاموس أو الأبقار يتم شد الفراء على طاولات خاصة بالمسامير ووضع الملح الفرنسي للحفظ المؤقت ثم تأتي المرحلة التالية بدبغ الجلود طبقا للطلبيات باستخدام مواد كيماوية تعمل على تنقية وتطهير الجلد وتأهيله للاستعمال وقد تتكلف دباغة القطعة الواحدة من عشرة إلى عشرين جنيها.. وهناك أنواع أخرى من الدباغة تسمى (كرون) وهي طريقة للدباغة ممتدة العمر وعادة تستخدم لدباغة الجلود كمفروشات أرضية أو معلقات ديكورية. أما الجلود الضاني فتستخدم لصناعة المنتجات الجلدية الراقية مثل الملابس الجلدية المختلفة والأحذية مرتفعة الثمن.. ويؤكد العم سكر بأن مصر مشهورة منذ سنوات بعيدة بدباغة وصناعة الجلود حتى أن روسيا كانت تستورد في الستينات الأحذية والجلود المصرية مقابل أسلحة!.. بخلاف أن هناك دولا أوروبية وأسيوية تطلب الجلود المصرية بالتحديد لمهارة الصانع المصري في الدباغة. ولكن بعد أن تم إغراق الأسواق بالجلود الصناعية وقرار الحكومة بنقل منطقة المدابغ إلى مدينة العبور ومنطقة البساتين لتكون قريبة من المذابح والمجازر الجديدة هجر بعض الصناع والتجار الدباغة واتجهوا نحو التصنيع بالجلود الصناعية لرخص أسعارها وارتفاع نسبة الربح فيها. ويقول الحاج زقزوق أن هذه الورش وهذه المصانع الدخيلة على الصنعة هي التي نرى منتجاتها تباع على الأرصفة بأسعار زهيدة فنجد سعر حذاء الأطفال يتراوح بين جنيهين وعشرة جنيهات والحذاء الرجالي أو الحريمي يتراوح سعره ما بين خمسة جنيهات إلى عشرين جنيها فقط!.. وبالطبع هي مصنوعة من الجلود الصناعية المستوردة والمثير للدهشة أنها متينة وقوية وتكاد تكون افضل من بعض الجلود الطبيعية التي لم تأخذ حقها من الدباغة وتفسد بسرعة بخلاف ارتفاع أجرة عامل الدباغة مقارنة باجرة عامل الجلد الصناعي.. كما أن انتشار الجلد الصناعي أدى بدون شك إلى انتشار المصانع الصغيرة الخاصة وتطور الإنتاج وزادت الورش وانخفضت الأسعار. ويضيف الحاج زقزوق بان أنواع الجلود الصناعية عديدة منها الإيطالي (سكاي) وهو اشهرها و منها (ستار) وهو إندونيسي وأيضا (ستان سكاي) وهو إيطالي أيضا وكل منها له استخداماته. وطبقا لقانون السوق والعرض والطلب فقد زاد الطلب على هذه النوعية من الجلود خاصة وأن المستهلك يريد أحذية ومنتجات جلدية تناسب ظروفه المادية وبالتالي اتجه التجار وأصحاب الورش إلى استيراد كميات هائلة من هذه الأنواع.. ولكن أين الجلد الصناعي المصري؟ فغالبية التجار يستوردون الجلد الإيطالي لأنه متين مقارنة بالجلد الصناعي المصري الذي يستخدم في الحقائب لقلة جودته. لماذا الارتفاع الجنوني في أسعار الأحذية المصنعة من الجلد الطبيعي طالما أن هناك أسواقا منتشرة على الأرصفة وتبيع منتجات متينة بأسعار تناسب جميع المستويات؟! يقول سليمان حسين أحد تجار الأحذية المعروفين أن اشهر وأرقى أنواع الجلود الطبيعية تخرج من المدابغ المصرية وتصدر إلى بعض الدول مثل إنجلترا وإيطاليا ويتم تصنيعها هناك وتعود إلينا جاهزة وتباع بأعلى الأسعار.. ويقول أن سوق الأحذية المستوردة ليس ظاهرة وتختفي إنما سوق متواجد منذ عشرات السنين ومنتشر في كل مكان وله عملائه عملاءه الخاصة والمستعدين لشراء الحذاء الواحد بأسعار قد تصل إلى خمسة آلاف جنية!.. وبالطبع هذه المحلات منتشرة بالمناطق الراقية والفنادق الخمس نجوم وبعض القرى السياحية وانتقلت لبعض المحافظات.. وانتشار هذه المحلات يؤكد على وجود عدد كبير من عملائها وتلبي طلباتهم الخاصة جدا. التوصيل للمنازل المثير أن محلات الأحذية المتخصصة في الجلود الطبيعية أو المحلات الراقية تستخدم حارس أمن خاص مثل الموجود أمام محلات المجوهرات والذهب والبنوك!.. كما أنها تتعامل مع الفيزا كارت والكروت المالية الأخرى وبعضها يدون أسماء وعناوين ومقاسات عملائه على الكمبيوتر.. ويؤكد أصحاب هذه المحلات أن عملاءهم كثيرون ويربحون من هذه التجارة مالا وفيرا.. وبالعكس فهؤلاء العملاء سعداء لوجود محلات بالقاهرة تعمل في هذا المجال سهلت عليهم السفر للخارج لشراء حذاء إيطالي أو إنجليزي احدث موديل ويعيش طويلا.. والأسعار تتراوح بين 1000 و5000 جنية والسوق عرض وطلب والدولة تصرح بذلك ولا تمنعه خاصة بعد فتح باب استيراد الأحذية كاملة الصنع عام 1994 والتي تدفع ضرائب وجمارك 50% من قيمة الحذاء! كما أننا نعطي العميل ضمانا يصل إلى خمس سنوات على المنتج الذي يحصل عليه أسوة بما يحدث في أوروبا بخلاف خدمة توصيل الأحذية وباقي المنتجات للمنازل.. حتى أن للعميل الحق في طلب الموديل الخاص به بالتليفون وبالمواصفات التي تروق له.. وعن طريق بياناته بالكمبيوتر يصل المنتج في أسرع وقت! كما أن هذه المحلات مشهورة ومتخصصة في تجارة السهرات وهناك شخصيات مشهورة في المجتمع سواء مصرية أو عربية وفنانون يطلبون موديلات بالاسم للسهرات والحفلات وأغلبها بالطبع من جلد النعام أو التمساح.. المثير أن بعض العملاء يتصارعون على حجز موديل معين وتحدث مشاكل إذا لم يحصل كل منهم على نفس الموديل! (استوكات) أوروبا ويكشف عبد المنعم السيد أحد تجار الأحذية المستوردة أن أصحاب هذه المحلات يسافرون إلى دول أوروبا ويقومون بشراء فضلات وبواقي أسواق الأحذية بإيطاليا وإنجلترا (الاستوكات) ويهربونها من الجمارك أو من خلال شراء (البالات) التي تدخل عبر نوافذ بور سعيد الجمركية سواء من أحذية رياضية أو جلدية ويتم عرضها بمحلاتهم بهذا الأسلوب المغري والزبون هو الضحية.. وليس ذ لك فقط فقد اغرق السوق بالمستورد من كل نوع وانتشرت الماركات المقلدة سواء للأحذية الرياضية أو الجلدية والتي تباع بأقل من مثيلاتها الأصلية وأن كان سعرها يتراوح بين 100 و300 جنية ولكنها ترضي فضول وأذواق بعض المستهلكين خاصة الشباب الذين يلهثون وراء هذه النوعيا ت وغالبا ما تأتي هذه المنتجات من الصين وكوريا وإندونيسيا وكوريا وان كان أكثرها يحتوي على عيوب ولكنها بالتقريب يوجد بها نفس المميزات من وسائد هوائية (ايرامكس) وهي مريحة بالطبع بخلاف أحذية كلاركس المقلدة التي تأتي عبر نوافذ ليبيا ومرسى مطروح وبور سعيد وكذلك ماركة (بينيتون) و(ستار) والعديد من الماركات العالمية الأخرى إلا أنها لا تعيش مثل الماركة الأصلية لوجود اختلافات كثيرة في طريقة الصنع والخامات المستخدمة. القاهرة ــ محمد عرفة