يواصل الدكتور رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع الوطني المصري المعارض وعضو مجلس الشورى سرد مذكراته من فترة الرئيس الراحل انور السادات ويخصص الحلقة التالية للزوبعة التي اثارها حصول السيدة جيهان صفوت رؤوف قرينة الرئيس السادات على شهادة الماجستير والدكتوراه في الآداب من جامعة القاهرة, والتي بثت وقائع مناقشتها على الهواء مباشرة. ويفتح السعيد النار على جيهان السادات ويورد أدلة على قيام ثلاثة من كبار الاساتذة والكتاب بجمع المادة العلمية لرسالتها وكتابتها بالنيابة عنها, وفي مقدمتهم الدكتور لويس عوض الذي تجاهلته السيدة جيهان عقب حصولها على الدرجة العلمية, لانتهاء دوره حسبما يؤكد السعيد نقلاً عنه, ويورد قولها له.. (انا مش فاضية.. عاوز حاجة) . ويروي السعيد فصلاً عن قصة اعتقاله عقاباً له على كتابة مقال يقارن بين جيهان وارملة الرئيس الصيني الراحل ماوتسي تونج, ويحكي سريعاً كيف ادلت جيهان بحوار غريب لمجلة (البلاي بوي) ادى الى الاطاحة برئيس هيئة الاستعلامات وقتها الدكتور مرسي سعد الدين من منصبه عقابا له على تقصير لم يرتكبه. حكاية الدكتور لويس وجيهان .. وتبدأ القصة بزيارة باريسية وبينما اخرج من فندق كلود برنار في شارع المدارس وجدت في مواجهتي وأمام باب الفندق المواجه.. د. لويس عوض منتصباً في استرخاء مريح وامامه حقيبته. اندفعت. سلمت. تضاحكنا. قال بصراحته المعهودة: انا في انتظار سيارة من السفارة لتنقلني الى فندق (لي كريون) , اسم (لي كريون) يثير الدهشة المملوءة بالشغف فأمثالنا لا يتجاسرون على المرور امام هذا الفندق.. الارستقراطي جداً, والى درجة تثير فيك الاحساس بالخوف, (هو آت الى فندق متواضع اعتاد عليه, لكن تعليمات رئاسة الجمهورية في القاهرة حتمت هذا الانتقال) . لم ينتظر سؤالا او استفساراً. بساطته الدافقة تدفقت بالحكاية. هو يسهم في تجميع المادة العلمية لرسالة الماجستير الخاصة بالسيدة الاولى لمصر آنذاك (جيهان السادات) . واذ حاولت الدهشة ان تطل من بعض كلماتي.. كيف لاستاذ كبير مثله ان .. لم اكمل.. قال: نحن ثلاثة, ومعنا فلان (اشهر مترجمي مصر من الانجليزية الى العربية) كمترجم. واذ حاولت الدهشة مرة اخرى ان تندهش, قال في بساطة بريئة:(مش علشان اي حاجة, علشان الست, دي ست ظريفة جداً, ومهذبة جداً, عاملتني باحترام شديد عندما زرتها في قصر الرئاسة.. صبت الشاي بنفسها في فنجاني.. وعاملتني كضيف معزز مكرم, انها نموذج لسيدة مهذبة) . ومضت اسابيع قليلة, وفيما اندفع في احدى ردهات الاهرام مسرعاً كعادتي ايام الشباب, وجدت نفسي مصطدماً بأحضان د. لويس, سألته مازحاً: اخبار الست ايه.. فوجدته ساخطاً.. وسرنا نحو غرفته ليكمل لي حكايته معها. جمع المادة المطلوبة, سلمها للأستاذ المكلف بالصياغة ثم بالغ في تصور قيمة الامر كله, فطلب مقابلة (الست) . هذه المرة الاستجابة تراجعت طويلاً.. وبعد مطالبة ثانية حدد الموعد.. دخل الدكتور يعد ملاحظاته على موضوع الرسالة, واسلوب اعدادها, فجأة وفيما كان يتأمل احدى لوحات الصالون سمع صوتها مرحباً به.. التفت ولم يجدها, كان الصوت المرتفع يأتي عبر احدى السماعات قالت: آسفة يا دكتور انا مشغولة.. عايز حاجة, حاول ان يسرد بعضاً من ملاحظاته غيرواثق من ان صوته يصل اليها.. كما يصله صوتها, هي قالت بملل واضح: ارجوك يا دكتور ناقش الموضوع ده مع د. فلان.. انا مش فاضية. على الهواء أرملة ماو خلعت ثيابها ويشاء حظي ان افتح التلفزيون لأشاهد مناقشة رسالة السيدة الاولى وهي تنقل بالكامل على الهواء.. كانت رئيسة لجنة النقاش منبهرة بالرسالة (وهي محقة تماماً, فقد جند ثلاثة من اشهر الاساتذة وواحد من اشهر المترجمين لاعدادها).. وكانت السيدة الاولى تجيب عن الاسئلة المرتجفة بترفع يليق بها. تذكرت غضب د. لويس من ترفعها عن مقابلته.. وتذكرت انه لا علاقة لها بهذه الرسالة, وان الجهد يجب ان ينسب لاصحابه وتذكرت الملك فاروق وهو يرفل في ثياب الجهل الجاهل اذ منحوه درجة الدكتوراه الفخرية, وتصورت انه اكثر شرفاً من هذه المهزلة. وكانت (الاهالي) في تلك الايام موقوف صدورها منذ فترة طويلة, صودرت ثم صودرت عديداً من المرات المتتالية, وعاندنا عنادا شديداً الى درجة اننا اصدرنا عدداً لا يحتوي الا على نص برنامج الحزب (وهو البرنامج الذي اشهر الحزب على اساسه والذي حظي بموافقة رسمية من اجتماع مشترك لمجلس الشعب واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي, واكتسب بهذه الموافقة حجية الشيء المقبول به رسميا) ومع ذلك صودر العدد. ويتصاعد عنادنا فنصدر (التقدم) (خمسة آلاف نسخة) نحررها, نكتبها على الآلة الكاتبة, نطبعها, نجهزها, داخل المقر المركزي, وكثيراً ما كانت الصعوبة تتبدى عند محاولة اخراجها من المقر, البوليس المتربص يلاحق اللفافات ويلاحق من يحملونها ومع ذلك استمرت (التقدم) فقد كانت كلمتنا الوحيدة المتاحة. الديمقراطية او (الاستربتيز) المهم.. واذ تراكم الغيظ المكتوم منذ استقبالي لغضبة د. لويس, وبعد متابعتي للمناقشة الهزلية في التلفزيون, كتبت مقالاً.. سكبت فيه كل ما تراكم من تراكمات الغيظ. عنوان المقال (اتحاد لزوجات رؤساء الجمهورية) : وبدأت بحكاية قصة زوجة الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونج.. كيف انهم تملقوها حتى أسموها (جميلة الجميلات) و(عالمة العالمات) , وكيف انها حصلت على اكثر من رسالة دكتوراه.. وكيف.. وكيف.. ثم اتى زمن الغروب, غربت شمس الزعيم, وآن للشمس والقمر ان يختفيا من سماء السيدة الاولى, فلا يتبقى سوى الانزواء.. ثم المطاردة.. ثم المحاكمة (جميلة الجميلات) , و(عبقرية العبقريات) ذهلت من تهجم الجميع عليها, تذكرت ما كان, كل ما كان (ولعلها لسوء حظها كانت تصدقه) دهشت, او غضبت, او انهارت, المهم انها انفجرت في القضاة, انفجرت ربما بجنون, وهل من عقل يمتلك قليلاً او حتى كثيراً من التعقل يمكنه ان يستوعب هذا الانقلاب في مواقف الناس؟ خلعت ثيابها قطعة قطعة, القت بها في وجه القضاة حتى استوت عارية تماما (ملحوظة: هذه الواقعة صحيحة فعلاً) قفزوا خارج القاعة.. وحكموا عليها حكماً قاسياً.. بذات قسوة تملقهم لها عندما كانت شمسها مشرقة على الصين كلها. وتوالت كلمات المقال بعد ذلك.. هذا المصير ينتظر الكثير من زوجات رؤساء الجمهورية, الغرور المغتر بالنفاق الدافق يتخمهن.. والتقلب المتقلب حتماً يقصم ظهورهن. ولا يتبقى (هكذا قلت في المقال) سوى ان يؤسسن اتحاداً لزوجات رؤساء الجمهورية.. يكون شعاره (يا زوجات رؤساء الجمهورية اتحدن.. الديمقراطية او الاستربتيز) منشورات في صالة تحرير الاهرام كالمعتاد كنت أحمل معي عددا من نسخ (التقدم) أوزعها على بعض زملاء جريدة الاهرام, وحتى بعض الكبار منهم مثل كمال الملاخ وحمد فؤاد وصلاح جلال. كانوا ينتظرون, ويلحون في همس, ويتبادلونها في تقدير ربما مبالغ فيه. وبينما انساب بجوار صالة التحرير متجها الى ملتقانا في غرفة كمال الملاخ.. أسرعت خلف زميلة أهرامية (أ) وهي قريبة للسيدة الأولى وتتباهى دائما بأن (آنت جيهان) قالت.. أو فعلت, وكانت تستمتع طبعا بمتعة القرابة المقتربة من قمة قمم السلطة.. أسرعت (أ) لاهثة في انفعال (ايه الهباب اللي انت كتبته ده) وابتسمت وأنا استمع اليها.. (آنت جيهان عرض عليها تقرير به مقالك) .. قالت غاضبة: (سأعرف كيف أربي ابن... ده) . زيارة ليلية وكالمعتاد.. أتى العسس مساء لأحل ضيفا من جديد على سجن القلعة. ذات السجن. ذات الحجرة رقم 2 ليكون بابي مواجها لباب غرفة مأمور السجن فلا يتجاسر أحد على فتحه الا بأمر آمر. .. وكالمعتاد يقبض على المطلوب, ثم يبحث عن تهمة له. كان الضابط الذي أتي للقبض عليّ لطيفا وهادئا, قال في بساطة: (زملائي قالوا لي لا تتعب نفسك, فلن تجد لديه أي شيء ممنوع) . لهذا لم يرهق نفسه أو يرهقني بأي تفتيش, واذ أعددت حقيبتي, وفيما أغادر قال مبتسما: مفيش أي حاجة نأخذها معانا, بدل ما نخرج فاضيين؟ مددت يدي على المكتب لأجد مظروفا وصلني من لندن يحتوي على نسخة من مجلة عربية تصدر هناك تحتوي على عرض مسهب لمحاضرة ألقيتها في جامعة لندن عن (أوضاع مصر) . وبينما أرفع المظروف ظهر من تحته عدد من مجلة (البلاي بوي) (مجلة جنسية تحوي صورا عارية لرجال ونساء) انتفض الرجل مندهشا (ايه ده يا دكتور, انت عندك حاجات زي كده) . أدى نشر الحوار الى اقالة رئيس هيئة الاستعلامات الدكتور مرسي سعد الدين لتحمله مسؤولية تقديم الصحيفة الامريكية لجيهان. قلت أحضرتها لأقرأ الحديث الذي أدلت به سيدة مصر الأولى. ناولته المجلة في صدرها صورة جيهان السادات وحديث لها على عديد من الصفحات. أمسك بالمجلة, تلاعبت أصابعه بالصفحات لتطالع أجسادا عارية بصورة مقززة, ثم صورة لجيهان السادات.. صحيح انها صور وقورة, ولكن مجرد نشرها في مجلة متخصصة في الصور العارية يشكل مهانة لمصر لا يقبلها أي مصري.. القى بالمجلة قائلا في غيظ لم يحاول ان يخفيه (ايه القرف ده) . وأخذ المجلة اللندنية التي تحتوي على عرض لمحاضرتي في جامعة لندن. وربما كانت المرة الأولى وربما الأخيرة التي يستشعر فيها المتهم بحالة من الرثاء العميق للمحقق. كان المحقق مرتبكا لا يجد ما يقول. فما من شيء أمامه يمكن ان يسأل فيه, أو يسأل عنه. أمر اقبض صدر عاجلا, ونفذ عاجلا دون الاعداد أو الاستعداد, وبدأت اسئلة متعثرة. ما هي علاقتك بحزب التجمع؟ وضحكت. فعلاقتي أوضح من ان توضح.. ثم: هل تسعون لتغيير نظام الحكم؟ واجبت ببساطة: نعم. فلسنا ناديا رياضيا.. نحن حزب يسعى, ومن حقه ان يسعى لتغيير نظام وطاقم الحكم معا, ليحكم هو, ما دام يسعى لذلك بوسائل شرعية. تلفيق المباحث وورطة المحقق لم يجد ما يفتح به هذا الباب المغلق, فانتقل الى باب آخر. هل أصدرت كتبا عن تاريخ الحركة الشيوعية المصرية؟ وايضا ضحكت. الاجابة ليست بحاجة الى كلمات كي تتوضح, فالكتب كثيرة. طبعت, وتوزعت على مدى سنوات دون اعتراض من احد. لكنه قال محاولا ان يفتح ثقبا في باب مغلق بطبعه: تقول تقارير أمن الدولة انك أعددت وكتبت وطبعت ووزعت هذه الكتب بناء على تعليمات من قيادة الحزب الشيوعي المصري. وكانت اجابتي بسؤال: كتبت كتابين عن النحاس وسعد زغلول وكتابا عن عرابي وآخر عن محمد فريد وكتابا عن حسن البنا وآخر عن احمد حسين وايضا عن عبدالناصر, فمن أصدر لي تعليمات بذلك كله؟ ثم ان الذي وزع هذه الكتب هو مؤسسة الاهرام.. دون اعتراض من احد. وأحس المتهم بقطرات من عرق تتجمع على جبين المحقق. مسكين هذا الممثل في مسرحية غير متقنة. وبدأت انتظر ان يصرخ في سباب لهؤلاء الذين أوقعوه في مأزق لا مخرج منه. تهمة ملفقة دقات على الباب, انقذت المحقق, غيرت مجرى تيار الكهرباء الذي شحن الغرفة بالتوتر. تلفت بحثا عن منقذ. انفلت موظف. همس. أوقف المحقق التحقيق, وأفلت. خمس دقائق أو أكثر قليلا عاد متهللا.. هادىء البال.. مستعيدا كثيرا من ثباته المفترض. مظروف كبير يتمدد الآن أمامه, المظروف مفتوح بغير اتقان, انها طريقة المتعجل. واخرج ورقة تأملها.. ثم كتيبا تأمله. تمددت نظرته المتشفية نحوي, ثم اعتدل, تنفس, تهيأ. وبدأ التحقيق وكأنه يبدأ من جديد: ــ هل زرت لندن؟ ــ نعم. ــ لماذا؟ ــ بدعوة من جامعة لندن لالقاء سلسلة محاضرات عن تاريخ مصر الحديث. ــ وهل ألقيت محاضرة عامة؟ ــ نعم, وجه بعض الاساتذة العرب دعوة لي لالقاء محاضرة عامة عن الأوضاع في مصر. والمحاضرة تمت في أحد مدرجات الجامعة وتناولت الأوضاع بشكل عام. وهناك أكثر من تسجيل لها, أنا لدي واحد, والسفارة أرسلت مندوبا حضر وسجل هو ايضا. ــ تقول تقارير مباحث أمن الدولة ان هذه المحاضرة نظمت خصيصا كي تتهيأ الفرصة لعناصر الحزب الشيوعي المصري ان توزع كتيبا بعنوان (الشعب المصري ضد كامب ديفيد) . (تمسكت بأهداب ذاكرتي.. لم يوزع شيء خلال المحاضرة, كنت أعرف انها مناسبة محفوفة بالمخاطر, فحرصت وحرص الجميع على ان تمضي بسلام, وعلى ان تكون المحاضرة والحوار في الحدود المحددة لما هو ممكن). ومددت يدي لأتناول الكتيب, ناولني الرجل الكتيب, لاحظت طرف المجلة اللندنية يطل من المظروف (ذات المجلة اللندنية التي اعطيتها للضابط الذي قام بالتفتيش.. أخذها. قرأوا ما كتب فيها, علموا بالمحاضرة, لفقوا قصة توزيع الكتيب). قلبت الكتيب في يدي, لمحت التاريخ, امتلكت القنبلة, لكنني أجلت تفجيرها, جادلت طويلا حول تقاليد جامعة لندن, وتقاليد المحاضرات العامة, ومسؤولية المحاضر عما يقول وعدم مسؤوليته عما يوزع في القاعة.. وبعد ان شبعت من التلاعب بالمحقق المسكين نزعت من القنبلة صمام أمانها لتنفجر. تاريخ الكتيب يأتي بعد تاريخ المحاضرة وتاريخ مغادرتي لندن بأكثر من ثلاثة أسابيع (المساكين في أمن الدولة فرض عليهم البحث عن مبرر, تسرعوا وأسرعوا بتلفيق ما لا يمكن ان يلفق, والمسكين المحقق وقع في المأزق). صمت المحقق, لم يجد ما يقول سوى عبارتين, احداهما رسمية (يعود المتهم الى محبسه) . وأخرى هامسة وغير رسمية (أنا آسف) . وبعد أسابيع قليلة انتهت المهزلة بالافراج. ملحوظة: كانت هذه الاستضافة الاجبارية فرصة كي اختزن في ذاكرتي (كما فعلت من قبل) رواية جديدة هي (البصقة) لأسكبها سريعا على الورق بعد الافراج عني.