تردد الرئيس السوري حافظ الأسد في اللحظة الأخيرة, واحجامه عن زيارة الرباط لتقديم واجب العزاء في الملك الحسن, كان دافعه الأول هو رغبته الأكيدة في عدم لقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك في تلك المناسبة كأمر واقع, والا يضع يده في يد الرجل اليهودي ليعقد معه على هامش الجنازة قمة عاجلة, فالتوقيت ليس مناسبا تماما للرئيس السوري الذي يعلم مسبقا ان عليه قبل هذا اللقاء اتخاذ قرار حاسم في بضعة شروط وضعتها اسرائيل مسبقا كثمن مبدئي لاجراء مفاوضات السلام مع سوريا وحول هضبة الجولان. وكانت أول المطالب الاسرائيلية هي تسليم سوريا لرفات الجاسوس الاسرائيلي (ايلي كوهين) لاعادة دفنه في اسرائيل, وثاني المطالب هو وساطة سورية ناجحة لدى ايران للافراج عن 22 يهوديا متهمين بالتجسس لحساب اسرائيل وأمريكا. وبخصوص المطلب الأول فقد تردد ان سوريا في الاسبوع الماضي أعربت عن استعدادها لتسليم بقايا رفات (ايلي كوهين) المدفونة منذ 30 سنة لاسرائيل, وأعلن موريس كوهين شقيق الجاسوس السابق انه سمع هذه المعلومات من الكاتب البريطاني باتريك سيل, والذي كتب قصة حياة حافظ الأسد, وأجرى مقابلتين صحفيتين مع الاسد وايهود باراك, وهما المقابلتان اللتان أعادتا للسطح مؤخرا رغبة الطرفان في استئناف مفاوضات السلام, وظلت الحكومة الاسرائيلية وموريس كوهين يحاولان على مدى ثلاثة عقود الحصول على رفات الجاسوس ايلي, وكان هذا الجثمان في حينه من أهم شروط اسرائيل لاعادة حوار السلام مع سوريا, غير ان سوريا رفضت دائما هذا المطلب لان الجاسوس الاسرائيلي كبدها خسائر كبيرة في حرب مصيرية وهي حرب 1967. وكان ايلي كوهين جاسوسا نموذجيا مصري الأصل من أم سورية, ويتحدث العربية بطلاقة ويتقن اللهجة السورية, ولم يكن غريبا على ايلي كوهين عمل الاستخبارات عندما دخل إلى جهاز الموساد في عام ,1960 فعندما كان يعيش في مصر كان أحد أعضاء خلية سرية لها نشاط كبير في الاعداد لتقوية وترسيخ الدولة اليهودية, ولم تطلب منه الحكومة الاسرائيلية بشكل رسمي العمل من أجلها إلا بعد أن عاد من مصر وعاش عدة سنوات باسرائيل, لذلك زج به الموساد في الستينات بكل سهولة في سوريا تحت اسم كمال ابن طابيت, وليعمل في هيئة تاجر للتحف الشرقية, وعاش ايلي كوهين في دمشق منذ عام ,1961 ولم يجد أية صعوبة في قيامه بمهمته التجسسية في دمشق, حيث كون في وقت قصير شبكة علاقات ضخمة, ويطلع على معلومات هامة من أجهزة الاتصالات والمواصلات, ومن خلال اقامته لحفلات خاصة في بيته لكبار الموظفين السوريين نجح في تحقيق أهدافه, وساعدته معلوماته هذه في اطلاع اسرائيل على نسيج العلاقات السياسية بين مختلف التيارات في سوريا, وكان يرسل يوميا بالراديو عن طريق الموجة القصيرة معلومات هامة عسكرية عن دمشق إلى تل أبيب, وكان دائم الزيارة للحدود الجنوبية من سوريا, وهو الذي اكتشف الخطة السورية لتحويل أهم مصادر المياه التي تستولي عليها اسرائيل من الأردن إلى قناة اليرموك, اضافة إلى تزويده لاسرائيل بمعلومات حول فصائل فتح وخطط المهام العسكرية التي كانت تعتزم قيادات فتح القيام بها في شمال اسرائيل, وكانت هذه المعلومات على درجة كبيرة من الأهمية ساعدت اسرائيل خلال حرب الأيام الستة عام 1967. لكنه قبض عليه, عندما بدأ في تكثيف نشاطه بصورة ساهمت في كشفه, حيث أصبح يرسل رسالتين في اليوم الواحد لاسرائيل عبر الراديو, وبدأت الشكوك بشكوى من السفارات الاجنبية من وجود تشويش وذبذبات غير عادية في ارسال الراديو, ووضعت سوريا أجهزة روسية متقدمة جدا لاستقبال الاشارات, وفي 24 يناير عام 1965 تمكنت السلطات السورية من القبض على ايلي كوهين متلبسا أثناء جلوسه في انتظار رسالة تصله من تل أبيب وتم ضبط الاجهزة التي كان يستعملها, وفي 18 مايو من ذات العام أعدمته السلطات السورية وكان عمره 41 عاما, وذلك في ميدان عام وبصورة علنية أمام عشرة آلاف من الجمهور, ورفضت سوريا طلبات العفو التي وردت اليها من معظم بلدان العالم وفي مقدمتها بابا الفاتيكان, كما رفضت سوريا حينذاك عرض المبادلة الذي قدمته اسرائيل لتسليمه في مقابل جميع الجواسيس السوريين المسجونين في اسرائيل. غير انه باعلان حافظ الأسد نية تسليم رفات ايلي كوهين الاسبوع الماضي فقد اعتبرت اسرائيل هذا الاجراء خطوة جيدة على طريق بدء مفاوضات السلام, لكن بقي لدى اسرائيل مطلب آخر وهو الأهم بالطبع, الخاص بالوساطة لدى ايران للافراج عن اليهود, فسوريا التي تتمتع بعلاقات جيدة مع ايران, ولذلك تعد سوريا وسيطا نموذجيا للتوسط لدى ايران للافراج عن اليهود الايرانيين المسجونين هناك منذ شهر ابريل من هذا العام وعددهم ,22 بينهم مدرسان للدين اليهودي وحاخامات, اتهمتهم ايران بالتجسس لحساب اسرائيل وأمريكا. وكانت ايران القت القبض على اثنين من اليهود عام 1997 بتهمة التجسس وأعدمتهم, وتخشى اسرائيل أن يكون مصير الـ22 يهوديا هو الاعدام, خاصة وان ايران تشهد هذه الأيام حالة من التوتر السياسي, وتشهد المظاهرات رفع شعارات مضادة لامريكا واسرائيل, وقد يساعد هذا في اصدار الحكومة الايرانية أحكاما بالاعدام. وقد أشارت اسرائىل لسوريا ان نجاحها في الوساطة لدى ايران واطلاق سراح اليهود من هناك إنما يعد دليلا ايجابيا على رغبتها الحقيقية في السلام, ومن هنا فقط يمكن أن تبدأ اسرائيل مع سوريا المفاوضات حول الجولان, وهو أمر لم يبد الرئيس السوري حتى الآن أي اشارة للموافقة على هذا المطلب. ومطالبة اسرائيل بيهودها الأموات والأحياء من خلال سوريا إنما هي بداية لقائمة مطالب أخرى متوقعة ستقدمها لسوريا في مقابل السلام, في مقدمتها الانسحاب من لبنان, ووقف دعمها لعناصر حزب الله, والبقية ستأتي. لاهاي - سعيد السبكي