منذ اللحظة الاولى وقبل ان يرى المشروع الصهيوني النور وايام كان مجرد حبر على ورق كان العشرات من العلماء اليهود ينشرون امامهم الخرائط لرصد كل نقطة ماء عربية ولم تكن مصادفة ان تيودور هرتزل انهى خطابه التأسيسي في بازل سويسرا بالقول (لو انني اردت تلخيص هذا المؤتمر لقلت اننا وضعنا اسس الدولة اليهودية بحدودها الشمالية التي ستمتد حتى نهر الليطاني وبعد خمسين عاما بالتأكيد سيرى كل انسان هذه الدولة) . عقب صدور اشارة البدء بدأ التخطيط الصهيوني المائي وكأن اسرائيل فعلا يومها أعلنت: * تقدم تيودور هرتزل بطلب رسمي الى الحكومتين المصرية والبريطانية عام 1903 يهدف الى تحويل مياه النيل الى سيناء لتوطين المهاجرين اليهود بها استعدادا للوثوب على فلسطين, واحاط طلبه بسرية بالغة, وبالفعل حصل على موافقة الحكومة البريطانية وشكل بعثة فنية يهودية للمتابعة لولا ان سياسة الوفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا في مواجهة الخطر الالماني التركي تسببت في اجهاض الموضوع . ثم قام المهندس اليهودي ويلبوس عام 1905 بدراسة وادي الاردن وخرج بنتيجة قائلة ان مياه نهر الاردن لن تكفي حاجات فلسطين على المدى البعيد والحل في تحويل نهر الليطاني الى نهر الحجاني لاحد منابع الاردن لمضاعفة كمية المياه في النهر . وتقدم حاييم وايزمان بمذكرة الى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في 26/2/1919 طالبا تحسين حدود الوطن القومي اليهودي طبقا لوعد بلفور بان يضم حوض الليطاني وجبل الشيخ وحرمون وهي المناطق التي تضم منابع الاردن وبانياس واليرموك ووجه في نفس العام رسالة الى حزب العمال البريطاني تحمل نفس المضمون. طلبت المذكرة الصهيونية المقدمة الى مؤتمر الصلح في باريس 1919 ان تبدأ حدود الدولة الصهيونية من صيدا وتتبع منابع المياه من سلسلة جبال لبنان في جسر الفرعون ثم الى البير وتمر بعد ذلك في الخط الفاصل بين حوض وادي القرن ووادي اليتم متجهة جنوبا للتبع الخط الفاصل بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ. وبناء على ضغط يهودي تم عقد اتفاق بين الانتداب الفرنسي والانتداب البريطاني 1924 ورد فيه (يقوم خبراء تعينهم سلطات سوريا وسلطات ارض اسرائيل بوضع دراسة مشتركة لامكانات استغلال مياه نهر الاردن الاعلى واليرموك وروافدها من اجل الري وتوليد الطاقة لتلبية حاجات المناطق الواقعة تحت الانتداب وتعطي حكومة فرنسا ممثليها تعليمات متساهلة بشأن استخدام فوائض هذه المياه لمصلحة ارض اسرائيل) .. هذا الاتفاق الذي اعتبره المراقبون بحق بمثابة وعد بلفور المائي للصهاينة. ثم استطاعت شركة صهيونية عام 1926 الحصول على امتياز من الحكومة البريطانية باستغلال نهر الاردن واليرموك لمدة 70 عاما.. وفي العام التالي 1927 ظهرت خطة بانشاء وكالة وادي الاردن لري الاراضي القاحلة وتوليد الكهرباء. * في الثلاثينات توالت حركة الاستيطان اليهودي باعداد مكثفة (عام 1938 فانتشر نحو 250 الف يهودي في 233 مستوطنة ) ونزل المستوطنون مسلحون بخرائط تشبه الخرائط العسكرية للمحاربين صممت بمنتهى الدقة حول اغنى مصادر المياه. وفي عام 1944 ظهر مشروع سميجا بلاس في كتاب نشره بالعبرية بعنوان (امكانات الثروات المائية في ارض اسرائيل) ضم الكتاب جميع مصادر المياه في المنطقة : نهر الاردن اليرموك, اليركون, مياه الينابيع, المياه الجوفية, السيول, المجاري, المجارير.. وطبقا لرؤية بلاس تؤمن هذه المصادر في العام الواحد 4300 مليون متر مكعب من الماء تروي 8 ملايين دونم وتؤمن الاستخدام المنزلي بـ 8 ملايين شخص.. واقترح بلاس في خطته جر مياه من البحر الابيض الى البحر الميت من خلال استغلال التفاوت بين البحرين لبناء محطة توليد طاقة كهربائية. في نفس العام نشر المهندس اليهودي الامريكي لاودر ميلك بالعبرية كتابه (مشروع وادي الاردن) شرح فيه خطته بأن مشكلة دولة اسرائيل بالاساس هي ايجاد المياه وتوليد الطاقة الكهربائية وان حل المشكلة يتم باخذ المياه من نهر الاردن وتخزين مياه الفيضانات الشتوية واستخدامها في الصيف وتوصيل البحر الميت بالمتوسط (وهي فكرة كان اول من طرحها هرتزل) وان المشروع يضمن تسكين مليون مهاجر يهودي. وفي عام 1946 وبتكليف من الوكالة اليهودية وضع هايز مشروعه الذي سمي (قطة هايز) في كتابه (الثروات المائية في ارض اسرائيل) وشمل سوريا ولبنان وشرق الاردن وارض اسرائيل واستهدف زيادة المساحة من 40 الف دونم الى 624 الف دونم وتأمين الاستهلاك المنزلي الى 795.3 ملايين يهودي على ارض اسرائيل (فلسطين) وانشاء خزان مركزي للمياه في سهل (بيوت نتونا) ووصل البحرين بتكلفة تصل الى مليار دولار. وفي عام 1947 وقبل اقتراح التقسيم, وبينما كانت المعارك تدور كانت حربا لا تقل شراسة على المياه, فقد تم اختيار مشروع هايز لاحالته الى اللجنة الخاصة بشؤون اراضي اسرائيل رفض البريطانيون المشروع باعتبار الدفاع عن المصالح الاردنية وردوا بمشروع آخر فهمه الصهاينة بانه مشروع معاد وبينما تضع اوزارها الحرب صدر عن لجنة مسماه (لجنة الدراسات الفلسطينية) عام 1948 مشروع مستقى من مشروع هايز يتضمن فكرة تحويل روافد نهر الاردن الى قناة قطرية بموازة النهر يجري فيها الري بصورة اساسية عن طريق الضخ ويتضمن تحويل مياه الليطاني الى بحيرة الحولة لزيادة كمية مياه الري وزيادة القدرة على تحويل مياه نهر اليرموك الى بحيرة طبريا.. هذا المشروع ايدته الامم المتحدة وعارضته حكومة الإنتداب. * في نوفمبر 1948 وعقب الاعترافات بالكيان الصهيوني تقرر ان يؤلف المجلس الاجتماعي والاقتصادي للامم المتحدة هيئتين, الاولى هيئة تحكيم مؤلفة من دولتين, والثانية مجلس اقتصادي مشترك بين اسرائيل والدول العربية يضم بين اعضائه ممثلين لدول اجنبية. انتهت حرب 48 ليفاجأ العرب بان فجيعتهم ليس فقط في نشوء كيان غريب فرض رغما عن ارادتهم بل عن ظهور عالم كامل من التخطيط السري تم وراء اعينهم تمخض عنه واقعيا عدة حقائق منها ان مصادرهم المائية من الاردن الى اليرموك الى الليطاني شاءوا ام ابوا تم تدويلها, صحيح ان المسألة المائية في عمومها لها بعد دولي.. الا ان الفجيعة العربية تمثلت في ان هذه الانهار في مجملها عربية, وان عليهم بغض النظر عن الرفض السياسي الجذري للكيان الصهيوني ان يجلسوا على (موائد دولية) لنقاش الامر. * ان مشروع الكيان الصهيوني هو مشروع لانهاء الطموحات من زاوية اعتماده على فكرة الهجرة والاستيطان والعمل, الاولى تتعلق بالافواج البشرية المحتمل قدومها (آخرها مثلا مليون مهاجر في وقت متأخر عام 1989) والثانية والثالثة تتعلقان بفكرة اليسار الصهيوني في تحرير اليهودي بالزج به في الصحراء للاستصلاح في مستوطنات. ان جذر الصهيونية المتعلقة بالعنصرية لا يتضح في شئ ما قدر اتضاحه في المسألة المائية, فعلى الرغم من كل طروحات الاقليمية والعالمية في المشروعات المقترحة لم تبرز فكرة الجوييم والاغيار في شيء, والامر لا يحتاج الى ادلة من خرائط الاستيطان الى الحروب حرق المحاصيل وسياسات التعطيش الى الحادثة الشهيرة بتخصيص حنفية مياه شرب لكل 1600 مواطن عربي في العوجا. فحتى لو حاولت بعض الدول الافلات من القومية للقطرية بمصالحات ثنائية تلك الايام فان واقع المطامع الصهيونية كما ورد في كل المشروعات واضح في توجهاته بان حل المشكلة المائية الصهيونية يعتمد ولا حل آخر على الموارد العربية. انتهت حرب 1948 واسرائيل تنتج كلها 250 مليون متر مكعب من المياه في السنة من كل مصادر المياه الجوفية والانهار المحلية, وفيما العرب يلملمون جراحاتهم جراء هزيمتهم, لم يدركوا ان المنتصر في وضع اصعب من المهزوم وان هناك مشكلة حياة او موت يتعرض لها الكيان لا تجد لها حلا في التفوق العسكري ولا صندوق الوكالة اليهودية. وتطرح اولى الحلول نفسها بتجفيف المستنقعات (1949 1950) واشهرها عملية تجفيف الحولة الا ان هذا الحل يصطدم بمشكلتين (المحدودية والتبخر) فيتم تكليف المهندس (ج.س.كوتون) بتنفيذ مشروع هايز فيبدأ الاصطدام بالواقع الاقليمي بالمنطقة. في نوفمبر 1953 يتم طرح مشروع ماين كليف الذي يكفل لاسرائيل الحصول على 394 مليون متر مكعب تكفي لري 410 آلاف دونم, الا ان المشروع يلقى نفس الفشل لنفس الاسباب السابقة.. وكالعادة تتحرك الولايات المتحدة الامريكية لانقاذ ربيبتها من مأزق مصيري فيعين الرئيس الامريكي ايزن هاور (اريك جونستون) رئيس المجلس الدولي لهيئة المساعدة التقنية ممثلا شخصيا له بدرجة سفير, ويكل له مهام ادارة الملف. ان قصة مشروع جونستون قصة مريرة في تاريخ العرب المائي لعدة اسباب وقصة صراعهم مع الصهاينة لاسباب عدة منها ان القصة امتلأت بالاتهامات المتبادلة عن من وافق على المشروع ومن رفضه بين اطراف عربية ــ عربية خاصة ان المشروع اخذ شكل الجولات المكوكية واستمر اربع جولات من اكتوبر 1953 الى اكتوبر 1955. وقد لفت ان المشروع الانظار مبكرا الى خطورة المدخل المائي في التطبيع, فالاطراف المشاركة في المفاوضات كانت تتناقض مع ما تطرحه من سقف سياسي يرفض التكامل مع الكيان والمقابل لذلك الحرب الفورية فيما اسماه امين هويدي فيما بعد (الحالة الثورية) . ويطرح البعض الآن مشروع جونستون او العودة الى مشروع جونستون مطور بنفس المعنى الذي يشبه اعترافات التائبين في ابداء الندم على رفض قررات التقسيم. على أية حال فقد اسدل الستار على مشروع جونستون والذي لم يكن اكثر من الجمع بين مشروع ماين كليف وري غرب سيناء بمياه النيل عام ,1955 خاصة بعد ان صرح جونستون بانه لن يتم أي تغير في وضع اللاجئين بعد المشروع, وقررت جامعة الدول العربية احالته للجنة لموائمته مع المصالح العربية, اما اسرائيل فلم تجد حرجا من المزايدة على لسان موسى شاريت بأن اسرائيل لا ترفض الرقابة الدولية على مصادر المياه فحسب بل انها لا تقبل التخلي عن ضم الليطاني الى المشروع العام. استمرت الاوضاع المائية في المنطقة دون الحل النهائي وعلى الرغم من ان بشير البرغوثي في كتابه (المطامع) يرفض الرأي القائل بان حرب 67 قامت من اجل اسباب مائية مهاجما في ذلك اراء استراتيجيين من نوع جون كيللي الامريكي الا ان البرغوثي لا يبرر ذلك بطريقة كافية سوى بالاشارة الى ان هذه الاراء تحاول اضفاء طابع انساني على السياسة الصهيونية. فالحقائق على الارض تقول ان المأزق المائي الاسرائيلي والتدخل الى حد الحرب الجزئية كما حدث في احداث تحويل نهر الاردن, مؤشرات ان الدافع المائي كان على قمة اجندة الحرب, صحيح انه دافع نتيجة لسياسة التوسع والاستيطان لكنه واقع, يرد البرغوثي على هذه الاراء بحجتين الاولى ان اسرائيل حولت ماء الاردن الى مجرى مائي مالح وهزيل والثانية ان اسرائيل التي كانت تدعي استفادتها من كل مواردها المائية ومن حصارها المائي كان يضيع سنويا على اراضيها 5.3 مليارات متر مكعب من مياه الامطار الساقطة عليها ترتفع 160% وتنخفض 25%. هذه الحجج لا تنفي في تقديري دوافع إسرائيل المائية بقدر ما تعضدها بمعنى ميل الكيان الصهيوني العضوي لحل مشاكله على حساب الآخرين. أن أهمية التركيز على دوافع حرب 1967 لا تقع أهميتها في حرب راحت في دفاتر التاريخ وإنما في فهم أجندة اليوم الإسرائيلية في المنطقة حربا أو سلما. وليس هناك ما يزيد تدليلا على هذه الاجندة سوى العودة إلى ليفي اشكول في كتابه (أعلى الطريق) الصادر عام 1966 في أشهر قليلة قبل الحرب, كتب ليفي "منحت حرب الاستقلال (يقصد حرب 1948) مساحات شاسعة من الأرض لكن سرعان ما اتضح لنا أن العامل الذي يحد من التنمية الزراعية في إسرائيل هو المياه لا الأرض, فمصادر المياه المحدودة موجودة في مناطق قليلة في البلد وشمال البلد تنزل الأمطار وفيه أيضا ينابيع ونهر الأردن واليركون في حين أن الجنوب جاف.. هكذا وعد الله إسرائيل ولقد القينا على عاتقنا إصلاح ما خلقه) . لقد كانت سنوات ما قبل الحرب هي سنوات الحشد لحل المأزق المائي لإسرائيل وقد كان صدور قانون المياه المالي عام 1959 والذي حدد ثلاث جهات وهي لجنة المياه ومؤسسة نحال ومؤسسة مكوروت بدعم من الصندوق القومي اليهودي (24%) لا يستهدف فقط التخطيط المائي بل قبل هذا وذاك البحث عن مصادر مائية جديدة.. على أية حال انطلقت الحرب عام 1967 وانتهت باحتلال الضفة والقطاع لتمارس إسرائيل خطتها الصغرى في (حل محدود) في انتظار (الحل الإقليمي الشامل) الذي قدمته مشاريع الآباء الصهاينة الأوائل, وعليه اصبح الموقف الإسرائيلي كما يلي : الحصول على 40 مليون متر مكعب سنويا من الأمطار (15 شرب, 15 ري, 10 مالحة) و 1340 مليوناً مياه جوفية (1205 للشرب و15 للري و10 مالحة) وانهار 620 مليوناً في عجز محدود عن متابعة مطامع التوسع حيث يستهدف زيادة الاستهلاك إلى 30 %. وعليه لم تجد إسرائيل أي غضاضة في ممارسة عنصرية مائية لحل مأزقها التوسعي بممارسات لم تحدث حتى في الأزمنة القديمة (أزمنة تسمم الآبار). وضعت الحرب أوزارها وبدأ حديث التسوية في المنطقة فما هو الموقف؟ طبقا لما يراه ستوفر توماس في كتابه (غنائم الحرب) أن الحاجة للمياه في إسرائيل تتزايد وانه لا المياه الجوفية ولا نهر الأردن تستطيع أن تروي حاجة 4 ملايين يهودي. أما المحلل الاستراتيجي بيدا تروز سيرفين فيعتقد أن أية معاهدة سلام عن الضفة والجولان وغزة ستنجح وتفشل بناء على مشكلة المياه, وأن انسحاب إسرائيل من الضفة نوع من الانتحار. القاهرة ــ خالد محمود