اكدت نتائج الترشيح على رئاسة البرلمان الأوروبي على حدوث تحولات أوروبية جديدة ضد اليسار الديمقراطي, والاصرار على انهاء اسطورة (الطريق الثالث) وهو الاتجاه الذي بدأت ملامحه تتضح بقوة في نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو الماضي, فقد جاء فوز الديمقراطية المسيحية الفرنسية (نيكول فونتاين) في الجلسة الأولى للبرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة بلغت 306 أصوات برئاسة البرلمان الأوروبي, وانتصرت على المرشح الاشتراكي (ماريو سوارس) رئيس الوزراء البرتغالي السابق الذي لم يحصل الا على 200 صوت, ويعود الفضل في فوز (فونتاين) الى التحالف الذي عقدته اللجنة البرلمانية للأحزاب الديمقراطية المسيحية المحافظة داخل البرلمان الأوروبي مع المجموعات الليبرالية, وهي السابقة الأولى من نوعها خلال عقدين من الزمن, والهدف من هذه الاتفاقية تنحية الاشتراكيين جانبا وابعادهم عن الواجهة, وبذلك خرج بالفعل الاشتراكيون الذين تقاسموا رئاسة البرلمان الأوروبي مع الديمقراطيين المسيحيين لمدة 20 عاما, وحدث الطلاق السياسي بين الديمقراطيين والاشتراكيين داخل البرلمان ليتم زواج جديد بين الديمقراطيين واليبراليين, ولم تأت هذه الاتفاقية بهدف مبادئ سياسية بقدر ما كانت بمقابل انجاح احد الليبراليين ليتسلم رئاسة البرلمان الأوروبي بعد عامين ونصف من الآن, حيث تقضي الاجراءات بانتخابات رئيس جديد للبرلمان في منتصف مدة البرلمان والتي تبلغ خمسة أعوام, ومن المتوقع أن يرأس البرلمان الايرلندي (بات كوكس) في النصف الثاني من الفترة البرلمانية, وقد وعدت (نيكول فونتاين) التقدم بلائحة جديدة في نهاية هذا العام كمكافأة لأعضاء البرلمان الأوروبي على مساندتهم لها, واكدت في الوقت نفسه بشدة على ان التحالف الذي أبرم بين الديمقراطيين والليبراليين ليس اتفاقية سياسية, وذلك على العكس من تصريحات بقية الأعضاء الذين اكدوا نقيض ذلك. وفي تصريح خاص لـ (البيان) في لاهاي اكد (اوفراينس) المتحدث الرسمي للبرلمان الأوروبي شرعية الاتفاق الذي تم بين الديمقراطيين من الناحية السياسية ودستوريته وفقا لنظام الانتخابات الأوروبي الذي يقضي بفوز الأغلبية, لكن قد تختلف بالطبع آراء رجالات السياسة حول مدى شفافية هذا الاتفاق وفقا لوجهات النظر الخاصة, واضاف (اوفراينس) ان الاتفاق لا يجب تفسيره على انه مؤامرة من الديمقراطيين المسيحيين المحافظين والليبراليين ضد اليسار الأوروبي الذي يسيطر على الحكومات الأوروبية لعمل نوع من التوازن مع هذا اليسار, فما حدث نتيجة لسلوك سياسي داخل البرلمان الأوروبي, حيث ان الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو الماضي قد أفرزت نجاحا كبيرا للديمقراطيين المسيحيين داخل البرلمان, والتي كانت نتائجها فوزهم بـ 50 مقعداً اكثر من الاشتراكيين الديمقراطيين (اليسار) لذلك لم يعد الديمقراطيون المسيحيون بحاجة لليسار. وقد أدت نتائج رئاسة البرلمان الى تغيير التوازن داخل البرلمان الأوروبي بين النواب الذين ينتمون لحكومات بنفسجية (من الاشتراكيين والخضر) واتهم الهولندي العمالي (ماكس فان دي بيرخ) العضو البرلماني هذه الاتفاقية واطلق عليها اتفاقية الشيطان, ووصف هذا التحول بأنه غير طبيعي, فهي سابقة سياسية من نوعها لم يرد مثلها في ماضي البرلمان الأوروبي, واعتبرها نوعاً من المعارضة السياسية داخل البرلمان الأوروبي ضد الحكومات اليسارية, لكن من الواضح ان غضب واعتراض الاشتراكيين داخل البرلمان الأوروبي لن يغير من النتائج التي أرستها نتائج الانتخابات الأخيرة كما لن يغير من التوجه الجديد للقضاء على اسطورة الطريق الثالث, وهو اتجاه تدفعه ارادة الشعوب الأوروبية التي فقدت الثقة في وعود اليساريين خلال السنوات الماضية بعد ان فشلت هذه الحكومات في تحقيق وعودها في تحسين الأحوال الاقتصادية ومحاربة البطالة, واثبتت من خلال سياستها تذبذبا واضحا بين الانغلاق الحكومي والانفتاح الرأسمالي. لاهاي ــ سعيد السبكي