أشعلت قضية(التنصت الهاتفي)جدلا لم تطفأ نيرانه المناقشات البرلمانية والتطمينات الحكومية اللبنانية, واتسعت دائرته لتشمل التنصت الأمني والسياسي, وتنازع اختصاصات التنصت بين الأجهزة الأمنية, وفتح ملف التنصت في لبنان منذ الاستقلال وحتى حكومة الرئيس سليم الحص الحالية . والخطورة قضية التنصت وتشابك خيوطها مع نسيج الأمن الوطني لم تمر القضية مرور الكرام عندما أثارها النائب باسم السبع خلال مناقشة البرلمان لمشروع موازنة الحكومة منذ أسبوعين, وتلقفت لجنة الاعلام بالبرلمان القضية وعقدت جلسة سرية شارك فيها وزير الاتصالات السلكية واللاسلكية عصام نعمان. ورغم ان جلسة التنصت البرلمانية سرية, الا ان (البيان) حصلت على محضر تفصيلي بما تخللها من حوارات ومداخلات عن غير طريق (التنصت) بل بتعاون مصادر برلمانية حريصة على الغاء ظاهرة التنصت, وحصرها في اطارها الأمني السياسي وعدم خلط أوراقها بانتهاك حرمة وخصوصية الحياة الخاصة أو تحويلها لاداة في الصراع الحزبي والسياسي. ولأهمية وخطورة وقائع الجلسة السرية تنشر محضرها كما وافانا به مراسلنا في بيروت وليد زهر الدين. وقائع الجلسة السرية النائب عبد اللطيف الزين (رئيس اللجنة) نبدأ هذه الجلسة المخصصة لأقدس ما يمكن ان يمتلكه الانسان حرية الكلمة, حرية القول, وحرية التحدث .. ادعو الزملاء الى ان يكونوا حريصين على الحوار وجديته, (ثم دعا النائب السبع ليقول ما لديه بعد ان قرأ ما قاله الاخير في جلسات برلمانية عامة) . الحص يسائل الحريري نعمان (بعد تعقيبات سرية): (أجزم بأني غير متنصت على أحد, وأرجح بأنه غير متنصت عليّ) . السبع .. قدم عرضا تلخيصيا لتعاطي مجلس النواب مع التنصت منذ عام 1993 وحتى لجنة التحقيق المشكلة من النائب سامي الخطيب والمدعي العام التمييزي عدنان (عضو) وقال: ان معلومات لا تنطلق من فراغ, بل من وقائع متداولة, ومن تصريحات ادلت بها غير جهة نيابية وسياسية في الأشهر الأخيرة, وكلها تؤكد وجود (التنصت السياسي) على الهاتف. ثم دعم رأيه باستشهاده بسؤالي نيابين سابقين للرئيس سليم الحص وكتلة الانقاذ والتغيير, وبتصريحات للنواب: سامي الخطيب جورج قصارجي, وليد جنبلاط, عدنان عرقجي, عصام فارس .. ثم سرد معلومات تتعلق بوجود اجهزة في غرف للتنصت, في سنترالات عدة في بيروت الكبرى, مشيرا الى ان احد المطلعين الموثوقين ابلغه قبل أربعة أشهر ان خطه الهاتفي موضوع تحت المراقبة .. وتلا بعد ذلك جزءا من تقرير لجنة الخطيب .. عضو من المنشور في 4 نوفمبر 1997 وفيه بالحرف (ان اللجنة بعد الاستماع الى رؤساء الأجهزة الأمنية اكد مدير عام الأمن العام (ريمون روفايل) ان التنصت كان يتم بمعرفة النيابة العامة التمييزية ولمصلحة الأمن القومي وأجهزة مكافحة الجريمة وخاصة تهريب المخدرات وتزوير العملات, كما اكد ان هذا التنصت قد اوقف منذ ان وضع المجلس النيابي يده على هذه القضية) . وتساءل السبع: هل هذا التنصت قد اوقف فعلا أم لا؟ السبع لايعترض على التنصت الأمني ونفى السبع انه يعترض على التنصت الأمني الذي هو في صميم المحافظة على الأمن القومي للبلاد, واذا كانت الدولة اللبنانية لا تقوم بمثل هذا التنصت الذي من شأنه ان يحمي البلاد, فانها تكون مقصرة عن اداء هذا الواجب, غير ان اعتراضنا ينطلق من المخاوف المتعاقبة حول وجود تنصت سياسي, يشكل جوهر المشكلة التي تواجه لبنان منذ سنوات والتي آن الآوان لوضع حد لها من خلال قانون يرعى هذه المسألة, ويتكامل مع النظام الديمقراطي في لبنان) . ثم عرض السبع لتقنيات التنصت عارضا انها سهلة وبالامكان القيام بها في اي سنترال عادي, لكن الرقابة من خارج السنترال تحتاج الى (خط أبيض) مما يجعل امكانات الرقابة الواسعة محصورة بأجهزة الدولة. السبع يطرح اسئلته الخمسة أولاً: هل صحيح انه حصل قبل اسابيع نزاع بين جهازين أمنيين لبنانيين على صلاحية من يتولى التنصت في سنترال بئر حسن؟ ثانيا: هل هناك غرف أو أجهزة خاصة بالتنصت في السنترالات العائدة للدولة في بئر حسن, الحمراء, المزرعة, بدارو, ورياض الصلح؟ وهل صحيح انه توجد في سنترال بدارو غرفة مركزية للتنصت على سائر السنترالات؟ ثالثا: هل توجد جهات تتولى التنصت على شخصيات سياسية, واعلامية, وماهي الضمانات التي تؤكد وجود فصل بين التنصت الامني والتنصت السياسي؟ رابعا: هل صحيح ان هناك جهات سياسية نافذة في البلاد, تتسلم (تقارير يومية) على التنصت على الهاتف؟ خامسا: هل هناك نية لدى الحكومة, لاعداد قانون يشكل الحل النهائي لمشكلة التنصت المزمنة في لبنان, ويعطي الجهات السياسية كافة الضمانات بمكافحته, ومنع أي شكل من اشكال التنصت السياسي. نعمان يسأل السبع... ماذا فعلت في الوزارة؟ ــ نعمان: كنت اتوقع من هذه الجلسة ان تضع النقاط على الحروف لأن احد النواب يتهم جهات غير محددة بالقيام بالتنصت موضحا ان لديه معلومات في هذا الشأن. ولن نتوقع ان يقوم النائب السبع بتوفير المعطيات, لكنني عندما استمعت اليه, لم اقع على شيء جديد يتجاوز ما قيل, ليضاف الى ما قاله في جلسة المنافشة العامة. ان النائب السبع تحدث عن امرين, عن واقعة وعن معلومة, فأما الواقعة فهي تشير الى حصول نزاع بين جهازين امنيين في سنترال بئر حسن, موضحا ان هذا النزاع معروف, وبالتالي فهو يطلب الكشف عن هوية هاتين الجهتين, اما المعلومة, فتشير الى ان مسؤولا امنيا كبيرا أبلغه عبر شخص آخر بأن هواتفه العادية مراقبة ويجري التنصت عليها. فبالنسبة الى الامر الاول (الواقعة) فإنني اؤكد انني لم اسمع بهذا الامر من قبل حضوري الى الجلسة, واما بالنسبة الى الامر الثاني (المعلومة) فإن النائب السبع مطالب بالكشف عن هوية المسؤول الذي نقل الرسالة. أنا لا اعتقد ان النواب, ولا احد من المسؤولين, ماضيا وحاضرا لم يعر موضوع التنصت الاهمية القصوى, والنائب السبع تبرع من جهته ليقول ان اشخاصا عديدين طرحوا هذا الامر منذ سنوات, وان الرئىس الحص سبق ان تقدم بسؤال للحكومة السابقة حول هذا الموضع, وأنا اسأله (موجها كلامه للسبع): ماذا فعل في العهد الماضي من مركزه في وزارة الاعلام لتسليط الاضواء على هذا الموضوع. ــ السبع (مقاطعا): انت في موقع المساءلة وكل الاسئلة موجهة اليك. ــ نعمان: لم نعط معلومات جديدة. السبع يسأل نعمان: التنصت موجود أم لا؟ ــ السبع: هذه المعلومات اعتقد انها مهمة جدا, وأنا أسألك كوزير للهاتف: هل توجد اجهزة تنصت في السنترالات, فلتجبني بــ (نعم) أو (لا) , واذا كان (لا) فبالتأكيد انك ستشفي غليلي وغليل الكثيرين ممن يرويدون ان يسمعوا الجواب على هذا السؤال. (لكن نعمان لم يجب بــ (نعم) أو (لا) ). ــ جورج قصارجي: ان المعلومات التي قدمها النائب السبع قديمة, فهي المعلومات التي كنا نتداولها دائما, وهنا اطرح على الوزير نعمان سؤالين: (أولا): هل توجد غرف تتولى التنصت في وزارة الهاتف؟ (ثانيا): هل ستتقدم الحكومة بمشروع قانون حول التنصت؟ ــ (هنا ألح النواب على نعمان الاجابة عما اذا كان هناك تنصت أم لا). ــ نعمان: ليس لدي علم بوجود تنصت, وأنا خلال وجودي في الوزارة لم اعط اية جهة ادارية أو امنية أي اذن بإجراء تنصت. سجال بين الحكومة والمعارضة ــ غسان مطر: كأن الجلسة تتحول الى سجال بين الحكومة والمعارضة, وهذا هو الحال في الجلسات العامة, ايضا, موضوع التنصت تحول الى منصة تقفز منها المعارضة على الحكومة, والذين كانوا في الحكومة سابقا, يقفزون من هذه المنصة من موقع المعارضة. هذا الموضوع مطروح منذ العام 1993 باعتراف كل الاجهزة التي حضرت الى هذه القاعة, واعترفت بالتنصت على الهاتف العادي, والسؤال الاساسي يبقى كيف نستطيع ان نفصل بين التنصت السياسي والتنصت الأمني؟ الأمن يعترف بالتنصت ــ أيوب حميد: الموضوع ليس شخصيا, ولا يتعلق بالنائب السبع, ولا بالمعلومات التي لديه, هذا الموضوع يتعلق بالمبدأ, وموضوع التنصت قائم تاريخيا منذ اقتحام (الغرفة السوداء) في اوائل السبعينات. ــ الخطيب (مقاطعا): هذه الغرفة رجعت اشتغلت بعد ثلاثة اشهر. ــ حميد (متابعا): القوى الأمنية اقرت بوجود تنصت, والسؤال الذي يعيننا لا يتعلق بالفصل بين التنصت الامني والسياسي, انما يتعلق بدور اللجنة النيابية للاعلام, والمجلس النيابي في ايجاد المخرج القانوني لمعالجة هذا الموضوع. ان التنصت قائم وثابت, انما الى اي مدى يتوسع, وبأمر من يتم, وهل يتم في اطار اداري أو غير اداري؟ هذه اسئلة مطلوب الرد عليها. مطلوب قانون للتنصت ــ طلال المرعبي: من يستطيع ان يقول انه لا يوجد تنصت؟ ان احدا لن يصدق ذلك, التنصت هو مثار, وإثارته الآن متجددة وليست جديدة. باعتبار انه من المواضيع المطروحة منذ سنوات. ولعل الظرف بات يقتضي ان ينظر الى هذا الامر بموضوعية, ومن خلال اطار قانوني يعالج الموضوع. ــ جهاد العمد: كل الموجودين يقولون بوجود التنصت, فأدعوا الى ايجاد قانون ينظم الامر. ــ ابراهيم بيان: أؤيد توجهات الوزير نعمان. ــ جميل شماس: هذا الموضوع يجب ان يخرج من السجال السياسي, وان يعالج بأسلوب مهني, اننا نستحضر هذه الامور دائما, ثم تبرد في النهاية. كان التنصت موجودا اثناء حكومات الرئىس رفيق الحريري. يقولون انه يوجد تنصت, فماذا فعل الرئيس الحريري ليوقف التنصت؟ وماذا نطلب من الوزراء الآن؟ يجب الا يكون الموضوع (فشة خلق) يجب ان يعالج بهدوء. ــ روبير غانم: يجب ان نستمع الى الزميل (النائب) سامي الخطيب طالما ان الأمر يعود الى سنوات وسنوات, هل هو موضوع اداري يصدر عن جهاز يرفع تقريره من مرؤوس الى رئيس, ام هو موضوع لا علاقة له بالتركيبة الادارية, ان وجود التنصت يحتم البدء بايجاد مخرج قانوني. الخطيب يدعو للتنظيم سامي الخطيب: ان التنصت وسيلة من وسائل السلطة, اية سلطة, وسيلة للامن القومي, وكل بلدان العالم تستخدم هذه الوسيلة بشكل او بآخر, غير ان كل بلدان العالم الديمقراطي اعدت تشريعات ونظما بهذا الموضوع. مشكلتنا في لبنان, اننا نستخدم هذه الوسيلة, وسيلة سياسية, هذا الموضوع مطروح قبل الستينات. وهو موجود فعلا, وانا مارست التنصت في فترة من الفترات. المهم الان ان نخرج من هذا الواقع. ورؤساء الاجهزة الامنية يعترفون بالتنصت, وخضوعه لاجراءات معينة, منها معاينة النيابة العامة, التي ترفع لوائح للاجهزة الامنية بالهواتف المطلوب مراقبتها ومدة التنصت عليها. التنصت على المحمول شبه مستحيل ومدير الامن العام فريد روفايل قال في حينه: (نعم انا لدى تنصت لمصلحة الامن العام, وكذلك لدى اجهزة امنية اخرى غير اننا قمنا بتفكيك الاجهزة بعد الضجة التي اثيرت في مجلس النواب) . وبالفعل فككت بعض الاجهزة في محيط مصالح الجيش (قرب شارع بداو) . ثم انتقلنا للبحث في الهاتف الخليوي (المحمول) وقد تبين لنا من خلال استشارات تقنية ان مراقبة هذا الهاتف شبه مستحيلة ومكلفة جدا, ولا تستطيع عبر الهواء ان تراقب غير خط واحد, هناك اجهزة اخرى يمكنها ان تراقب 500 خط دفعة واحدة, انما عن طريق برمجة معينة و(ديسك) يوضع داخل السنترال, فاذا استطعنا ان نضع داخل كل سنترال (ديسك) , واجريت الكشوفات اللازمة على سنترالات الخليوي وارسلنا مهندسين الى السويد والمانيا, محملين بتساؤلات فنية الى الشركات المتخصصة عن وظيفة كل جزء من سنترال الخليوي, وتأكدنا عبر الاجابات من استحالة مراقبة الخليوي. نحن امام وسيلة في منتهى الخطورة, ولا يمكن ان نتركها (هيك فلتانة) هي اخطر من المسدس الحربي, وبالتالي لابد من ان يتم وضع قانون لضبطها ويحدد المسؤوليات, لقد احضرنا نسخا عن القانون الفرنسي. وطلبنا القانون السويدي والقانون البريطاني, وسنتقدم في اخر شهر اغسطس بعد العطلة النيابية الى رئيس المجلس النيابي نبيه بري بتقريرنا مشفوعا باقتراح قانون حول التنصت. باسم السبع وزير الاعلام السابق فجر قضية التنصت رفيق الحريري الغائب الحاضر في البرلمان سامي الخطيب ضابط الامن السياسي وسر الغرفة السوداء البرلمان في جلسة غير سرية لبنانية تتحدث في المحمول.. التنصت شبه مستحيل