بدأت الحياة تعود الى شوارع الرباط بعد يوم من الحزن الهيستيري لوداع عاهل المغرب الراحل الملك الحسن الثاني تطلب اسعاف اكثر من 1500 من مئات الالاف الذين شيعوا مليكهم الراحل وحاولوا جاهدين القاء النظرة الأخيرة على نعشه قبل مواراته الثرى فيما ركزت الصحف المغربية امس على تحويل التشييع الرباط الى عاصمة للسلام والمصالحة. وبعد ساعات من مواراة جثمان العاهل الراحل الثرى غابت تقريبا كل اثار مراسم التشييع التي استمرت اكثر من اربع ساعات. ففي شارع محمد الخامس حيث كسرت الحشود الطوق الامني, وحدها بعض الحواجز الحديد وبعض شاحنات تابعة للشرطة والجيش لا تزال تشهد على الحدث. وبدأت الحركة التي بدت وكأنها شلت منذ اعلان وفاة الملك مساء الجمعة الماضي عن سبعين عاما بعد اصابته بالتهاب رئوي حاد, تعود بهدوء الى شوارع العاصمة. لكن المحلات والمطاعم لم تفتح ابوابها بعد. بيد ان احياء وسط المدينة التي كانت مقفرة منذ يومين امتلأت مجددا بالمتنزهين والسيارات. ولم يعد يشهد محيط ضريح محمد الخامس حيث ووري الملك الثرى الى جانب والده وشقيقه مولاي عبدالله, اي تجمعات لاشخاص مفجوعين بوفاة الحسن الثاني كما في اليومين السابقين. هذان اليومان شهدا مظاهر حزن هيستيري لدى حشود المغاربة المشاركين في الجنازة والذين اجتازوا حواجز الشرطة ليختلطوا مع جمع من زعماء العالم الذين شاركوا في التشييع. وسار الرئيس الامريكي بيل كلينتون وحشد من زعماء العالم على مسافة خطوة واحدة وراء جثمان العاهل الراحل مما جعل الموكب بمثابة التحدي لكل الحراس الشخصيين. وقال دبلوماسي امريكي غلبه التأثر وقد احاط به الزحام (لم أر شيئا مثل هذا مطلقا) . وفشلت الصفوف المتراصة من مسؤولي القصر ورجال الامن وقوات الجيش في منع مئات المغاربة المصدومين من اجتياز حواجز الشرطة للاقتراب من النعش. وما ان سرى النبأ بأن نعش الملك الملفوف بقماش من الحرير باللونين الاحمر والاسود ومشغول بآيات قرآنية كتبت بالذهب تجاوز بوابات القصر في الطريق الى الشارع الرئيسي في الرباط حتى سرت موجة هيستيرية بين الحشود المنتظرة. وهتف بعض المحتشدين (روحنا معك.. قلوبنا معك) . ولم يحتمل كثيرون وطأة الحزن ولهيب الشمس فأصيبوا بالاغماء مما استلزم نقلهم فوق صفوف المشيعين المتلاحمة الى مكان آمن. وقالت مديرة المستشفى الرئيسي بالعاصمة المغربية الرباط لرويترز ان اكثر من 1500 شخص احتاجوا الى اسعافات اولية خلال الجنازة بسبب سلسلة من المشكلات. واردفت سعاد بيناني قائلة ان 177 شخصا فقط تطلبت حالتهم اسعافا عاجلا في المستشفى لان الحالات الاخرى عولجت في الخيام التي نصبت في كل انحاء البلاد. واضافت ان شخصين فقط اصيبا بجروح خطيرة. واغشى على اناس كثيرين بعد ان غلبهم الحزن وحرارة الشمس اللافحة. وتسلق بعض الشبان الاشجار على طول الطريق الذي سلكته الجنازة لرؤية الموكب بشكل افضل. وفي احدى المراحل اصيب عدد غير معروف من الاشخاص عندما تحطمت فروع الاشجار التي كانوا يجلسون فوقها وسقطوا على المارة. وبعد يومين من الوفاة المفاجئة للحسن الثاني ما زال المغرب يجد صعوبة في تصديق حقيقة ان الرجل الذي حكمه منذ عام 1961 قد رحل. وقال رحيم سلاقي (51 عاما الطيار في القوات الجوية) (يبدو الامر كما لو ان والدي هو الذي مات) . وتوقفت حركة القطارات احتراما للعائلة المالكة التي تعد احد اقدم العائلات المالكة في العالم. ولجأ العديد من سكان مدن وقرى نائية الى السير على الاقدام الى المدينة الواقعة على ساحل المحيط الاطلسي. وقالت عزيزة البالغة من العمر 38 عاما والتي وفدت الى العاصمة مع عشرات من صديقاتها قادمة من بلدة تمارا (كانت مسيرة 20 كيلومترا الا اننا لم نشعر بطول الطريق اذ صدمنا الحزن) . واضافت وقد خضبت يداها بالحناء التقليدية (كان الحسن ابانا0 وابنه (الملك محمد السادس) اخانا. سيجلب الرخاء) . وأجمعت الصحف المغربية امس على ان جنازة العاهل المغربى الراحل اظهرت للعالم ان وحدة المغاربة والتفافهم حول العرش العلوى هى صانعة امجادهم وتفردهم بين الامم وتأكيد على ولاء البيعة للعرش. وذكرت صحيفة (العلم) التى يصدرها حزب الاستقلال (مشارك فى الحكومة) ان يوم وداع الشعب المغربى للملك الحسن الثانى سيظل يشهد امام التاريخ للوحدة بين العرش والشعب.. مشيرة الى ان التاريخ توقف ليسجل فاجعة شعب عرف الحسن الثانى والتفت فى حماس متدفق حول العاهل المغربى الجديد الملك محمد بن الحسن وحولت موكب الجنازه الى بيعة وتأكيد للولاء. ومن جانبها قالت صحيفة (الاتحاد الاشتراكي) التي يصدرها حزب الاتحاد الاشتراكى للقوات الشعبية ان جنازه الراحل الحسن الثانى حولت الرباط الى عاصمة للسلام والمصالحة مشيرة فى هذا الصدد الى ان يوم امس شهد لقاءات غير متوقعة كان ابرزها لقاء الرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة مع رئيس الوزراء الاسرائيلى ايهود باراك وهو اول لقاء بين شخصية جزائرية وشخصيه اسرائيلية اضافة الى لقاء بين الرئيس الجزائرى والرئيس الفرنسى جاك شيراك والذى يبدو انه اذاب كثيرا من الجليد الذى تراكم منذ عقد من الزمن. وتحت عنوان (وداعا ياحبيب الجماهير) قالت صحيفة (رسالة الامة) التى يصدرها حزب الاتحاد الدستوري المغربى ( يمين معارضة) ان الشعب المغربى أكد بخروجه العفوى الى الشوارع وتلاحمه القوى فى حزنه الكبير ان للملك الحسن الثانى بيعتين بيعة فى حياته وبيعة فى وفاته وان العالم أجمع شهد وهو يتابع الموكب ويطالع وجوه المغاربة الطافحة بالحزن والاسى ان وحدة المغاربة والتفافهم حول العرش العلوى هى صانعة امجادهم بين الامم. ــ الوكالات