شغلت قضية توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بال المسؤولين على مدى الايام القليلة الماضية مما دفعهم الى التأكيد مجددا على رفض لبنان لهذا الامر وعلى حق الفلسطينيين في العودة الى وطنهم . واكد رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص امس الاول ان لبنان يرفض رفضا قاطعا اعادة توطين الفلسطينيين الذين يعيشون على ارضه قائلا ان لبنان يريد ان تكون له كلمة في المسألة وذلك في الوقت الذي عكفت فيه حركة فتح منذ فترة على اعادة تنظيم قدراتها العسكرية والاجتماعية في لبنان ووسط معلومات ان الرئيس الفلسطيني اعاد ضخ الاموال الى فتح التي وصلها مؤخرا مليون دولار امريكي لاعادة التنظيم والامساك بورقة المخيمات في لبنان خاصة في عين الحلوة. وقال رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص ان رفض لبنان اعاده توطين الفلسطينيين يهدف لحماية الوفاق الوطني والوحدة الوطنية اللبنانية. واضاف نسمع احيانا ان معالجة مسألة اللاجئين تتم في اطار المسار الفلسطيني لمفاوضات الوضع النهائي ونسمع احيانا اخرى انها احدى نقاط المناقشة في المفاوضات المتعددة الاطراف. وكان الحص يشير الى تصريحات السفير الامريكي في بيروت ديفيد ساترفيلد الذي وصف اي حديث عن اللاجئين الفلسطينيين بانه سابق لاوانه. وفي بيروت لاتملك الاوساط السياسية, ولا الرسمية المحلية, معلومات كافية تؤكد تماما الربط بين توقيت عودة (فتح) بهذه القوة المالية والعسكرية, وستأخذ بالتنامي تدريجيا, في المرحلة التالية, وبين بدء بعض الفلسطينيين بتهيئة الاجواء لتمرير مشروع التوطين لما بين 250 الفا الى 350 الفا من اللاجئين المقيمين في مخيمات لبنان, وبعضهم خارجها في مناطق عدة. وتلحظ الاوساط نفسها ان (فتح) بدأت اعادة تنظيم قدراتها في لبنان منذ ان تولى ايهود باراك رئاسة الحكومة الاسرائيلية وما يستدعي استحضار الاحتمالات الحساسة لصالح التوطين ان اعادة التنظيم لا تقتصر على توحيد الصفوف والمسائل العادية التي يعاني منها اللاجئون حياتيا, بل تتعدى ذلك الى استعادة تركيز البنية العسكرية وتطويرها, من ناحية, وتركيز المواقف السياسية, من ناحية ثانية, اضافة الى ان اعادة ضخ الاموال من ناحية ثالثة ترافقت مع تأكيدات انه (مال سياسي) اي يدفع لمن يكون مرضيا عنه ( على اساس ذلك السقف) ويحجب عن (المخالفين والمعارضين) . وعلى الصعيد التنظيمي عينت لجنة لبنان في (فتح) احمد الصالح مسؤولا عن ميليشيا الحركة في لبنان, بدل خالد الشايب والذي بقي عضوا في القيادة, ومعين كعوش نائبا للصالح الذي كان مسؤولا عن الأمن العسكري في منطقة صيدا, وهو مقرب جدا من عضو قيادة (لجنة لبنان) رجب الجبالي, وعين ايضا محمد علي عبيد مسؤولا عن التدريب العسكري في الجنوب, واتخذ مقرا للتدريب قرب (جبل الحليب) في مخيم عين الحلوة. وتخلص الاوساط اللبنانية المراقبة الى ان (فتح) تهدف من خلال ذلك الى تكريس نفسها مرجعية وحيدة لمخيمات لبنان, وانها تتجه لتعزيز قوة هذه المرجعية, في وجه معارضيها الى عودة تنظيمين رئيسيين في منظمة التحرير هما: (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) و (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) . لكن السؤال الذي يملك اجوبة متضاربة ومتناقضة: هل توقيت استعادة (فتح) لمرجعيتها يهدف الى ان تكون الجهة الوحيدة التي تفاوض باسم مصير مخيمات لبنان عندما يتم احياء مسارات المفاوضات مجددا؟ وهل يتطلب اتفاق عودة لاجئي لبنان الى فلسطين في التسويه الشاملة المفترضة الى جهة وحيدة تمثلهم في المفاوضات ام ان هذا ما يتطلبه تمرير مشروع مثل التوطين, خاصة وان فصائل فلسطينية عديدة ترفض مشروعا من هذا النوع وتصر على العودة؟ ابو فادي حماد من هذه الاصوات المعارضة للمشروع امين سر (فتح الانتفاضة) في لبنان وعضو مجلسها (الشورى) ابو فادي حماد الذي يقول عن الوجود الفلسطيني في لبنان: هذا الوجود قسري, فالشعب الفلسطيني هنا في (لبنان) بفعل الاحتلال الصهيوني لفلسطين ومجازره, وحسب قول مناحيم بيجين لولا مجزرة دير ياسين لما قامت (دولة اسرائىل) اي انه لم تطأ اقدام الفلسطينيين ارض لبنان الشقيق سعيا وراء لقمة الخبز بل بسبب ظروف قاهرة اجبرتهم على الرحيل من ارض وطنهم. وتساءل اين الموقف الفلسطيني على ضوء ذلك, من التوطين؟ يقول ابو فادي حماد: (اللجنة الوطنية العليا للمتابعة المنبثقة عن المؤتمر الوطني الفلسطيني قابلت رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء في لبنان, حيث جرى التأكيد على استراتيجيتنا وتمسكنا بفلسطين وحق العودة ورفض التوطين. وحذرنا ايضا من الحديث عن مرجعية لجماعة ورموز (اوسلو) في لبنان. صلاح صلاح ويسجل عضو المجلس الوطني الفلسطيني صلاح صلاح مأخذه على الطروحات التي تتناول التوطين بتوقفه عند نقطتين فيقول: (النقطة الاولى: ان بعض الذين يرفضون التوطين من اللبنانيين لايستندون بذلك على موقف مبدئى يعبر عن التمسك بحق الفلسطينيين بالعودة وانما موقف مصلحي, اي يرفضون التوطين في لبنان ويروجون له خارج لبنان, وابرز مثل معلن على ذلك المشروع الذي نشرته الصحف على لسان احد الوزراء في العهد السابق لتوزيع الفلسطينيين الموجودين في لبنان على دول اخرى عربية ودولية متجاهلا حقهم بالعودة ورفضهم التوطين في لبنان وغير لبنان. اما النقطة الثانية, يتابع صلاح صلاح قائلا: استمرار ممارسة القهر والظلم على الفلسطينيين وحرمانهم من ابسط حقوقهم الانسانية والاجتماعية التي تمكنهم من العيش بشرف وكرامة. واضاف من مصلحتنا كفلسطينيين ولبنانيين لاسباب انسانية واجتماعية واقتصادية ووطنية, ان نحيط الفلسطينيين بوضع مريح, وليس صحيحا ان هذا سينسي الفلسطيني قضيته, ويتخلى عن المطالبة بالعودة ويقبل التوطين. لبنان وتعريف اللاجىء كيف تعرف الدولة اللبنانية اللاجىء الفلسطيني؟ يجيب عضو الاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين طارق الدباغ مجيبا: لا يوجد نص قانوني خاص يحدد من هو اللاجىء الفلسطيني, فقد اعتمدت مديرية شؤون اللاجئين في وزارة الداخلية اللبنانية, احصاء (الاونروا) لعام 1951 كنقطة انطلاق, لتحديد اللاجئين لديها ثم ادخلت تعديلات عدة وفقا لمراسيم وزارية, كما حصل مع اللاجئين الواردين عام 1956, بقيدهم في سجلات مديرية شؤون اللاجئين بموجب قرار وزير الداخلية رشيد الصلح عام 1975, وتاليا لم شمل التسجيل الرسمي اللبناني, جميع الفلسطينيين الموجودين على الارض اللبنانية حتى عام 1969, من دون مشكلات, اما بعد عام 1970 وبدء وصول فلسطينيين من الاردن فان هؤلاء القادمين لم يسجلوا على الاطلاق في لبنان, حتى مغادرتهم في 1982 وبعدها. يتابع الدباغ: (بناء على ذلك ترك اللاجئون الفلسطينيون ليعتبروا اجانب من فئة خاصة, من دون منحهم بطاقة هوية, بل بطاقة خاصة باللاجئين الفلسطينيين ولذلك فان اكتساب وضع اللاجىء الفلسطيني منحصر بمن ولد من أب لاجىء مسجل, وهذا المعهود, او بمن صدر قرار من وزير الداخلية خاصة به مما ينقص عددهم باكبر قدر ممكن. التلاعب باعداد اللاجئين وحول العدد الحقيقي للاجئين الفلسطينيين في لبنان, خاصة في ظل تناقض الارقام, واحيانا التلاعب بها, يقول الدباغ: احصاءات الحكومة اللبنانية غير معلنة واذا اعلنت لادقة كاملة فيها, رغم ان الامكانات متوافرة, فالتقرير الرسمي الذي قدمته مديرية شؤون اللاجئين الى وزير الداخلية اللبناني عام 1969, يشير الى انه جرى احصاء عام لجميع اللاجئين الموجودين في لبنان في العام 1952, فكان عددهم 140 الف نسمة, تقريبا, وتشير سجلات وقوعات الولادة الى ان عدد المواليد حتى آخر عام 1968 قد بلغ 87 الفا, وعدد الوفيات اربعة الاف فيكون العدد في نهاية 68 هو 214 الف نسمة. وقال ان الاونروا شطبت عام 1951 من سجلاتها نحو 31 الفا بسبب اخطاء في التسجيل ثم شطبت 7500 نسمة في العام 1966, بسبب تحسن اوضاعهم المالية. اضافة الى ذلك تفيد الاونروا ان اعداد الفلسطينيين في لبنان الذين يتلقون خدماتهم كانت وفقا لتقارير المفوض العام: يونيو 1996 ــ 352668 يونيو 97 ــ 359005 ديسمبر 97 ــ 362098 لذلك يتحكم العامل السياسي ــ الاقتصادي بتقدير ارقام اللاجئين, فبعض الجهات اللبنانية تعمد الى تضخيم الرقم بما يزيد عن 600 الف لاظهار, ان لبنان يتحمل عبئا كبيرا, كي تبرز مشاريعها بطلب توزيع الفلسطينيين الى دول اخرى, بينما واقع الحال ان الفلسطينيين هم الفئة التي يتناقص عددها, اذا اخذنا في الاعتبار مسألة اعادة الجنسية اللبنانية لنحو 35 الفا من اللاجئيين من ابناء القرى السبع وفقا لقرار التجنيس ( المرسوم الرقم 5247 في تاريخ 20 يونيو 1994). ويختم الدباغ قائلا: (ان التقدير العام المنطلق في اعتماد ارقام (الاونروا) , وبعد حسم الذين جرى تجنيسهم او منعهم من العودة الى لبنان, واضطرارهم للتجنيس في الخارج ما ادى لشطب قيودهم, يطرح ارقاما منخفضة للوجود الفلسطيني اللاجئى في لبنان الى ما يقرب من 227 الفا فقط, في حين ان العدد المعلن هو 400 ألف لاجىء. بيروت ــ وليد زهر الدين